العدد 2147 - الثلثاء 22 يوليو 2008م الموافق 18 رجب 1429هـ

وماذا بعد جلب الرؤساء للمحاكم الدولية؟

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

لا بد أن زلزلا قد ضرب أركان قصور الحكام، وهز عروش السلطة بدرجة لم تحدث من قبل، بعد أن أصبح جلب رؤساء الدول وحكامها إلى ساحات المحاكم الدولية أمرا مقررا، لمحاسبتهم ومحاكماتهم على أخطائهم وتجاوزاتهم في حق شعوبهم!

طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مارينو اوكامبو الأرجنتيني الجنسية الدولي المنصب بضبط واعتقال الرئيس السوداني عمر البشير الذي يتهمه بجرائم الإبادة الجماعية وجرائهم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، جاء سابقة هي الأولى من نوعها في ممارسة الذراع القضائي الدولي «المحكمة الجنائية الدولية» لمهماتها الصعبة والجديدة.

وعندئذٍ فإن مضت الأمور كما يحب ويريد السيد أو كامبور ومن هم خلفه، فإن هذه الذراع ستطول رؤوسا ورؤساء كثيرين وخصوصا في عالمنا، حيث نظم الحكم وكبار المسئولين متهمون على الدوام بالفساد والاستبداد، وارتكاب الفظائع وممارسة الانتهاكات في حق شعوبهم، من الانفراد بالسلطة إلى الانفراد بالثروة، ومن المبالغة في المقر إلى توسيع دوائر الفقر.

باسم الدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة، وتحت شعارات إنسانية عديدة، وخصوصا حق التدخل الإنساني، أصبح لمجلس الأمن مثلا أن يدفع للمحكمة الجنائية الدولية، بقضايا تمس نزاهة الحكم في هذا البلد أو ذلك طالبا منها محاكمة المسئولين والقبض عليهم وجلبهم إلى ساحة المحكمة، كاسرا بذلك عرفا وقانونا وتقليدا سرى على مدى الأزمان، وهو حصانة الرؤساء والحكام، هؤلاء لم تعد لهم إذا حصانة. ولم تعد للحصانة قيمة، ولن تشكل بعد الآن مانعا من المحاكمات الدولية.

وهنا يقفز السؤال عن سيادة الدول، تماما مثل حصانة الرؤساء والحكام، فقد تعرضت هذه السيادة للتأكد في ظل العولمة وضغوط الهيمنة التي تمارسها القوى الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، أكثر دول العالم انتهاكا لسيادة غيرها.

ومن العجب أميركا هذه التي حرضت على قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بانتقال رئيس السودان هي نفسها التي رفضت الانضمام إلى النظام الأساسي لهذه المحكمة «اتفاقية روما 1998 حتى لا تخضع مع مواطنيها لأي محاسبة أمام ذات المحكمة، وهي أيضا صاحب السجل الأكثر سوادا في ارتكاب فظائع وجرائم إبادة وجرائم حرب ضد الإنسانية، وانظر إلى ما فعلته وتفعله في أفغانستان والعراق، وفي سجون باجرام وأبوغريب وغوانتنامو... دون أدنى محاسبة، ناهيك عن أي محاكمة، وبالطبع لا ينافسها في هذا السجل الأسوأ والأسود إلا «إسرائيل» التي ترتكب كل جرائم الحرب والإبادة ضد الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من العالم... الصامت المذعور!

لكن ارتكاب أميركا مثلا لهذه الجرائم والفظائع لا يبرر لغيرها من الدول ممارسة الخطيئة نفسها، وتهربها من المحاسبة والمحاكمة، بحكم قوتها المنفردة بالعالم اليوم، لا يعني التغاضي عن محاسبة ومحاكمة غيرها، فلو أن المحكمة الجنائية الدولية هذه، التزمت بالقانون والبحث الأمين والقضاء العادل، لشكلت تحولا هائلا لصالح الشعوب ضد الاستبداد والفساد. لكن المشكلة تكمن في تسييس هذه المحكمة وتوجهاتها، وخضوعها غالبا لسياسات الدول الكبرى.

وحين نعود إلى القضية الأساسية التي فتحت أبواب جهنم، ونعني قضية دارفور السودانية «قدر مساحة فرنسا»، وطلب اعتقال الرئيس السوداني البشير المتهم الرئيسي فيها، نجد بصراحة أن الحكومات السودانية المتتالية هي المسئول الأول عما آلت إليه هذه المأساة الإنسانية، التي أصبح العالم يرفعها على رأسه باكيا على المذابح نائحا على الفظائع.

لقد أهملت الحكومات السودانية، وخصوصا حكومة الإنقاذ الحالية التي يقودها الرئيس البشير، منذ استيلائه على السلطة العام 1989، الأقاليم السودانية، جنوبا وشرقا وغربا، حتى ترعرع التمرد وزادت حدة الغضب وصولا إلى الحرب الأهلية، التي شهدنا تجلياتها هنا وهناك.

وبينما تفرغت الخرطوم خلال السنوات الأخيرة للتوصل إلى اتفاق تسوية مع الحركة الشعبية في الجنوب «اتفاق نيفاشا» كانت درافور في الغرب قد انفجرت وازدحمت بأكثر من 30 حركة تمرد، مثلما تزاحمت وتكالبت عليها الطيور الجارحة، من ممثلي الدول والأجهزة الاستخبارية والمنظمات التبشيرية والهيئات التجسسية والمنظمات الإنسانية من كل لون وشكل، تعمل وتخطط وتنفذ وتسلح وتدرب وتمول في غيبة الحكومة السودانية، التي رأت بشكل حاد حين اكتشفت أن دارفور تسير على خطى الجنوب، تمردا وارتباطا بقوى إقليمية ودولية وتوجهها نحو الانفصال...

وبصرف النظر عن شكاوى القبائل الإفريقية والعربية على الرعي والكلأ والماء، فإن الحقيقة أن التدهور قد بلغ مداه، واستخدام السلاح والعنف زاد، وصولا إلى ارتكاب مذابح وفظائع متبادلة بين القوات الحكومية والميليشيات المؤيدة مثل «الجنجويد»، وبين فصائل المتمردين، لكن التركيز الإعلامي السياسي الدولي، وخصوصا الذي مارسته بعض المنظمات الغربية، كان على ما ارتكبته القوات الحكومية فقط، مع تجاهل ما ارتكبه الطرف الآخر.

ولو كانت حكومة الخرطوم، قد اهتمت بما جاء في تقرير لجنة التحقيق الدولية العام 2005، التي شكلها مجلس الأمن من خمسة أعضاء بينهم محمد فائق الخبير الدولي في حقوق الإنسان، ونفذت توصياتها وخصوصا محاسبة المسئولين عن الفظائع وتحسين أداء القضاء، والتوافق الوطني على تسوية سياسية لأزمة دارفور، لما كانت الأمور قد تعقدت ووصلت إلى ما نواجهه اليوم من أول مذكرة اعتقال لرئيس دولة، لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهم فظيعة.

وبصرف النظر عما ستؤول إليه مذكرة اعتقال الرئيس السوداني وبعض معاونيه، وعن احتمالات خضوعها للمساومات السياسية، داخل أو خارج مجلس الأمن، صاحب الولاية على شئون الكون، وطبقا للإرادة الأميركية، بصرف النظر عن كل ذلك، فإن السابقة قد أقرت والباب أصبح مفتوحا لتوجيه الاتهام من محكمة دولية، صدقت عليها 106 دول، ولم تصدق عليها أميركا والصين وروسيا والدول العربية باستثناء الأردن وجيبوتي، محكمة تتمتع بحق محاسبة ومحاكمة الدول والرؤساء والحكام مهما كانت مكانتهم.

اليوم دارفور وعمر البشير، وغدا لا ندري من سيطوله سيف الاتهام، وكم هو جاهز لحصد الرؤوس التي يراد قطفها بتهم مثل الاستبداد والفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية... وقد نجحت الحركة الشعبية لحقوق الإنسان عبر العالم، في تحريك ملف نظم الحكم التي تنتهك الحقوق وتصادر الحريات وتقهر شعوبها، مثلما نجحت في دعم وتأييد المحكمة الجنائية الدولية، كساحة لمحاكمة مثل هذه النظم الاستبدادية.

ولن نفاجئ غدا بالمحكمة الدولية هذه، وبضغط قوى من حركة حقوق الإنسان، وربما بضغط من هذه الدولة الكبرى أو تلك، تصدر قرار اتهام وأمر جلب لهذا الرئيس أو لذاك الحاكم لمحاكمته، بتهمة قهر شعبه ومصادرة حرياته وسلب ثرواته وانفراده بالسلطة وسجن معارضيه واضطهاد أقلياته، من دون النظر كما قلنا إلى مبادئ سيادة الدولة وحصانة الرؤساء والحكام... تلك التي سقطت!

نعرف أن تسييس أعمال المحكمة الدولية، واستغلالها بعيدا عن معايير القضاء العادل، أمر قائم، وندرك أن المعايير المزدوجة أمر شائع في مثل هذه الأمور خاصة، ونثق بأن دولا كبرى مثل أميركا تستغل مثل هذه المنابر القانونية والقضائية، للانتقام من الدول والحكام المعاديين لها، ونعلن أن أزمة دارفور تحديدا قد لعبت فيها أيادٍ كثيرة ونشاطات خبيثة، حتى أوصلتها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لكننا بالمقابل نعرف أن قضية الحكم الصالح الرشيد، وتحقيق العدالة واسترجاع الشعوب لثرواتها وصيانة حقوقها وحرياتها، ضد نظم القمع والفساد والاستبداد، قضية تستدعي التعلق بقشة حتى لو كانت المحكمة الدولية، التي نتصور أنها ستكون رادعا من بين روادع كثيرة، لمن أغوتهم قوة السلطة ونفوذ المال المنهوب وممارسة قهر شعوبهم بلا قانون أو شرعية.

ولعل هذا يدفعنا إلى إعادة طرح مسألة المحاسبة والمراقبة والمساءلة، التي ينبغي أن تمارسها الشعوب الحية الواعية على حكامها، فإن لم تفعل بجدية، فإن المناخ الدولي قد أفرز لها من يقوم بهذه المهمة نيابة عنها، أو حتى غصبا عنها.

هذه متغيرات جديدة صادمة... يراها البعض اعتداء على سيادة الدولة وحصانة الحاكم، ونراها نافذة جديدة لردع من لم تردعه قاعدة العدل أساس الملك، فاعدلوا تعتدلوا يا أولي الألباب!

خير الكلام: يقول الكواكبي:

المستبد عدو للحق وقاتل للحرية...

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 2147 - الثلثاء 22 يوليو 2008م الموافق 18 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً