العدد 1886 - الأحد 04 نوفمبر 2007م الموافق 23 شوال 1428هـ

اتفاق «الأصالة-الوفاق» ليس رهبنة سياسية

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

تواجه الكتل البرلمانية هذه الأيام تحدّيا حقيقيا ذا أبعاد ومستويات متعددة، لجهة علاقتها مع بعضها بعضا، ولعلاقتها مع القوى السياسية المعارضة وغير المعارضة من الحلفاء والفرقاء، وكذا لجهة علاقتهم بالمواطنين وما يمسهم. التحدّي له صلة بأداء الكتل ودروها الرقابي في معالجة الملفات الساخنة والمثيرة للجدل، وللأساليب التي تبرم فيها تحالفاتها مع بعضها بعضا، داخل البرلمان، وخارجه.

تتجلّى أحد مظاهر هذا التحدّي من خلال اللغط بشأن صدقية الخطب التي تتفاعل بعدا وقربا من بعضها بعضا في الساحة السياسية المحلية إثر الاتفاق الذي أبرم في ليلة خريف ظلماء بين نائب كتلة الوفاق «خليل المرزوق» مع نائب كتلة الإصالة «الشيخ إبراهيم بوصندل» الاتفاق جاء على خلفية تغيّر موقف كتلة الوفاق بشأن طلب كتلة الإصالة التحقيق في «مرسى البحرين»؛ أي بشأن طلب استجواب وزير التجارة حسن فخرو. الموقف كان قد تغيّر فجأة من الامتناع عن التصويت إلى الموافقة على استجواب الوزير، ذلك حدث بعد اتفاق بين « كتلة الإصالة وكتلة الوفاق»، مقابل ألا تعرقل «كتلة الإصالة» أيّ طلب «لكتلة الوفاق» بشأن استجوابات ولجان التحقيق والجلسات الاستثنائية، تحديدا استجواب الوزير الشيخ عطية الله خلال الجلسات البرلمانية القادمة! كتلة الوفاق طلبت من كتلة الإصالة أنْ يكون الاتفاق مكتوبا وموثقا، وكان لنائب الوفاق ما أراد، فحرر الاتفاق على ورق وكتب بخط اليد الواضح بتاريخ اكتوبر/تشرين الاول 2007، وبحضور النائبين وذيّل باسمهما وصفة انتمائهما وتوقيعهما، يعني اتفاق «رجال لرجال على العلا والملأ». الأمور لم تقف عند هذا الحد، فالمرزوق بدأ متفائلا جدا بما أنجزه وسوق له إعلاميا بشرح أهمية التحالف مشيرا «للوسط»، بأنه –أيْ الاتفاق- سيحدث حراكا توافقيا بين الكتل وتفعيلا للأدوات الرقابية، وفيه تطوير للتجربة الديمقراطية! اللافت كان بارزا فيما أعقبها من تصريحات لبعض من الأعضاء البارزين من كتلة الأصالة في الصحف المحلية إذ قللوا من أثر ذلك الاتفاق على مجمل المشهد النيابي، ما يعنى بعبارة فعلية واضحة «تملّصهم» منه وعدم التزامهم به!

التملّص من الاتفاق، يُفقد الاحترام

بدورها الجمعيات السياسية بحسب ما نقل عن «الوسط»، أبدت شكوكها من صمود الاتفاق المبرم، ولاسيما إنّ بعضها وجد أنّ «الاتفاق عام ويشوبه الغموض بشأن الكثير من الجزئيات، كما لا يحمل التزاما واضحا للطرفين، يتضح ذلك من خلال ما نوّه به أمين عام جمعية (وعد) إبراهيم شريف: «كان الأفضل لكتلة الأصالة إعلان التراجع بدلا من التصريحات التي تتملّص من الاتفاق، فبعد الذي حدث لا أظن أنّ أحدا سيوقع ورقة مع (الأصالة)؛ لأنّها ستكون غير ذات قيمة، مضيفا أنه قد فوجيء بالاتفاق بين الكتلتين، بيد أنه لم يفاجأ بنقض (الأصالة) للاتفاق، مما سيسيء ذلك لجماهيرها وقواعدها الشعبية، فالمطلوب بحسب «أبو شريف»، أنْ توضّح الأصالة موقفها وبوضوح. أشار في قراءته المتفحصة للموقف السياسي، إلى أنّ الأصابع التي حرّكت القضية في وجه الوزير حسن فخرو هي ذاتها التي تمنع استجواب الوزير الشيخ عطية الله، فهناك دوافع وتصفية حسابات بين مراكز القوى، ويبدو أنّ هنالك مشروعا للإطاحة بالوزير حسن فخرو»، وهو يرى في الوقت ذاته أنّ تصرف (الوفاق) صحيح، وإنها لم تخسر شيئا بتصويتها، ولم تقدّم تنازلا، وإنّ (الأصالة) ظهرتْ أمام الناس بأنها لا تحترم اتفاقاتها، وليس لها قرار سياسي في قضايا حاسمة، لا (الأصالة) ولا (المنبر الإسلامي) تستطيعان إلزام أنفسهما بشيء، نعتقد أنّ (الأصالة) ربما أخطأت حين أبدت موقفا من دون حصولها على ضوء أخضر. (نوفمبر 2007).

الاتفاق عمومي وغامض وغير ملزم

أحمد جمعة رئيس جمعية ميثاق العمل الوطني استغرب الاتفاق، وشكّك في استمراره؛ لأنه لا يقوم على رؤية استراتيجية ولا حتى تكتيكية، وإنّ (الوفاق) كما يذكر، عديمة الخبرة في الكثير من المجالات السياسية، وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرّض فيها لخدع سياسية، وإن كانت تعمل من منطلق تحصيل رصيد مستقبلي لملفاتها المقبلة ومنها الاستجواب، فلا يعلم إلى أي مدى ستوفق في دعم ملفاتها من خلال هذه التحالفات. أمّا أمين عام المنبر التقدمي الديمقراطي حسن مدن فقد اعتبر أنّ الوفاق «خُدِعَتْ»؛ لأنّها وقفت مع التحقيق ضد الوزير فخرو ولم تحصل على التزام واضح بدعم استجواب عطية الله، فالاتفاق عمومي وغامض ولا يلزم أيّ طرف بشيء، وهدفه تمرير التحقيق مع فخرو من دون تقديم أي التزام واضح وجدي لدعم (الوفاق) في استجواب عطية الله، وأي مراقب يعرف تركيبة مجلس النواب يدرك أنه لا يمكن لكتلة الأصالة أنْ تقدّم غطاء لاستجواب الوزير عطية الله (الوسط نوفمبر/تشرين الثاني 2007)!

ليسوا قديسين

ماذا تعني هذه الآراء للمراقب السياسي؟ وهل يُستبعد حدوث تداعيات للمشهد السياسي بما يستبطنه من خفايا ونوايا سياسية، مصلحية، نفعية، ومذهبية، طائفية؟ الإجابة الأولى، في حقيقة الأمر هذه الآراء تعني الكثير من التراكمات، وثمة ما يشئ بأن كيل المواطن قد طفح. الإجابة على السؤال الثاني: لا ليس من المستبعد حدوث تداعيات لهذا المشهد حينما يتفاعل مع غليان المرجل السياسي المحلي والإقليمي. لماذا؟

لأنّ السياسة كما يفيدنا إيليا حريق في مؤلفه «الديمقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب»، ليست رهبنة، بل حلبة تتصارع في داخلها المصالح الشخصية. فالشيخ إبراهيم بوصندل وغيره من أعضاء كتلة الإصالة، ومثلهم من كتلة المنبر الإسلامي وقياداتهم ومثلهم أيضا كتلة الوفاق، أعني كتل الجماعات الإسلامية بأطيافها المذهبية والطائفية، هم ليسوا قديسين، وأحاديثهم وخطبهم ومواقفهم ليست منزلة وغير قابلة للفحص والنقد والدحض، فالموقف المزدوج المتسم باللؤم (من اللئم) والمتمثل في الممالئة، ذاك الذي رقصت على حبائله كتلة الأصالة في إبرام «الاتفاق» من جهة، وعن السذاجة وقلّة الحرفنة السياسية من جهة أخرى، فضلا عن مظاهر لوك التصريحات ومنها ما تفضّل به بعض أعضاء المنبر الإسلامي، أضف إليهم التراجع الفجائي الذي أقدمت عليه كتلة الوفاق، يثبت للناس سمة «عدم القدسية»، وعدم الثبات على المواقف المبدئية، ما يعني أنّ هذه الجماعات تمارس نمطا بدائيا من الألعاب السياسية، هل يلعبون بحنكة أم لا؟ هذا شأن آخر! يعني أيضا أنهم عرضة للمساءلة وهم الآنَ في فوهة مدفع عامّة الناس المطلوب من الناس مراقبة أداءهم ومحاسبتهم، كيف وأينَ؟ أقلّها عن طريق وسائل الإعلام المتاحة، وفي مقراتهم وفي منتدياتهم وفي كلّ ما يطرحونه ويقدّمونه من وعود في الهواء وعلى بياض. هناك الكثير مما قيل ومازال يقال بشأن إدارة الجماعات الإسلامية للعملية الديمقراطية، مما يتطلب أخذ الاعتبار لما يؤشر عليه إيليا حريق في موضع آخر من كتابه: «وهو أنّ الانطباع العام في البلدان العربية هو أنّ الإسلاميين عامّة يعانون أزمة مصداقية كبرى في دعوتهم إلى الديمقراطية». فها هو النائب السلفي المستقل جاسم السعيدي يصرّح بشأن اتفاق الوفاق-الأصالة ويصفه بالأمر الذي لا ينبغي أنْ يكون، وإنّ الشارع يتوجّس من مثل هذه الاتفاقات التي ستكون لها إيجابيات وسلبيات وملاحظات. وعليه، يحق للمواطن مساءلة هذا النائب لماذا، ولماذا ثم لماذا؟ أمّا علي أحمد من المنبر الإسلامي، فقد فوجيء بالاتفاق، وقال نريد التحالف بين الكتل في القضايا العامّة المعيشية ومكافحة الفساد، ولن نقف في وجه هذا التحالف لكننا لن نوقع على شيك بياض؛ لأن القرار ليس في يد نواب الكتلة، ولأنّ الشروع في الاستجواب بالنسبة للمنبر الإسلامي هو من صلاحيات المكتب السياسي الذي يشمل النواب وغير النواب! ماذا يعني ذلك؟

مراهقة سياسية عابرة وطارئة

ببساطة شديدة، يعنى أنّ الإخوة لا يريدون تفعيل الأدوات الرقابية، ولا استجواب الوزراء ومحاسبتهم، بل إنّهم لا يعترفون في حقيقة الأمر بسلطة ممثلي الشعب في التشريع والرقابة، ولهذا يصير قرار البت في الاستجوابات ليس من صلاحيات النواب المحض، فهو يشمل غير النواب، ولهذا لا داعي للوبيات وعقد الاتفاقات لهذه الاستجوابات. إنّ هذه الخطب وهذا الأداء لبعض النواب، سيسبب على المدى المنظور أزمة ثقة وأمانة بينهم كبرلمانيين وبين الناس، مما يستوجب باستمرار مساءلتهم بشأن إدعاءاتهم بأنهم من الشعب ولخدمة الشعب وقضاياه: فهل يعنون ما يقولون؟ أو إنهم انتهازيون ونفعيون؟ هل يفهمون الديمقراطية وآليات عمل سلطة التشريع المتمثلة في مكافحة الفساد وحق استخدام آلية الرقابة على السلطة التنفيذية؟ نعم هناك أزمة ثقة، سببها الهوة الكبيرة بين ما يدعيه بعض النواب والكتل النيابية وبين ما يمارسونه من صلاحيات، هناك تخبط فكري واضح تتقاذفه المصالح والخدع والإدعاءات بشأن وظيفة المجلس النيابي وصلاحياته، بل وتفريغ الأفكار والمفاهيم الرقابية من محتواها، الهوة تتسع يوما بعد يوم ما بين نواب البرلمان والشعب، والمطلوب هو الخروج من طور المراهقة السياسية العابرة والطارئة والعمل على حل مشاكل الناس عبر برامح وسياسات تساعد الناس على حل مشاكلها وتسمح بمحاسبة الناس لهم على تلك البرامج وصلاحياتها، وإلاّ سيخرج عليهم الناس يوما ما، كما خرجوا على غيرهم ممن فشل في إعطاء الأولوية لحل مشاكل الناس الحياتية ومكافحة الفساد ووقف بث التفرقة والطائفية بين أبناء الوطن، نعم سيخرجون عليهم إنْ عاجلا أو آجلا كما خرج الآخرون من قبل على غيرهم، هذا ما يعلّمنا إيّاه التاريخ!

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 1886 - الأحد 04 نوفمبر 2007م الموافق 23 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً