العدد 2448 - الثلثاء 19 مايو 2009م الموافق 24 جمادى الأولى 1430هـ

أسس من أجل تكتل اقتصادي خليجي فعّال

منبر الحرية comments [at] alwasatnews.com

مشروع منبر الحرية

إزاء المخاطر والتحديات المحدقة لابد لدول الخليج من الاستجابة الفاعلة والتكيف الإيجابي مع هذه الأوضاع والمتغيرات الاقتصادية، ولا غنى لها عن تعديل مجمل الهياكل الاقتصادية القائمة في داخلها، بما يؤهلها لاتخاذ الإجراءات والسياسات الاقتصادية اللازمة لمواكبة المنافسة المنتظرة.

كما أنه وفي ظل ارتفاع أسعار النفط وتراكم الوفورات النفطية في الخزائن والبنوك والتي جعلت دول الخليج في وضع اقتصادي واجتماعي مريح عموما (بالرغم من الهبوط الحاد لأسعار النفط منذ نهاية صيف 2008) فإن الخيار الوحيد أمام هذه الدول للتعامل مع مجمل الاتفاقيات الاقتصادية الدولية (كاتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية ومختلف التكتلات الاقتصادية القائمة بين الدول والتي تعتمد على الجودة والإدارة ومنافسة الابتكار والتميز الصناعي) هو في وجود تكتل اقتصادي خليجي قوي وفعال كبداية لتكتل اقتصادي عربي موسع مشابه للتكتلات القائمة.

لكن السؤال المطروح هنا: هل أن وجود ثروة مادية كبيرة بيد الخليجيين كافٍ لإيجاد تنمية اقتصادية حقيقية في بلدانهم، بما يفضي إلى رفع مستويات المعيشة، وتحسين ظروف الحياة، وبحيث يدفعها ويوفر لها الإمكانية الفعلية لتعزيز القدرة على القيام بتكتل اقتصادي فيما بينها لاحقا؟!

إن الإجابة العملية على هذا التساؤل تبرز الأهمية المعقودة على مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ مزيد من الخطوات العملية السائرة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي.

ولعل من بديهيات هذا التكامل الاقتصادي المنشود بين دول الخليج هو في البدء بتطبيق عدة أمور:

الأول: تفعيل الواقع الاقتصادي وتحريره في داخل كل دولة من الدول الخليجية من القيود الداخلية السياسية والاقتصادية. وهذا يتطلب رفع كفاءة البشر في تلك البلدان حيث لا تزال الأنظمة التعليمية عاجزة عن توفير عمالة وطنية متمكنة من تحمل مسئوليات الاقتصادات الوطنية. وهنا تؤكد المعلومات الإحصائية أن بلدان الخليج لا تزال فقيرة في مواردها البشرية، وفي الوقت ذاته يتم توظيف كثير من هذه الموارد على أسس غير رشيدة وغير محسوبة العواقب، وبداعي التنفيع والكسب الخاص، وليس بهدف بناء الخبرة المهنية، واكتساب المهارات النوعية، والتميز في الأداء الاقتصادي.

إضافة إلى ذلك - وقبل ذلك - يجب الاهتمام الكافي بالجانب النظري التعليمي الخاص بتنشئة الأجيال وأسلوب تربيتها وتدريبها، على مستوى معالجة نظم التدريب من أجل تحسين مخرجات التعليم، وهذا يتطلب:

- توفير المباني التعليمية المجهزة والمهيأة بشكل مناسب للعملية التعليمية.

- تحسين المستويات العلمية والخبرات العملية للهيئات التدريسية.

- استخدام مناهج علمية متطورة حديثة.

- الابتعاد عن الأسلوب التلقيني في التعليم، والتركيز على الأسلوب التحليلي القائم على تحريض الطاقات وتحفيز المواهب والقدرات الذاتية للفرد، تفكيكا وتحليلا واستنتاجا.

- اعتماد كل الوسائل والأدوات التعليمية العصرية التي تعزز كفاءة الأفراد، وتعظيم مبادراتهم الذاتية، وصقل تجاربهم العملية.

الثاني: زيادة حجم المشاريع المشتركة بين تلك الدول (وضرورة السعي إلى توسيع رقعتها الجغرافية والمادية، بما يخلق قاعدة مادية عريضة لقيام وتطور الأشكال الأخرى للتعاون). حيث تمثل المشروعات المشتركة صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصاديات دول المجلس التعاون، مما يخلق حاجة موضوعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. كما أن تلك الاعتمادات سوف تقلص من حجم انكشاف الاقتصاديات الخليجية على العالم الخارجي، وبالتالي سيكون ذلك تقليصا للآثار السلبية لهذه الظاهرة مثل تقلبات أسعار الواردات والصرف ومعدلات التضخم.

الثالث: زيادة وتطوير الطاقة الإنتاجية كما ونوعا في البلدان الخليجية بما يجعلها مؤهلة لتلبية متطلبات السوق الأكبر من السوق المحلية (من مختلف السلع والمنتجات والبضائع)، ولكي يصار لاحقا إلى البدء بتحرير التبادل التجاري بينهم.

الرابع: فسح المجال للتحرك والانتقال السلس والحر لعناصر الإنتاج، والاستثمار بين دول مجلس التعاون الخليجي. وخصوصا عندما توجد مجموعة مشاريع مشتركة بين تلك الدول، مما يقتضي زيادة في التنسيق الصناعي والإنتاجي والاستثماري.

الخامس: تنسيق الخطط التنموية بين دول الخليج العربي في سياق رغبتها الملحّة بتحقيق التكامل الاقتصادي أو (على الأقل) في سياق توجهها نحو التوحيد الاقتصادي والتوافق على السياسات الاقتصادية المتعددة والمتنوعة.

السادس: إذا كان الهدف هو الاستفادة من الأموال المتاحة لدى الحكومات والأفراد والمؤسسات الخاصة من أجل تنويع القاعدة الاقتصادية، فإنه من المفروض أن تسهل عملية الاستثمار، ويوضع حد للعراقيل التي تحول دون التملك في الأصول في بعض القطاعات والأنشطة لغير المواطنين المحليين.

السابع: إنّ التنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن يتم بالتوازي مع التنسيق السياسي والتنسيق العسكري فيما بينها، كما عبّر عن ذلك الشيخ زايد، ولا يمكن لهذا التكامل الاقتصادي أن يتحقق من دون وجود أمن واستقرار حقيقي... أي أن التنسيق والتكامل الاقتصادي يحتاج إلى حماية أمنية، كما أنها تشكل - في الوقت نفسه - دعما كبيرا للخطط الأمنية، ويشكلان معها حلقات مترابطة تهدف في النهاية إلى تحقيق الرخاء والخير للمواطن في هذه المنطقة.

الثامن: البدء بتطبيق تداول العملة الخليجية الموحدة (نظريا حدد الموعد في العام 2010).

وأخيرا فإننا نؤكد على أن ضرورات التنمية والاستجابة لمتطلبات التكتلات الاقتصادية الكبيرة والمتزايدة في هذا العالم (من التجمع الأوروبي الاقتصادي المشترك: EEC - إلى رابطة الدول الآسيوية المعروفة بمجموعة الآسيان - إلى التكتل الأميركي الشمالي بين كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا: NAFTA، وغيرها من الكتل الاقتصادية الإقليمية في أنحاء متفرقة من العالم)، إن ذلك كله يقتضي تفعيل وإغناء تجربة مجلس التعاون الخليجي، بما يساهم في إنجاز الأهداف والتطلعات الاقتصادية لشعوب المنطقة. وهذا يتطلب بدوره إعادة قراءة جديدة ومراجعة نقدية جادة لكل المرحلة السابقة من تجربة هذا المجلس على الصعيد الاقتصادي منذ قيامه وحتى الآن... كما أن ذلك يلزم تلك المنظومة الخليجية بأمرين:

- الأول: تفعيل وتعميق أواصر التعاون والتكامل بين دولها، وتحويل الاتفاقات الموقعة منذ فترة إلى واقع حي ملموس. ومن ثم تفعيل التعاون بين دول المجلس مجتمعة وبين تلك التكتلات بما يحقق تطوير المبادلات التجارية بين الطرفين والتغلب على العوائق التجارية.

- الثاني: إعادة النظر بآليات رسم الاستراتيجيات الاقتصادية الخليجية بشكل ينعكس على الارتقاء بقدرتها التنافسية مع تلك التكتلات الاقتصادية.

وباعتقادي فإن التكتل الخليجي الاقتصادي الموحد المطلوب من قبل الجميع هناك، لن يصبح أمرا واقعا، ما لم تلتزم دول الخليج بتنفيذ وتطبيق جميع البنود والنقاط الواردة ضمن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة.

لكننا - وإن كنا ننظر إلى النواحي الإيجابية لمجمل النتائج المتوخاة من التكتل الاقتصادي لدول الخليج - فإن سلبيات عديدة تبرز أمامها، تجعلها تواجه عقبات اقتصادية في طريق التطبيق، يزداد وقعها سنة بعد أخرى، ويتسع نطاق انعكاساتها على جوانب الحياة المختلفة بوتيرة متسارعة حتى أوشكت تلك المعضلات أن تخلف وراءها سلسلة من التبعات الاجتماعية والسياسية لم يحسن الاقتصاد الخليجي في الجملة التعامل معها حتى الآن. بل إن بعض جوانب الاقتصاد الخليجي بات يتكامل مع الاقتصادي العولمي - بدليل اتفاقيات التجارة الحرة - بأسرع مما يتكامل ذاتيا.

*كاتب وباحث سوري، والمقال ينشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية » www.minbaralhurriyya.org

إقرأ أيضا لـ "منبر الحرية"

العدد 2448 - الثلثاء 19 مايو 2009م الموافق 24 جمادى الأولى 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً