العدد 2360 - الجمعة 20 فبراير 2009م الموافق 24 صفر 1430هـ

الفساد الإداري من سيئ إلى أسوأ... المعالجة

سكينة العكري comments [at] alwasatnews.com

تطرقت في الفترة الأخيرة إلى مجموعة من المقالات تتناول المرض المستفحل في غالبية الإدارات وفي غالبية الوزارات ولكن المرض يزيد عند البعض وتخف حدته عند البعض الآخر، ولكن الجميع يشكو من وجع ومرض، ونزولا عند رغبة مجموعة من القراء المحترمين الذين يطالبوننا دائما بالاستمرار والمزيد المزيد من فضح المستور ومن وضع الحروف على النقاط، نستكمل وإياكم حلقات مسلسل الفساد الإداري علّ وعسى يخف المرض وتطيب الجروح، فالجرح غائر ولا يمكن له أن يطيب ولكن التخفيف منه مطلوب ولعل الكتابة تبرد شيئا من ألم المعايشة النفسية التي لا يمكن تجاهلها وسط إزعاجاتها المتكررة.

فكما ركزت في مقالي السابق على تشخيص الفساد الإداري والذي أصفه بأنه من سيئ إلى أسوأ، أركز اليوم عبر مقالي هذا على المعالجة، على رغم أن المعالجة في مثل تلك الحالات التي تحدثنا عنها تبدو وكأنها قد قال فيها الشاعر الكريم الذي أتحفنا بأبياته ومازلنا نرددها ونأسى على حالنا من حالتنا المزرية:

لقد أسمعت لو ناديت حيـا ولكن لا حياة لمن تنادي.

نعم لا حياة لمن تنادى، وكأنك تأذن في مالطا أو في خربة، إذا جاز لنا التعبير أو القول!

ولكن لا بأس من التنظير للعلاج بهدف العيش على الأمل، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، ولا بد للإنسان السوي أن يعيش على الأمل، فالحياة بلا أمل تعني يأسا وإحباطا ودمارا.

وللأمانة عندما حاولنا أن نضع بعض العلاجات الصغيرة لهذا المرض الكبير فضلنا الرجوع إلى بعض المتضررين من المرض وليس المبتلين لأن المبتلين لا حول لهم ولا قوة، وبالمناسبة رجعت إلى مصدر جدا مهم وهو أيضا من الكفاءات الكبيرة جدا والتي طالها الإقصاء والتهميش والتطنيش إلى أن قررت الفرار بجلدها إلى حيث فسحة الأمل إلى العيش من جديد في حياة تسودها الكرامة، وسأحدثكم قريبا عن قصتها مع الوزارة ذاتها في مقال قادم لأنها تستحق بالفعل الوقوف عندها للذين يريدون العيش من جديد.

وفيما يلي خلاصة الوصفة العلاجية بحسب ما خلصنا إليه: أرى أن واحدا من العلاجات التي يجب الاهتمام بها يبدأ من الصغار البسطاء... من المرؤوسين... من الموظفين. تبدأ من رفض تقديس الرئيس مهما علا شأنه ومكانته، والابتعاد عن سياسة الطاعة العمياء والنفاق والكلام من تحت الطاولة وحسن النية والتخلي عن الخوف والقلق، ومفارقة العيش على الأمل في الترقي والحصول على المواقع المتميزة والفريدة على حساب سعادة النفس والكرامة المهدورة، فلا شيء يساوي عزة النفس والكرامة لكي نراهن عليها ونتخلى عنها.

من هنا وجب أن يتعلم الصغار (المرؤسين) وبأسلوب حضاري وإداري للرئيس الفاسد: أنت فاسد، أنت أعمى، أنت مخطئ، بمعنى أن نتعلم أن نقول: نرفض التعليمات غير المنطقية والأوامر غير المبررة والطلبات الشخصية الكثيرة التي لا طائل لها، الرئيس السيئ يسمع صوته والصغار يرفعونه له.

من الصغار يتعلم الكبار الاحترام وحسن الإصغاء، من المرؤوسين يحسب الرئيس ألف حساب، هم يعلمون الرئيس السيئ إما أن يتغير ويواكب كل ما هو جديد في علم الإدارة وأن يتعلم كيف يتعايش مع الظروف النفسية المتغيرة لدى مرؤسينه أو عليه فورا أن يهجر موقعه الإداري وأن يعلن عن فشله الذريع في التعاطي الإداري مع إدارته.

يعتقد البعض واهما أن هذا الحل من منطلق قوة أو عدم حاجة، وبدورنا نؤكد ومن خلال الوصفة العلاجية التي صيغت بدقة وتنم عن فهم كبير لما هو يجري في كواليس الإدارات المنكوبة بأنه نعم القوة من الإيمان بقدراتنا وأنه من دون الصغار لن يكبر الرؤساء ولن يكونوا رؤساء أصلا، نعم من عدم حاجة لأن الحاجة نحن من يبرزها واضحة أما وجه الرئيس السيئ فيقوم بابتزازنا على أساسها، لقد اعتاد الموظفون وللأسف الشديد على عادة التقديس والانجرار نحو ما يوافقهم الهوى سلبا أو إيجابا طمعا في الظفر هنا أو هناك ببعض الامتيازات.

أظن بأنه بدلا من النفاق والرياء، وبدلا من السمع والطاعة أمام الرؤساء ومن ثم التذمر والشكوى والبكاء والعويل، هناك أسلوب آخر أكثر منطقية من أي الأساليب الأخرى وهو الحوار وإبداء وجهة النظر والمصارحة، أما أن كل الأسئلة لا جواب لها، وعليكم أن تصموا فمكم وأن تسدوا آذانكم وأن تغلقوا عيونكم فهذا أسلوب قد عفى عليه الزمن ولم يعد له قيمة مطلقا، وعلى من يلتزم بتلك النظرية أن يحقر من نفسه أولا لأنه ليس هناك من يحترمه ويحترم منطقه الخاص به.

المعالجة الأهم في هذا الموضوع أن يتعلم المظلومون أن يشكوا ظلامتهم إلى من هو أكبر من رئيسهم دون خوف من الرئيس الفاسد المسلط على رقابهم، أن يتحرروا من قيودهم، أن يعيشوا الحرية، أن يتشجعوا وأن يبثوا مشاعرعم ومواقفهم، أن يفكروا أن يعيشوا الإحساس بأن يلدوا من جديد، لست مؤيدة لأساليب التجاهل أو الفرار لأنه ضعف وهوان، ولكن قد يكون الفرار أحد العلاجات المهمة التي من الممكن التعويل عليها لأنها تأخذ طابعا إعلاميا مهما، وخصوصا مع الرئيس السيئ، فالرئيس السيئ عندما لا يجد له من يسمعه ومن يطيعه وأن يقبل عيوبه سيفكر ربما لاحقا بعيوبه وربما يجدها ولكنه سيظل كذلك طالما بقى الجميع معه وطالما بقى النفاق وبقت المصالح سيدة المواقف.

كلما شعر الرئيس الفاسد بأنه موجود بمفرده يواجه مصيره كلما تعقد موقفه ولكنه يشعر بالقوة طالما بقى من حوله مكامن سر وكأنهم حرس يوفرون له الحماية والأمان في حين أنه لا يمكن له أن يوفر لهم الأمان فلا أمان مع الفاسد السيئ.

إقرأ أيضا لـ "سكينة العكري"

العدد 2360 - الجمعة 20 فبراير 2009م الموافق 24 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً