العدد 2396 - السبت 28 مارس 2009م الموافق 01 ربيع الثاني 1430هـ

محمد جابر الأنصاري ... مفكر الواقعية الجديدة

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

لقد سألني أحد الصحافيين عندما أصدرت كتابي (الواقعية الجديدة في الفكر العربي: المشروع الفكري للأنصاري نموذجا) العام 2004، متهكما هل الأنصاري هو المفكر الوحيد ونحن لا نفكر؟، كما أثار معي أحد الكتاب ماذا تقصد بالواقعية؟ هل تعني أن نستسلم للواقع؟ ولماذا اهتمامك بمحمد جابر الأنصاري؟

ولقد أجبت على السؤال الأخير في مقدمة كتابي عن الأنصاري وهي باختصار تعرفي على فكره قبل أن تطأ قدماي أرض البحرين، وقبل أن أعرفه شخصيا تعرفت عليه من خلال فكره ومؤلفاته، ووجدت فيه عمق الرؤية، وبعد النظر، وأصالة البحث، وصدق التوجه في التعبير عما يعتقد بأنه صواب، وهذا بخلاف كتاب كثيرين يكتبون غير ما يعتقدون ويتناقضون في سلوكهم مع ما يعبرون عنه في مؤلفاتهم ومقالاتهم واجتماعاتهم.

نعود إلى الأنصاري المفكر لنقول إن تعريف «المفكر» هو تعريف بالغ الدقة وهو يرتبط بثلاثة أمور:

الأول: إعمال العقل، وملكة العقل هي أهم ملكة وهبها الله للإنسان، ولذلك أشاد بها القرآن الكريم ودعا إلى رعايتها وإعمالها في التفكر في خلق الله والسموات والأرض وفي النفس ذاتها وفي المحيط الخارجي من جبال وأنهار بل في تعاقب الظواهر البشرية والطبيعية من حياة وموت، ومن زلازل وبراكين، ومن تعاقب الليل والنهار.

هذا المنهج الفكري اتبعه الأنصاري في كتاباته حيث حلل الأوضاع العربية من خلال معادلات الجغرافيا السياسية والجغرافية الثقافية، واستشهد بآراء العروى في العصر الحديث، وابن خلدون في العصور الوسطى الإسلامية وغيرهما.

الثاني: إن المفكر هو الذي يكرس جلّ وقته للتأمل وبلورة الحلول بعد تشخيص الحالة التي يعيشها مجتمعه، ولقد كرّس الأنصاري ذلك خلال أكثر من أربعين عاما، حيث درس الواقع والأدب في البحرين لينتقل للسياسة في الخليج والوطن العربي والأمة الإسلامية ودرس الواقع الراهن بدقة وعمق. لم يسعَ للحصول على منصب ولم يتطلع إلى جاه أو سلطان، وهو في نفس الوقت لم يبخل بالنصيحة والرأي على صاحب المنصب والجاه والسلطان.

الثالث: إن الذين قادوا النهضة الأوروبية في نهاية العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة، كما أن بناة التراث الثقافي السياسي والاجتماعي والفكري أطلق عليهم الباحثون لقب «المفكر» سواء كان ذلك في العصر اليوناني أمثال سقراط، وأفلاطون، وأرسطو. أو في العصور الوسطى أمثال مكيافيللي، وروسو، وفولتير، وهوبز، ولوك، وغيرهم، أو في العصور الحديثة العربية والإسلامية أمثال رفاعة رافع الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وغيرهم. والواقع أن مساهمات الأنصاري لا تقل عن أي من هؤلاء أصالة وعمقا واهتماما بالمرحلة التي يعيشها وتفسيرها تفسيرا علميا موضوعيا.

فهو إذن مفكر بكل معنى الكلمة. إنه ليس ناشطا سياسيا، أو سياسيا حركيا، وإنما هو مفكر سياسي بامتياز، يعيش المجتمع وينتقده لكي يصلحه، ولا يسعى لقيادته سوى بالفكر وليس بالهتافات والشعارات، إنه يخاطب عقل المجتمع وليس فقط مشاعره. إنه يحقق القول المأثور عن النبي (ص) «لا يكن أحدكم إمّعة، يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم». ولهذا لم يتردد الأنصاري في نقد من أطلق عليهم العمالقة في العصر العربي الحديث، وهم حقا عمالقة ولكنهم بشر، يخطئ ويصيب من هذا المنطلق، ألف وكتب، ولعل من أحدث كتاباته الناصرية بمنظور نقدي: أي دروس للمستقبل؟ وكتاب متميز وسبق أن عرضت له في مجلة «أوان» التي كان تصدرها جامعة البحرين العام 2002.

ولا شك أن العمالقة لهم أيضا أخطاؤهم كما لهم إنجازاتهم، وهم عمالقة ولعظمتهم اختلف الناس بشأنهم ومازالوا مختلفين. والأنصاري في منهجه النقدي لم يطعن في صدقية وفكر هؤلاء العمالقة وإسهاماتهم، وإنما أضاف الجانب الآخر وهو الأخطاء والمثالب ليس لأشخاصهم وإنما لسياساتهم ومواقفهم. امتثالا للمنهج العلمي البحثي وبعيدا عن المنهج الدعائي الغوغائي أو الديماجوجي أو الإيديولوجي. ولهاذ استحق لقب المفكر بامتياز.

وننتقل إلى التساؤل الثاني عن الواقعية الجديدة، إن الفكر الواقعي هو الذي يقوم على دراسة الحقائق كما هي، ففي السياسة يركز الفكر السياسي الواقعي على نظرية القوة والسعي لتحقيق المصالح، ولا يهتم كثيرا بالمفاهيم الابتغائية أو المثالية. الفكر الواقعي الجديد يختلف عن الفكر الواقعي التقليدي، فالواقعية الجديدة مع أخذها في الحسبان الحقائق فإنها تضيف إلى ذلك القواعد الأخلاقية والتراث الديني في إطاره العام، وفي النظرة التقليدية له، ولذلك تدعو لغربلة التراث واستخلاص جوهره ومدى ملاءمته مع الحياة المعاصرة، إنها لا ترفضه وإنما تحدثه وتطوره، والأنصاري في كتاباته يعبر عن منهج الواقعية الجديدة بامتياز. أنظر على سبيل المثال كتابه المعنون «رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية وشواغل الفكر وبين الإسلام والعصر»، وكتابه المعنون «التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام: مكونات الحالة المزمنة». فضلا عن الكثير من الكتابات الأخرى، هنا نرى المفكر جابر الأنصاري يعود للجذور والتراث في نصوصه الأصيلة، ولعل هذا يذكرنا بمنهج أبي حنيفة النعمان في الفقه عندما قال عمن سبقوه بعد جيل الصحابة العظماء «إنهم رجال ونحن رجال»، أو مدرسة الإمام الشافعي عندما طور نظرته الفقهية لتطور الزمان وملاءمة المكان، إن المدرسة الواقعية الجديدة هي مدرسة دينامية وليست جامدة، إنها مدرسة أقرب للذرائعية منها للإيديولوجية.

من هنا نقول: إن الأنصاري مفكر الواقعية الجديدة بامتياز، إنه واقعي في فكره وفي تفاعله مع مجتمعه وليس طوباوي الفكر أو منقطع الصلة مع الواقع المعاش، إنه لا يرفض الواقع أو التراث بل ينتقده نقدا بناء، بهدف إصلاحه وتطويره، وليس بهدف تثويره، إنه يؤمن بالتطور وليس بالثورة، كما لا يؤمن بأخذ التراث على علاته إعمالا لمقولة «ما ترك الأولون للآخرين من شيء يجتهدون فيه». لقد عاش الأنصاري الواقع العربي بطموحاته وآماله، كما عاش هزائمه ونكباته، لقد عاش الفكر الإيديولوجي، كما عاصر الفكر الاستسلامي، لقد راقب الفكر الماضوي السياسي والديني على حد سواء، ولذلك اختطّ لنفسه منهجا خاصا ليس هو التلفيقية، ولكنه التوفيقية والوسطية الأصيلة.

لقد بنى الإغريق حضارة ولكنها زالت واندثرت، وبنى العرب المسلمون حضارة وكذلك تراجعت، وفعل الصينيون والهنود والأوروبيون والفرس والرومان والمصريون وغيرهم نفس الشيء، ولكن السؤال: ماذا بقي من كل هذا؟

إن الدراسة التحليلية العميقة لتلك الحضارات تقدم لنا ثلاثة دروس وعِبر وهي:

الدرس الأول: إن التطور في المجتمعات مراحل تدريجية ومتواصلة تتواكب مع واقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن ثم فإن حرق المراحل هو أساس الكوارث، وحتى الدول التي قامت على أساس مفاهيم الثورات سرعان ما عادت إلى الفكر التطوري العقلاني التدريجي.

الدارس الثاني: إن الإبداع الفكري والإيناع الحضاري اعتمد على انتقال الإنسان من مرحلة الفكر الأسطوري والفكر الانبغائي إلى مرحلة الفكر العقلائي النقدي. ولقد كان من أبرز رواد هذا الفكر النقدي للواقع أرسطو في العصر اليوناني، وابن رشد، وابن خلدون في الحضارة الإسلامية. ويمكن القول باطمئنان إن الأنصاري يُعدّ رائدا من الرواد المعاصرين للفكر الإبداعي النقدي في عالمنا العربي، بل هو يتميز عن بعض المبدعين بسلاسة أسلوبه وبلاغة عباراته، في حين نجد البعض الآخر من المفكرين العرب المحدثين، إما يكررون المدارس الفكرية الأوروبية المرتبطة بالحداثة وما بعد الحداثة أو المدارس الفلسفية الفرنسية والألمانية، التي لا تمت للواقع العربي المعاصر، أو يعيشون في التراث الماضي الذي بحكم كونه ماضيا لا مجال لاستدعائه إلا في الأطر الإيديولوجية.

الدرس الثالث: إن المفكر الحق هو الذي يعبر عن ثلاث حقائق: العصر الذي يعيشه، والمجتمع الذي يعيش فيه، ورؤيته وإبداعه الذاتي المستمد من خصائصه الشخصية. ومن ثم يتألق المفكر أو يتحول إلى سياسي مؤدلج أو سياسي انتهازي أو سياسي طوباوي إذا أخفق في تحقيق التوازن بين الحقائق الثلاث المشار إليها في هذه الفقرة.

من كل هذا يمكننا أن نخلص إلى أن محمد جابر الأنصاري هو مفكر بامتياز وينتمي بل هو رائد من رواد الواقعية الجديدة في عالمنا العربي.

ولهذا فإن تكريمه أدبيا وفكريا وأكاديميا ومجتمعيا يعد ضرورة، بل واجب من واجبات كل مثقف، وكذلك من واجبات الهيئات الثقافية والعلمية.

ولقد أحسنت اللجنة الأهلية لتكريم رواد الفكر والإبداع في البحرين صنعا بقيامها بذلك التكريم واختيار الأنصاري كأول مفكر ومبدع يتم تكريمه في مركز عيسى الثقافي والذي يعد صرحا متميزا ومفخرة للبحرين. ولا مراء في أن البحرين دولة تعج بالخصوبة الفكرية والنشاط الثقافي الإبداعي في مجالات عديدة، ونتطلع لمزيد من عطاء الأنصاري ومن عطاء المفكرين البحرينيين الآخرين

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 2396 - السبت 28 مارس 2009م الموافق 01 ربيع الثاني 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً