العدد 1878 - السبت 27 أكتوبر 2007م الموافق 15 شوال 1428هـ

بين «الوعد» الروسي و«الوعيد» الأميركي!

صناعة القرار الإيراني

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

أيا كانت الأسباب التي دفعت بالسيد علي لاريجاني إلى الاستقالة من منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني الأعلى إلاّ أنّ القدر المتيقن منها هو أنّ الرجل وصل في اختلافه في الرأي مع رئيسه التنفيذي المباشر؛ أي رئيس مجلس الأمن القومي الأعلى وهو رئيس الجمهورية إلى الحد الذي لم يعد بإمكانه الاستمرار في العمل معه سوية في إدارة هذا الملف الشائك والحسّاس وبالتالي القيام بالمهمة المنوط بها في هذا السياق مما استوجب إعلان «الطلاق» بينهما! أي أن يقدّم الأوّل استقالته المؤكّدة هذه المرة بعد أنْ سبق وقدّمها ومن ثم سحبها نزولا عند رغبة الوسطاء من كبار القوم أكثر من مرة ولم تنفع في «ردع» الثاني من التشويش على أداء الأوّل المقتنع اقتناعا كاملا بصحة أدائه ونجاعته! وأيا تكن التصريحات والتأويلات والتفسيرات التي خرجت من الداخل والخارج على هذا الحدث والذي وصل بالبعض إلى وصفه بالجلل أو الخطير! إلاّ أنّ العارفين ببواطن الاشياء وطريقة تعاطي القيادات الإيرانية مع بعضها بعضا وكذلك هيكلية وآلية صناعة القرار الإيراني يعرفون تماما بأنّ القضية لا تذهب إلى أبعد من «طلاق رجعي» أقدم عليه لاريجاني مع السلطة التنفيذية يمكن العودة عنه في أية لحظة يشاء أو أن تعود الأموربينه وبينها إلى طبيعتها في أية محطة مقبلة يقرر فيها أهل الحل والعقد «إعادة لم الشمل» بين الرجلين طبقا لموازين مصلحة النظام العليا!

ليس المقصود هنا التخفيف من آثار مثل هذه الاختلافات ولا الاستخفاف باحتمالات تداعياتها الضارة على الداخل كما الخارج، لكنني هنا بصدد تسليط الضوء على ظاهرة إدارة الصراعات في النظام الإسلامي الحاكم في إيران والتي لا تشبه إلاّ نفسها، فمن يقرر تحمّل المسئولية يحشد كلّ ما لديه من إمكانات ومعلومات وتحليلات وخبرات وأفراد وجماعات ومعاهد دراسات مؤيّدة لوجهة نظره لإقناع الجميع بأنه يملك الآلية الأنجع والطريق الأصوب للوصول إلى الهدف المشترك المنشود، ومن ثم «فرض» ذلك كمسار ساند في مطبخ صناعة القرار الأعلى على حساب منافسيه الذين هم بدورهم سيسلمون له ما دام قد نجح في «خطف» الدور المنشود! لكن لا أحد يستسلم من منافسيه أو «يحرد» أو يولي الأدبار أو يتجّه إلى التآمر «العنفي» على من تمكّن من إحراز الفوز والنجاح، بل يتجّه ومنذ اليوم الثاني من انتهاء «المعركة» إلى إعلان الطاعة والقبول من جهة، لكن يعود ليقف في الطابور من جديد حاشدا كل ما يملك من معلومات وخبرات وإمكانات ومعاهد دراسات تعمل معه أو تحليلات مفحمة؛ ليضعها يوميا أمام «مجالس» صنّاع القرار؛ ليعيد الكرة في المنافسة لعلّه يستعيد زمام المبادرة أو يفشل مرة أخرى من دون أن يستسلم أمام معاودة الكرة، وهكذا دواليك!

نعم غالبا ما يحصل مثل هذا «الطلاق» في إيران ما بين نهجين أو أكثر في التعامل مع الملفات المختلفة ولاسيما في المحطات الحرجة لكنه نادرا ما يكون «طلاقا بائنا» أي لاعودة عنه إلاّ بالاستعانة بـ «المحلل»!

ما حصل بين لاريجاني وأحمدي نجاد، يشبه ما حصل بين حسن روحاني ولاريجاني من قبل في أواخر عهد الرئيس محمد خاتمي، وقد كان كلاهما ولا يزالان ممثلين لمرشد الثورة في مجلس الأمن القومي الأعلى، كما يشبه ما حصل بين جماعة خاتمي وجماعة رفسنجاني في لحظة أوج صعود خاتمي، فيما تقف الجماعتان اليوم متعاونتينِ «على» أحمد نجاد، وهو ما ينطبق على جماعة رئيس مجلس الشورى السابق - البرلمان - الشيخ مهدي كروبي، والذي ظهر «مغاضبا» على الجميع على خلفية «اختطاف» الرئاسة من بين يديه كما أعلن في حينها وظن البعض للحظة أنه سيخرج على النظام وأعدّ العدّة اللازمة لذلك، لكن سرعان ما خاب أمله، وهو الشيء نفسه الذي ظنّه البعض «وهو يسمع الرئيس السابق رفسنجاني وعلى نفس خليفة كروبي بأنه» لم يبق لديه سوى الشكوى إلى الله»! لكنه سرعان ما تفاجأ أيضا، وها هو اليوم يتفاجأ أكثر وهو يرى رفسنجاني أياه على رأس أهم مجلس من مجالس صناعة القرار، إلاّ وهو مجلس خبراء القيادة بالإضافة إلى احتفاظه بمجلس تشخيص مصلحة النظام!

إنها دورة الحياة السياسية الإيرانية، التي «تمأسست» أفقيا وعموديا بطريقة يصعب على أيّ كان مهما علا شأنه أنْ يتحكّم بها منفردا، وصارت تشبه حياة الإيراني اليومية التي اعتاد فيها المواطنون خلال ما يقرب الثلاثين سنة الماضية أنْ يقفوا في طوابير أو صفوف الحليب والخبز والبنزين أو ركوب الحافلات، بانتظار حقهم أو دورهم «سلميا» مهما طال الانتظار، حتى وأن اعتقد البعض لبعض الوقت أو لكل الوقت أنّ حقه أو دوره قد سلب ظلما أو تعسفا! ذلك لأنّهم باتوا على قناعة شبه راسخة بأن كلفة الانتظار المنتظم والمنظم مع العزم والإصرار أقل بكثير من كلفة الغضب اللامتناهي المصحوب بالصخب أو الانفجار!

وكما يقول بعض «الخبثاء» من الطبقة السياسية الحالية في إيماءة لا تخلو من الظرافة المشوبة بالمناكفة مع أبناء جيله: إن ثورة واحدة في العمر تكفي!

من جهة أخرى فإنه وأيا كان الاتجاه الذي سيسلكه الرئيس أحمدي نجاد تجاه التهديدات المتصاعدة تجاه بلاده من جانب كبار المسئولين الأميركيين وآخرها تصريحات رايس المحسوبة على خط «الحمائم» فيما يتعلّق بالخيار العسكري ضد طهران والتي قالت مؤخرا إنّ طهران تشكّل التحدّي الأكبر الوحيد للمصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط وربما في انحاء العالم كافة «فإنه يبقى السؤال الكبير حول ما يجري من حراك داخلي في إيران وحراك خارجي من حولها وبشأنها الاوهو أين تقف إيران الآنَ وإلى أين تتجه؟!

سؤال لاشك مشروع وقد يحمل في طيّاته بعض القلق على إيران من أصدقائها وبعض القلق من إيران من جانب خصومها. فماذا يقول الذين يعرفون إيران من الداخل بشأن هذا السؤال المركزي؟

يقول العارفون ببعض بواطن الأمور: إنّ كل ما ترونه من إيران في الظاهر الخطابي أو الكلامي أو «الشعاري» ما هو إلاّ وجه واحد من وجوه إيران وقد لا يكون الجزء الرئيسي من وجوهها، فإيران وأن كان صحيحا أن في داخلها خلافات جدية بين أطراف نافذة بشأن طريقة التعامل مع الملفات الأساسية تعاطيا وتعاملا ونهجا وسلوكا وتكتيكا وأداء، إلاّ أن ما يوحّد كلّ أولئك ويضعهم في خانة واحدة في اللحظة المطلوبة هو كون الجميع يعود إلى القراءة التي يقدّمها لهم الخبراء المعنيون بكلّ ملف وما بات يصطلح عليه منذ مدة بـ «تشخيص مصلحة النظام العليا» في كلّ قرار يتخذ، وهو الأمر الذي أنشأوا له مجلسا خاصا سمّوه بـ «مجلس تشخيص مصلحة النظام»!

القارئون بدقة لما يتم تداوله في الأروقة الخلفية وفي «مطابخ» صياغة القراءات التي تساعد على اتخاذ القرار المناسب يقولون إن القدر المتيقن لدى صانع القرار الإيراني هو أنه يتجنّب أيّ فعل مهما يكن صغيرا يؤدّي إلى إشعال فتيل الحرب مع واشنطن ولاسيما الوجه المتطرّف من العاصمة الحربية المعالم هذه الأيام! والدليل هو تحمّل طهران وسكوتها على كثير من الانتهاكات والاعتداءات ضد مواطنيها ودبلوماسييها في العراق على طريقة المثل الإيراني الشهير « رأيت الجمل لا ما رأيته»! وهل يخفى الجمل؟! غير أنّ طهران تضع خلافاتها الداخلية كافة مهما عظمت أمام المصالح القومية العليا والتي تعتقد أنّ رعايتها وحمايتها في هذه اللحظة يتطلب الدراية في معالجة الملفات و»المدارات» في التعاطي مع الخصم واللذان يعتبران السبيل الأمثل في المواجهة رغم كلّ الأصوات العالية التي تتطلق من أكثر من اتجاه وإلى أكثر من اتجاه، وما حمله بوتين إلى طهران من اقتراح إنما يتلخص أيض في هذا الخيار الاستراتيجي الذي يلخصه العارفون بالقول: تعاونوا معنا اقتصاديا إلى الحد الأقصى ولاسيما في مجال الغاز والتأسيس لأوبك الغاز انطلاقا من التعاون حول حقل بارس جنوبي مع شركة غازبروم الروسية العملاقة التي تحكم روسيا وصولا إلى استمرار التسلّح على أكثر من صعيد مرورا عبر التفاهم على تقاسم الثروات والنفوذ على بحر الخزر، وأيضا عبر الانفتاح على أوروبا المتبرمة من الأحادية الأميركية من خلال طمأنتها حول موضوع التخصيب! وعندها نستطيع وإيّاكم مواجهة أميركا المنكسرة أحاديتها والمجروح كبرياؤها في العراق والإقليم بما يجنبكم ويجنبنا حربا جديدة! وهنا يعرف سر التعايش والتفاهم الذي أعيد صياغته بين لاريجاني وأحمدي نجاد ومن قبله بين نجاد وروحاني ومن ورائه رفسنجاني والتي تأتي جميعا في إطار مقولة ديبلوماسية حياكة السجاد الشهيرة!

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 1878 - السبت 27 أكتوبر 2007م الموافق 15 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً