العدد 1792 - الخميس 02 أغسطس 2007م الموافق 18 رجب 1428هـ

المطلوب رأس المقاومة في فلسطين

السيد محمد حسين فضل الله comments [at] alwasatnews.com

في المشهد الفلسطيني، يتابع رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير اجتماعاته في فلسطين مع الفلسطينيين والإسرائيليين، في ظل تشكيك في قدرته على تحقيق اختراق سياسي جرّاء القيود التي فرضتها واشنطن على تفويضه كممثل للجنة الرباعية الدولية، حيث واجهته «إسرائيل» بدعوة المجتمع الدولي إلى أن يميّز بين المعتدلين والمتطرفين، وأن يتخذ موقفا حازما حيال حركة حماس، وأن لا يمنحها شرعية في شكل مباشر أو غير مباشر إذا لم تعترف بـ «إسرائيل».

وقد أعلنت وزيرة خارجية العدو أن طريق الفلسطينيين إلى الدولة ينبغي أن يمر أولا بحربهم الخاصة على الإرهاب، والمقصود به هو إيقاف المقاومة ضد الاحتلال وإنهاء الانتفاضة، والحفاظ على الحرية الأمنية والسياسية والاقتصادية لـ «إسرائيل» في أن تتابع خطتها في الاغتيال للشخصيات الفلسطينية الناشطة واعتقالها، واجتياح القرى والمدن الفلسطينية من دون معارض أو مقاوم، الأمر الذي يوحي بأن مهمة اللجنة الرباعية الدولية هي إضاعة الوقت ريثما تستكمل «إسرائيل» استراتيجيتها في السيطرة الكاملة على أكثر فلسطين، لأن هذه اللجنة تمثل مشروعا أميركيا داعما لـ «إسرائيل» من خلال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، من دون أن يملكوا من الأمر شيئا في الحل الواقعي للقضية الفلسطينية في تحرير الشعب الفلسطيني.

وقد تحدث الإعلام إن تل أبيب مستعدة أن تبحث مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بعبارات عامة القضايا الرئيسية بما في ذلك الحدود والأفق السياسي، لأن من السابق لأوانه ـ كما يقول إيهود أولمرت ـ الحديث عن استئناف مفاوضات الحل النهائي. فالخطة الإسرائيلية هي اللعب على عنصر الوقت إلى ما لا نهاية قبل الدخول في الحديث عن الحلّ الحاسم، تماما كما فعلت منذ احتلال اليهود لفلسطين حتى الآن بغطاء أميركي وصمت أوروبي وخذلان عربي، وهي عندما تستقبل المسئولين العرب فإنما تعمل لإيجاد حالة من التطبيع السياسي معها، بما يفضي لتنازلات عربية جديدة ولا يحقق حلم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.

والسؤال الآن: إذا كان طوني بلير غير مخوّل لعقد أي لقاءات مع مسئولين من حماس، فكيف يمكنه أن يحقق شيئا في مجال بناء المؤسسات الفلسطينية، وتحسين الوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، في ظل استثناء وتجاهل المنظمات الدولية لشريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني، ما يجعل من هذه السياسة سياسة فاشلة ولن تفضي إلى أية نتائج حقيقية.

إننا نقول للفلسطينيين إنكم لن تصلوا إلى أية نتيجة واقعية فاعلة على صعيد الحل لقضيتكم في التحرير إذا لم تستعيدوا الحوار الإيجابي بين فصائلكم، ولا سيما بين فتح وحماس، حتى لو حصلت الانتخابات المبكرة، لأن هذا الانقسام للشعب الفلسطيني سيمنع عملية التكامل والتعاون والتواصل في إقامة الكيان، وعليكم أن تعرفوا أن المجتمع الدولي ـ ومعه الأنظمة العربية ـ يخططون لإسقاط الكثير من عناصر القضية الفلسطينية، وفي مقدمها المقاومة التحريرية في خط الانتفاضة، ليسهل عليهم الحل التنازلي الذي سيؤدي بالدولة الفلسطينية إلى مزق متناثرة منفصلة قد تُسمّى دولة، ولكن من دون أية واقعية لمعناها.

وقد تحدث الكثيرون عن خطة إسرائيلية لاجتياح غزة، واغتيال كبار القادة من حركة حماس بتشجيع من بعض القائمين على السلطة أو من الإدارة الأميركية ومن العرب الصامتين صمت الموافقة، وذلك ليكون الحل ضد حماس إسرائيليا... وعلى الشعب الفلسطيني أن يدرك جيدا أن مثل هذه الخطة ـ لو كانت حقيقية ـ ستهدم الهيكل على رؤوس الجميع، لأن المطلوب ليس رأس حماس بل رأس المقاومة التي تواجه احتلال العدو، والجميع يعرف أن السلطة التي تراهن على المجتمع الدولي وعلى النظام العربي في الوصول إلى المطالب الشرعية للشعب الفلسطيني لن تحصل على شيء، لأن «إسرائيل» التي تملك القوة على السلطة لن تمنحها أيّ قوة خارج نطاق الكيان القومي للدولة اليهودية التي لن يعيش العرب إلا على هامشها الاقتصادي والسياسي.

وفي المشهد الأميركي، يتابع الأميركيون والإيرانيون البحث في الأزمة الأمنية في العراق للحدّ من تأثيرها على الواقع الأمني، ولا سيما على الوجود الاحتلالي لأميركا وبريطانيا، في ظل حديث عن أن المفاوضات ستظل محصورة في الشأن العراقي وخصوصا الأمني، ولن تتطرق إلى الملفات العالقة بين واشنطن وطهران وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، ذلك أن أميركا تريد حصر المفاوضات في إطار الاتهام الأميركي لإيران بدعمها للميليشيات الشيعية التي تقاوم الاحتلال وتريد منها الامتناع عن ذلك، لتساعد على تهدئة الوضع الأمني ولا سيما أمن جيش الاحتلال، الذي صرّح مسئولوه بأنه سيبقى مدة عامين في العراق على الأقل.

ونحن نرى أنه من الصعب الوصول بهذا اللقاء إلى أية نتيجة حاسمة، باعتبار أن التعقيدات في العلاقات الإيرانية ـ الأميركية وصلت إلى مستوى من الصعوبة تتجاوز معها الجانب الأمني العراقي، وخصوصا أن أميركا تخطط، مع حلفائها الأوروبيين، لعقوبات جديدة ضد إيران في مجلس الأمن، حتى أن رئيس الوزراء البريطاني هدد بعقوبات جديدة ضد إيران من دون أن يستبعد العمل العسكري ضدها في الوقت الذي تجزم بعض الدول الغربية بأنه لا وجود لأي دليل على التخطيط الإيراني لصنع السلاح النووي، وإذا كان من غير المعقول تطوير إيران للقوة النووية فهل من المعقول لدى الغرب كله امتلاك «إسرائيل» الترسانة النووية الهائلة التي تمثل خطرا على المنطقة؟!

إن الإدارة الأميركية لا تزال تتحرك للعبث بأمن المنطقة كلها من أجل الحصول على مقدراتها الاقتصادية، لتحقيق مصالحها الاستراتيجية بمختلف الوسائل وفي كل الدول التي تخشى منها على خططها الاستكبارية، وقد صرّح مسئول استخباراتي أميركي إنه إذا تعرضت أميركا لهجوم ناجح من تخطيط عناصر القاعدة في منطقة القبائل الباكستانية فإنها ستدخل هذه المناطق وتسوّيها بالأرض، ما يدل على أن أميركا لا تؤمن بالحلول السلمية للمشكلات التي قد تواجه سياستها التي تسيطر على هذا البلد أو ذاك، وكما أنها توزع اتهاماتها غير الواقعية ضد المعارضين لها، ليكون العنف هو الوسيلة الوحيدة التي تحركها في العالم كله تحت أكثر من عنوان، ولا سيما عنوان الحرب ضد الإرهاب الذي فشل في حركة الإدارة الأميركية في أكثر من موقع في العالم.

ومن جانب آخر، فإن نجاح حزب العدالة والتنمية الذي يختزن في داخله البعد الإسلامي في تركيا، يدل على أن الشعب التركي المسلم لا يزال مخلصا لدينه ولالتزامه الإسلامي ضد الذين يحرّكون العلمانية في النظام التركي، لتحويلها إلى ما يشبه الاتجاه الذي يمثل القداسة التي تشبه القداسة الدينية، ولذلك فإنهم يضطهدون الأوضاع الدينية كالحجاب والمدارس الدينية خوفا من الانطلاقة الإسلامية للشعب الذي لا يوافق بأكثريته على النظام العلماني، بل يحاول أن يمارس الديمقراطية في معناها السياسي الإنساني الذي حمل الإسلاميين إلى الدرجة العليا في الانتخابات التشريعية...

إننا نتوجه للقوى العلمانية في تركيا، ولا سيما القوى العسكرية، أن هذا النظام قد انطلق من تقليد النظام الغربي الذي تتحرك علمانيته في خط الحرية، فيما عدا بعض الدول كفرنسا، ولذلك فإن الالتزام الخانق بهذا النظام ضد الحريات الدينية يدل على تخلّف سياسي واجتماعي لا تعترف به العلمانية الغربية.

أما في لبنان، فلا تزال المبادرة الفرنسية تتحرك فيما يشبه الجمود السياسي الذي يلتقي مع المبادرة العربية في متاهات الجدل البيزنطي، ولا سيما مع التعقيدات اللبنانية الداخلية في الانتخابات الفرعية التي حرّكت بعض الجروح في حركة المعارضة والموالاة، ما قد يخلق بعض المشكلات في المعركة الانتخابية القادمة. كما أن الحركة الأميركية التي يمارسها سفيرها في لبنان توحي للقائمين على شئون السلطة بالرفض المطلق لأيّ حلّ للأزمة السياسية، ما قد ينعكس سلبا في الأوضاع على الاستحقاق الدستوري المقبل في الانتخابات الرئاسية التي قد تصل بها الأزمة إلى حال من الفراغ الذي قد يربك الأوضاع كلها.

وفي ختام المطاف، فإن السلطة المسيطرة على شئون الخدمات تمارس عملية نشر الظلام في المناطق المستضعفة في لبنان، حيث يعاني الناس في هذا الحرّ الشديد انقطاع الكهرباء في شكل شبه كلي، في الوقت الذي تبقى العاصمة ومناطق أخرى تنعم بالنور على مدار الساعة، الأمر الذي يجعل الناس يعيشون فيما يشبه الكارثة الحياتية في حياتهم الخاصة وفي صناعاتهم وفي أوضاعهم العامة، ما جعل فريقا كبيرا من اللبنانيين، ولا سيما في الضاحية، يخيّل إليه أن المسألة تتعدى الجانب الفني إلى الجانب السياسي لمعاقبة الشعب الذي وقف مع المقاومة وصمد أمام العدوان الإسرائيلي، ولا سيما في الذكرى السنوية للانتصار الكبير الذي جسّدته المقاومة على العدو الصهيوني...

إننا نتساءل: هل هناك دولة في العالم تعاقب شعبها في أشد الأوقات قساوة، وذلك في وقت يسقط البلد وينهار أمام المديونية التي تتصاعد في أرقام قياسية لتصل به إلى حال الانهيار، وفقدان الاستقرار المعيشي والخدمات الحياتية... وفي غياب التخطيط لمواجهة الأوضاع المعقّدة التي يعيشها الناس في لبنان، ليبقى الإنسان في وطنه مجرد حالة طائفية مذهبية يصفّق للقائمين على زعامات الطوائف والمذاهب، ليشبع الجميع من الهتافات الاستهلاكية والمآدب السياسية والعصبيات المتنوعة.

إقرأ أيضا لـ "السيد محمد حسين فضل الله"

العدد 1792 - الخميس 02 أغسطس 2007م الموافق 18 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً