العدد 1899 - السبت 17 نوفمبر 2007م الموافق 07 ذي القعدة 1428هـ

أدبيات نجاد والعقل الجمعي الإيراني

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

مع كل يوم يمر على حكم الرئيس محمود أحمدي نجاد يزداد الجدل من حول برنامجه وأسلوب حكمه ونمط تعامله مع الطبقة السياسية التقليدية، فضلا عن تعامله مع الخارج. فأحمدي نجاد لا يتوانى - إذا ما تطلب الأمر - أن يوجه أقسى الألفاظ وألذعها إلى أقرب المقربين إليه إذا ما شعر بأنه خارج على «البيعة» التي قدمها إليه في بداية التوافق للعمل سويا. فما بالكَ إذا ما شعر بأن المنتقدين لبرنامجه أو سياساته العامة هم من «المتخلفين» أصلا عن اللحاق بالقافلة بحسب رأي والالتزام بـ «خارطة الطريق» التي يكاد يرسمها هو بنفسه اليوم برنامجا يمهد للظهور، أي ظهور الإمام المهدي المنتظر (ع) وهو الإمام الثاني عشر عند الشيعة والذي سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما ملئت ظلما وجورا.

نقول هذا بعد أن اندلع الجدل بحدة في أوساط الطبقة السياسية والإعلامية؛ بكلام منسوب إلى أحمدي نجاد قيل إنه أورده في اجتماع جماهيري في محافظة خراسان الجنوبية أثناء جولة من جولاته «الأفقية» التي لا تنقطع في المحافظات وهو ديدن لم يسبقه إليه أحد، يهدف من ورائه فيما يهدف إلى نقل ثقل الاهتمام من المركز إلى الأطراف. وفحوى الكلام هو أن المنتقدين أو ما يطلق عليهم المعارضة هم اليوم في الواقع «أقل ذكاء من عقل العنزة»؛ وهو ما أصاب الطبقة السياسية الإيرانية عموما بالذهول سواء كان المقصود بالكلام هم معارضي البرنامج الحكومي من السياسيين والذين تتسع دائرتهم من مقربين سابقين إليه مرورا بالرئيسين السابقين رفسنجاني وخاتمي بالإضافة إلى رئيس البرلمان السابق مهدي كروبي وصولا إلى من يقفون على حافة النظام السياسي من الليبراليين الدينيين، أو كان الكلام موجها إلى أولئك المنتقدين لفلسفة الظهور المهدوية، كما ورد في توضيح متأخر صدر عن مكتب الرئيس الإعلامي.

فاصل المشكلة هو مع مجمل أدبيات وطريقة تعامل أحمدي نجاد مع من سبقوه في هذا المضمار ومع الطبقة السياسية عموما التي لا يستسيغها الكثيرون! صحيح أن هذه الجملة قد تكون «القشة التي ستقصم ظهر البعير» كما يقول منتقدوه، ولكنها ليست المستنكرة الوحيدة من أدبياته النقدية العامة، فهو لم يوفر أحدا حتى الآن في حملته النقدية الصريحة واللاذعة جدا في بعض الأحيان، والتي يقال إن ما خرج منها إلى العلن حتى الآن ربما هو القسم الأقل، كما يقول البعض!

هو لم يوفر بعض مستشاريه ولا قسما من وزرائه ولا عددا من المقربين له وأخيرا وجّه كلاما واضحا إلى الجسم الرئيسي من وزارة الخارجية والجهاز الدبلوماسي عموما، إذ قال وهو يحاور طلبة إحدى الجامعات الطهرانية في رد له على سؤال عن سبب «تخلف» الفعل الدبلوماسي الإيراني عن ركبه فقال ما فحواه: «إن هذا صحيح وهو حاصل على أكثر من صعيد على رغم أن هذه الوزارة قد تطورت وتغيرت كثيرا فإنها لاتزال بعيدة عن النموذج المطلوب».

هذه الأدبيات الصريحة والمباشرة عن السياسة، ومثلها عن المصارف، التي يعتبرها بعض مستشاريه غير متحررة بعدُ من العمل الربوي أو كما يعتقد آخرون منهم أنها تضر بالدورة الاقتصادية السليمة، وكلام آخر كثير عن تنافر عمل الكثير من الدوائر والمحافل الاقتصادية الخاصة والحكومية مع مقولة العدل الإلهي؛ ما يدفع أحمدي نجاد بين الفينة والأخرى إلى التهديد بكشف ما يسميه «أسماء لائحة المفسدين» وضرورة ملاحقتهم وعدم التهاون معهم، وإذا ما اضفنا إليهم أولئك الذين يختلفون معه في تقدير الموقف من جدية وخطورة الحرب المحتملة ضد إيران والسبل العقلانية الواجب اتخاذها لمنعها والذين يعتقدون أن أحمدي نجاد أبعد ما يكون عن اتباعها؛ ما دفعه إلى تخوينهم علنا، عندها نفهم مدى الهوة التي تشكلت بين الرجل والطبقة السياسية التقليدية؛ ما دفع أحدهم - وهو كما يفترض من الناقدين المعتدلين المنتمين إلى جناح المحافظين الأقرب إلى رفسنجاني - إلى القول: «إن هذه الطبقة الحاكمة الجديدة لا تمثل العقل الجمعي الإيراني» كما جاء على لسان أمين عام حزب العدالة والتنمية محمد باقر نوبخت، هذا فضلا عن مطالبة رئيس جمعية فدانيان إسلام - وهي جمعية أصولية لا تمت إلى المعارضة بأية صلة - الرئيسَ بضرورة تغيير لهجته وأدبياته في التعامل مع من يختلفون معه.

قد يكون لفتح باب السباق الانتخابي المبكر من جانب الاصلاحيين دخل في تصاعد حدة التوتر بين أحمدي نجاد وأطياف المعارضة، ولكن القضية - في رأيي - أعمق وأبعد من ذلك؛ لأن أحمدي نجاد الذي دخل سباق الانتخابات الرئاسية وأحمدي نجاد الذي فاز بها وأحمدي نجاد الحاكم اليوم كان ولايزال يمثل «ظاهرة» من خارج السياق الذي اعتادت عليه الطبقة السياسية التقليدية المنبثقة من تجربة حكم العقود الثلاثة الماضية، ويعتقد أحمد نجاد و «جمهوره» المتحمس له بأنها باتت مسترخية أكثر من اللازم تجاه ما يعتبرونه خطر تآكل الثورة من الداخل واحتمال وصول الاختراق الفكري والسياسي لبعض واجهات المعارضة إلى مرحلة التسميم والنخر في صميم العظم، إذا ما تركت الأمور لحالها، ولاسيما بعد تجربة محاضرة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي بمجموعة من المتسلقين والمتدثرين بعباءته بغرض تفكيك الثورة من الداخل كما يعتقد طيف واسع من الذين انتخبوا أو رافقوا أحمدي نجاد على حساب خياراتهم السابقة أو التحقوا ببرنامجه فيما بعد، فضلا أن يكون ذلك هو اعتقاد الذين دعموه ووفروا ولايزالون يوفرون الغطاء «الشرعي» له سواء بمعنى المشروعية الدينية أو القانونية أو الجماهيرية.

وفي هذا السياق بالذات ثمة نقاشات وجدل مثير يدور في دوائر عدة داخل البلاد وعلى أكثر من مستوى بين فريق أحمدي نجاد الذي يتصرف على أنه ربان السفينة الأوحد القادر من خلال هذه الأدبيات حصرا على إلحاق الهزيمة بالأجنبي الذي يتربص الدوائر بإيران انطلاقا من ذريعة البرنامج النووي، وبين فريق يتشكل من شرائحَ واسعةٍ من الطبقة السياسية التقليدية، الذي يعتقد على العكس تماما أن هذه الأدبيات بالذات قد تكون هي الذريعة التي توفر للأجنبي ولوج البيت من الداخل وتاليا تسهيل مهمته في ضرب منجزات كثيرة من بينها وحدة الشعب وصلابة الموقف القومي والديني.

ومن هنا بالذات ينبغي فهم وإدراك التصادم الخطابي بين النهجين في الآونة الأخيرة، ولاسيما ما ظهر منه إلى العلن بين الرئيسين السابقين رفسنجاني وخاتمي اللذين يريان أن الوضع الدولي من حول البلاد خطير بما فيه الكفاية وينبغي تاليا التخفيف من لهجة الخطاب التصادمي مع المجتمع الغربي وانتهاج مزيد من الحكمة والدراية والتأمل في التعامل مع الوقائع والحوادث، وبين الرئيس أحمدي نجاد الذي يقرأ موازين القوى الدولية على أنها أعجز من أن تشكل خطرا على إيران فضلا عن أنها «أوهن من بيت العنكبوت» في اللحظة الراهنة؛ ما يتطلب - من وجهة نظره ونظر فريقه - ضرورة «الزحف عليهم حتى يولوا الأدبار»، وبالتالي لا داعي مطلقا لإخافة الرأي العام في البلاد مما هو غير حقيقي ولا يعشش إلا في مخيلة شلة صغيرة من «النخبة إياها» المسترخية والمتدثرة بعباءة بعض الكبار، ولكنها المرعوبة من الغرب.

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 1899 - السبت 17 نوفمبر 2007م الموافق 07 ذي القعدة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً