العدد 1878 - السبت 27 أكتوبر 2007م الموافق 15 شوال 1428هـ

ضيــافة وطــوق

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

كنت قد تلقيت دعوة توقيع الكتاب كما تلقاها العشرات عبر البريد الإلكتروني. قررت حضور الندوة التي عقدت قبل أسبوع بشأن موضوع الكتاب في مركز الشيخ إبراهيم بالمحرق، وكذا توقيع الكتاب، ليس لقرابتي للمؤلف، أو شعوري بتأدية الواجب وطقوسه، إنما لشعور دفين أن أكون حاضرة قدر المستطاع بين الناس ومع الناس في أفراحهم وأتراحهم، استمع للجديد والمبدع وللذي لا أعرفه ويدركه الآخرون ويتفوقون فيه ويتميزون. أقول ذلك وأنا التي لا أشتغل بالسياسة ولا أنشط جماهيريا.

أزقة منطقة الحورة التي يتوسطها «بيت الشعر» قد ضاقت وأظلمت، عبقها أخذني إلى الماضي وزمن الطفولة. لوهلة شعرت أني أتفوق على الآخرين بمعرفتي الدقيقة بمداخل هذه المنطقة وخفاياها وزواياها وكأني لا أزال أعيش في وسطها وبين أهلها. لفة، لفتان وركنت سيارتي في مكان آمن وقريب من خلف مبنى «بيت الشعر» مباشرة. ياه! ما أحلاها من مصادفة أن أقف الآن أمام مبنى متهتك، بائس وقديم جدا! أعرفه تمام المعرفة، كان يقطن فيه أستاذ لمادة اللغة العربية بمدرسة المنامة الثانوية للبنين، مصري الأصل من عائلة الطنطاوي كان لديه ابنتان ناهد الكبيرة وناهيد الصغيرة وابن أصبح فيما بعد بحسب ظني طبيبا يعمل في مجمع السلمانية الطبي. كانت تصطحبني عمتي غالبا معها لزيارتهم من حين إلى آخر؛ وذلك لعلاقة صداقة حميمة تربطها بابنتيه في المدرسة التي كن يدرسن فيها، عمتي حالها كحال غيرها من المئات من أبناء شعبنا آنذاك «ناصرية» متحمسة بالفطرة. هناك في تلك الشقة المتواضعة - التي تقطن فيها عوضا عنهم الآن أسرة آسيوية - تعلمتُ كيف أحب وطني العربي، وأيقنتُ أن كل بلاد العرب أوطاني من الشامي لبغدادي. هناك وأنا أقطع الدرب لزيارتهم سيرا على الأقدام مع عمتي مستظلتين بالفيء كي يحمينا من الشمس الحارقة، مرورا بتفريعات أزقة المخارقة وصولا إلى الحورة.

كانت تثار في خاطري أسئلة كثيرة، يتخللها النظر باندهاش غريب كمن يكتشف شيئا جديدا، عند مشاهدتي جدران الحورة المزينة بما خلّف عليها من كتابات تركت بصماتها بعبارات تناهض الوجود الاستعماري وإلغاء القواعد العسكرية الأجنبية وظواهر الاستبداد آنذاك، شعارات طالبت باستقلال البحرين ورحيل الإنجليز.

لطالما أمضينا وقتا طويلا في تلك الشقة، لم تكن تشعر به الفتاتان؛ لأننا كنا نافذتيهما على عوالمنا ولاسيما أن والدهما كان متشددا ويمنع عليهما الخروج بمفردهما والتسكع في المنطقة.

أما بالنسبة إلينا فكانتا شاشتنا الراصدة لما يحدث في أرض الكنانة، كنا نستمع مع بعضنا بعضا لخطابات جمال عبدالناصر، ونصغي بانتباه منقطع النظير لحكايات الفتاتين فنعيش في مدن مصر وضواحي القاهرة عبر عينيهما.

ذكريات صغيرة ما برحت قابعة في الجوف تتحين وقتها للتمدد، وغالبا ما كنت أتحفز كلما مررنا بتلك الأزقة على أمل أن تصادفنا مظاهرة احتجاجية من تلك التي كانت «تشب» بشكل عفوي تعبيرا عن الغضب والحماس الوطني والقومي، وأتحفز لأن أكون في وسطها دونما شعور بالرجفة أو الخوف. تلك كانت براءة من ليس يمتلك شيئا يخاف خسارته، أو يعي خطورة ما يتمناه أو يحلم به. ابتسمت وأنا أشاهد الذي حدث وتغير من حولي في النفوس والضمائر، بل في هذا الحي الذي يعج بالهنود وشتى الأجناس من العمالة الآسيوية. المنطقة لاتزال فقيرة ومعدمة، كل ما تغير فيها أن خلّفت أطلالها التي احتضنت الذكريات وهذه العمالة وبعضا من العائلات البحرينية ذات الجيوب الخاوية التي لا تستطيع مبارحة أمكنتها وذاكرتها.

عند التقاطع وأنا أعبر، شدني الشارع أكثر فأكثر، رحلت إلى السبعينات حيث تعرفت إلى الصديق عبدالله جناحي في جامعة الكويت، والذي كان يتوسط بيتهم هذه المنطقة، قلت في نفسي: يا له من مكان تربى فيه وترعرع هذا الصديق، صال وجال في نشاطه الوطني منذ نعومة أظفاره، كان بين الناس، وسط الحدث، في قعر داره. هل تعود بنا عقارب الساعة وتفسح المساحات كي يسجل كل منا قصصه الصغيرة العفوية وحكايات هذه الأمكنة بكل تضاريسها وتعرجاتها وألوانها؟

كلها خطوة، فخطوتان وفي وسط زحام العربات التي تقطع الشارع الضيق، ومع روائح الخبز الفارسي الممزوج بالسمبوسة الهندية المقلية والكباب، ولجت «بيت الشعر». مبنى بديع في إنارته وهندسته التي تتحدى بعجرفة وصلافة ما حولها من محلات تجارية متواضعة، عالم آخر مغاير.

الحضور يتزايد ويقل، عرفت ممن سبقني أن قصائدَ من الشعر قد ألقاها الشاعر قاسم حداد، فاتتني فرصة الاستماع إليها؛ لأني لم أعرف، وقد تجنبت الحضور وقت الافتتاح، كان هناك طابوران أنيقان بحجم أناقة المصطفين، أحدهما داخل القاعة ينتظر قلم قاسم حداد ليخط إهداءه على إصداره الجديد «لست ضيفا على أحد»، والطابور الثاني لعلي الديري في البهو الرئيسي للبيت؛ لكتابه «طوق الخطاب».

أمضيت بعض الوقت في السلام وتبادل الأحاديث الجانبية اللازمة للحدث مع بعض المعارف والأصحاب، غالبيتهم نخبة من ذوي الاهتمامات الثقافية وبعض الوجوه المعروفة، وكعادة مرتادي هذه المناسبات الاحتفالية، كان هناك حرص واصرار مخلص من الحضور على تسلم نسخته «المجانية» المذيلة بإهداء الكاتب. كنت أتساءل عن المدة التي سيستغرقها كل منهم في إنجاز قراءة ذلك الكتاب! شخصيا كنت محرجة وأنا أقف في طابور قاسم، لا أدري لم خامرني شعور الخجل؛ ربما لإحساس بأني مثل مراهقة تبحث عن فرصة سانحة لأخذ صورة فوتوغرافية مع ممثل سينمائي مشهور أو مطرب، بَيْد أن هذا الإحساس بدده عدد من المنتظرين في الطابور من حولي.

مكاني كان يسبق مكان الشيخ المبتسم دائما صلاح الجودر وآخر معه، قالا لي مازحَين بابتسامة مطمئنة: هل لديك مانع أن نسبقك وننتهي قبلك؟ وإلا فستكتبين فينا مقالا عرمريا في الغد وتنشرينه في الصحيفة تدّعين فيه علينا صفة التمييز ضد النساء وأننا من متشددي السلف والإخوان؟ فرحت فرحا طفوليا بهذه المناوشة العابرة، إذ في بساطتها وأريحيتها ما يجعلني أشعر أن الدنيا البحرينية مازالت بخير، وأننا البحرينيين قد فطرنا على حب بعضنا بعضا واحترام الآخر مهما تمددت بيننا المسافات، جعلتني بود، أحب بلدي أكثر!

كتب لي قاسم: «منى فاضل، ضيفة الكتابة دائما، مع التحية»، أما علي الذي يتقصد مناداتي منى عباس، لازمة شهرتي منذ أيام نشاطي الطلابي، فكان إهداؤه: «الطوق ما استدار بكينونتك»! أمضيت بعض الوقت أتأمل الإهداء وأقلب مدلولاته ومعانيه، وأسأل هل فعلا أنا ضيفة على الكتابة؟ رجع الصدأ كان: نعم بتواضع أنا ضيفتها؛ لأني لا أقوى على الالتزام بها في كل وقت ولحظة، فحملها ثقيل، ومتطلباتها صعبة من الأفضل أن أكون ضيفتها الدائمة وعلى مقربة من ينابيعها، علّي أحافظ على شيء من التجدد والحيوية. جدتي غالبا ما كانت تردد على مسامعي: يا غريب كن أديب - أي مؤدب - ذلك حتى يحترمك الآخرون ويقدرونك! أما الطوق وما استدار من كينونتي، فهو يكمن في كينونتي المشرعة الأبواب والنوافذ على الأفكار والآراء، على كل الأجناس والملل، لا طوق يحدها ولا قيود، ومع كل استدارة واستدارة أولد من جديد، وتفتح أمامي أبواب وتتسع من حولي مساحات.

المكان جميل كما تعلمين «عزيزتي أمل» - أعني أمل النعيمي - في هندسته وديكوره وإنارته التراثية والعصرية، غير أن الحضور غالبا ما يكون ضيفا لساعة أو ساعتين في هذا المكان، الذي ما يبرح بعدها أن يقفل أبوابه بإحكام شديد بانتظار حدث سعيد آخر، وولادة لكتاب جديد أو قصيدة شعر تسافر مع الأحلام، أو لفحة من ذاكرة الوطن! وأنا أقفل عائدة إلى سيارتي، أبحث عن مفتاحها في حقيبة يدي التي تكتظ بأشياءَ تافهة ولكنها ضرورية تلزمني للشعور بالأمان والاكتمال، والزقاق مظلم، وقد قلّ مرتادوه. شعرت لوهلة أني وحيدة ولكني في بلد أمان لا رهبة فيه من الظلمة ولا خوف من الغرباء، فلو كنت في مكان آخر، لما تجرأت على السير وحيدة في هذا الوقت من الليل وفي هكذا مكان، بيد أن نظرات أحدهم واقترابه من سيارتي أفزعتني وجعلتني أشعر بنقيض إحساسي السابق، بل جعلتني ألعن التغير الديموغرافي الذي حدث في بلدي؛ لأنه يطوقني في مكان غريب يعج بالغرباء ويلزمني فيه الحذر والترقب أكثر مما ينبغي!

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 1878 - السبت 27 أكتوبر 2007م الموافق 15 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً