العدد 1983 - السبت 09 فبراير 2008م الموافق 01 صفر 1429هـ

التحديات البيئية في دول مجلس التعاون - تأثيرات الحروب (15)

وليد خليل زباري Waleed.Zubari [at] alwasatnews.com

وليد خليل زباري

شهدت منطقة دول مجلس التعاون في العقود الثلاثة الماضية الكثير من التوترات والنزاعات المسلحة التي أدّت إلى تأثيرات ونتائج مدمرة على صحة الإنسان والبيئة بشكل كبير في المنطقة، وامتدت هذه التأثيرات إلى معظم الدول المجاورة لمناطق النزاعات. ولقد بدأت هذه الحروب والنزاعات المسلحة في منطقة الخليج العربي منذ نحو 25 عاما مع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران التي استمرت خلال الفترة 1980- 1988، وتلتها حرب غزو العراق للكويت 1990-1991، وأخيرا حرب الغزو الأميركي للعراق التي بدأت في العام 2003 ومازالت مستمرة بشكل أو بآخر. وفي الفترات ما بين هذه الحروب ونظرا إلى التوترات الإقليمية المتواصلة، يضاف إلى هذه التأثيرات البيئية تأثير العمليات والمناورات العسكرية واستخدام الذخيرة الحية في هذه المناورات في مياه الخليج العربي والمناطق البرية.

أثناء حرب الخليج الأولى التي دارت بين العراق وإيران (1980-1988) أدت “حرب الناقلات” المشهورة التي بدأت في العام 1984 إلى تعرض أكثر من 545 ناقلة نفط تجارية للأضرار، وحدوث الكثير من الانسكابات النفطية وغيرها من المواد الكيماوية التي تحملها هذه الناقلات إلى البيئة البحرية والإضرار بها. وأدت المواجهات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تدمير منصات شحن النفط البحرية في إيران وانسكاب النفط في الخليج العربي بشكل هائل، وبسبب حركة التيارات المائية فقد تحركت الكتل النفطية المنسكبة من المناطق الإيرانية القريبة من شط العرب في اتجاه الكويت والسعودية والبحرين وقطر، ووصلت إلى شواطئ جميع هذه الدول. كما أدت العمليات الحربية البرية بين البلدين المتحاربين إلى تصريف العديد من المخلفات والمواد الكيماوية في شط العرب ووصولها إلى مياه الخليج العربي ودخولها إلى البيئة البحرية. وعلى رغم أنه خلال هذه الحرب لم تحظى موضوعات صحة الإنسان والبيئة بالاهتمام الكافي ولم تعمل الدراسات التقييمية المعمقة للتأثيرات الصحية والبيئية لهذه الحرب على دول المنطقة، إلا أنّ الكثير من المتخصصين يعتقدون بأنه قياسا بالدراسات الحديثة التي أجريت بشأن هذه التأثيرات خلال حرب غزو الكويت، فإن تأثيرات الحرب الأولى البيئية قد كانت كبيرة، وخصوصا على البيئة البحرية.

وأدت حرب الخليج الثانية، أي غزو العراق للكويت (1990-1991)، بالإضافة إلى خسائرها البشرية والاقتصادية ونزوح أعداد كبيرة من السكان، إلى أضرار كبيرة للوسائط البيئية من هواء وماء وأراضي، وللموارد الطبيعية، مؤدية إلى تأثيرات سلبية كثيرة على صحة الإنسان والأحياء الحيوانية والنباتية في دولة الكويت.

وفي هذه الحرب حدث أكبر انسكاب نفطي متعمد في منطقة الخليج العربي في الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى فبراير/ شباط 1991 خلال الحرب، إذ تم صرف نحو 60 مليون برميل من النفط في الصحراء ونحو 9.5 ملايين برميل من النفط في مياه البحر. ولقد أدى صرف النفط في صحراء الكويت إلى تدمير البيئات الأرضية، الهشة أصلا، وتلوث المياه الجوفية، بينما نتج عن صرف النفط في البيئة البحرية إلى تكون بقعة نفطية عائمة في مياه الخليج من الكويت باتجاه الجنوب إلى المملكة العربية السعودية بطول 160 كيلومترا وعرض 65 كيلومترا وبسمك 10 سنتمترات، أدّت إلى تدمير الكثير من موائل الأسماك ونفوقها بالإضافة إلى موت كميات كبيرة من الطيور، تم تقديرها من 15 إلى 30 ألف طير.

كما تم خلال الحرب حرق أكثر من 600 بئر نفط في دولة الكويت، وأدى حرق هذه الآبار إلى انبعاث كميات هائلة من الملوثات مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين وأول أكسيد الكربون والجسيمات العالقة في الهواء، وتكون سحابة سوداء على دولة الكويت والدول المجاورة لعدة أشهر، ولولا الظروف الجوية آنذاك لامتدت هذه السحابة لمسافات كبيرة. وهبطت معظم الملوثات في هذه السحابة على الأرض في دولة الكويت محوّلة الصحراء إلى صحراء سوداء. ولقد أدّى ذلك إلى الكثير من المضاعفات الصحية للسكّان في دولة الكويت، إذ أشارت الدراسات الصحية إلى ارتفاع نسبة الأمراض المتعلقة بالجهاز التنفسي، أساسا ضيق التنفس، والجلد للسكّان المدنيين الكويتيين بمعدلات تفوق المعدلات العالمية، وبحسب دراسة لمنظمة الصحة العالمية ارتفعت نسبة الوفيات في دولة الكويت بنسبة 10 في المئة في السنوات التي تلت الحرب بسبب هذه الأمراض.

ولقد أدّت هذه الحرب إلى أضرار مدمرة وتأثيرات خطرة على البيئة، وخصوصا في دولة الكويت والسعودية والعراق، وعلى رغم مرور أكثر من 17 سنة عليها، مازالت الكثير من الأنظمة الحيوية تعاني من تأثيراتها ولم تسترجع عافيتها.

ولقد زاد من تدهور الوضع في المنطقة حرب غزو العراق (2003)، إذ أدّت العمليات العسكرية المصاحبة لهذه الحرب من تحصينات عسكرية ووضع الألغام ورفعها وحركة الأفراد والآليات العسكرية في العراق والكويت إلى تخريب الكثير من الأنظمة البيئية والمناطق المحمية في هاتين الدولتين، كما أدّت هذه العمليات إلى زيادة نحت التربة وحركة الكثبان الرملية وزيادة معدلات العواصف الرملية.

وفي هذه الحرب والحرب التي قبلها يمثل استخدام الولايات المتحدة الأميركية اليورانيوم المنضب وتأثيراته على الإنسان في المنطقة على المدى البعيد أحد أكبر الهواجس لدى البيئيين، إذ تم تقدير ما يصل وزنه من 300 إلى 800 طن من مخلفات اليورانيوم المنضب، معظمه على هيئة غبار موجود حاليا في العراق والكويت. وكما هو معروف فإنّ هذه المادة مشعة ولها نصف عمر يصل إلى 4.5 ملايين عام، ما يعني بقاء تأثيراتها المشعة على الإنسان والبيئة المحيطة إلى أبد الدهر.

ولقد دلت الدراسات على ازدياد نسب الإصابة بالسرطان في المناطق المتأثرة بمعدلات تتراوح ما بين 100 إلى 1200 في المئة. وبسبب وجوده كغبار، فإنّ اليورانيوم المنضب لديه القدرة على الانتقال والحركة، ولا يقتصر تلويثه للتربة والهواء فقط بل كذلك المياه وسلسلة الغذاء والأنظمة الحيوية وأخيرا الإنسان. وعلى رغم أنّ الدراسات المتعلقة بدراسة تأثيرات التلوث باليورانيوم المنضب على الأنظمة الحيوية محدودة جدا في المنطقة، فإنّ تأثيراته على صحة الإنسان أصبحت واضحة.

إلا أنّ اليورانيوم المنضب ليس الملوث الخطر الوحيد الناتج من جراء استخدام الذخائر في حروب الخليج الثلاث، وهناك الكثير من العناصر والمركبات الكيماوية الخطرة المستخدمة فيها، وخصوصا عنصر الرصاص المستخدم في الذخائر وقاذفات الصواريخ والمتفجرات، والذي له تأثيرات سلبية عديدة على الإنسان والأنظمة الحيوية. وفي بعض المناطق في أوروبا مازالت تأثيرات الرصاص السلبية ظاهرة بعد مرور 60 عاما من انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا المجال يمثل انتقال اليورانيوم المنضب والملوثات الأخرى إلى البيئة البحرية في الخليج العربي عن طريق شط العرب ومن ثم وصولها إلى سواحل الدول المجاورة مصدر قلق كبير لدول مجلس التعاون التي تعتمد على تحلية مياه البحر لتزويد سكّانها بالمياه العذبة.

وفي حين يمكن دراسة ورصد التأثيرات البيئية الظاهرة للعيان والمباشرة لحروب الخليج المتتالية وتقدير كلفها، فإنه من الصعب تقدير تأثيرات هذه الحروب اللا منظورة وبعيدة المدى والتي من المتوقع أنْ تكون تعتبر هائلة ويصعب تقدير كلفها. ولقد قامت دول المجلس التي تضررت من هذه الحروب بالعديد من الإجراءات في مجال إعادة تأهيل البيئات المتضررة، شملت مراقبة وتقييم الأضرار، والتخلّص من الألغام، وتنظيف مناطق هذه البيئات.

ومنذ حرب الخليج الثانية (1990-1991) تم وضع آلية عالمية تُعنى بالتعويضات عن الأضرار البيئية الناتجة عن الحروب والنزاعات المسلحة من مفوضية الأمم المتحدة للتعويضات. ولقد قامت دول مجلس التعاون، أساسا دولة الكويت و السعودية، بتقديم طلباتها للتعويضات البيئية وتم الحصول عليها من الطرف المتسبب لها. ومن المتوقع أنْ تؤدي هذا إلى منع السياسات التي تهدد الإنسان والبيئة في المستقبل في المنطقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب المقال هو المؤلف الرئيسي للجزء الخاص بدول مجلس التعاون والمشرق العربي (منطقة غرب آسيا) في تقرير جيو 4

إقرأ أيضا لـ "وليد خليل زباري"

العدد 1983 - السبت 09 فبراير 2008م الموافق 01 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً