العدد 2620 - السبت 07 نوفمبر 2009م الموافق 20 ذي القعدة 1430هـ

فائض الثروة... فائض القوة... فائض الوهم

هبة رؤوف عزت Heba.Raouf [at] alwasatnews.com

كاتبة مصرية

لعل من أشهر مفاهيم الفائض هو تنظير الماركسية لفائض القيمة... وتنظير الرأسمالية لفائض القوة. فوفق التحليل الماركسي فإن السلعة التي يتم انتاجها بينها وبين المادة الخام فائض في القيمة أي السعر، وهو الفارق بين قيمتها قبل العمل وقيمتها بعده، ومن هنا يأتي الربح، فإن تواجد وسيط بين العامل وحصوله على كامل قيمة الفائض فسيكون هذا الوسيط هو صاحب العمل الرأسمالي (المجرم) الذي يستولي على النصيب الأكبر من فائض القيمة ويعطي الفتات للعامل الذي يستحق الفائض كله، ومن هنا المطالبة بالعلاقة المباشرة بين العامل وأجره، وتحريره من أبنية الاستغلال التي تجني الربح وتشاطره الأجر دون حق. هذا تبسيط يكاد يكون مخلا لنظرية ضخمة استفاض ماركس في شرحها في كتابه العمدة «رأس المال»، وغيره مما كتب. لكنه لازم هنا لضيق المساحة.

أما نظريات فائض القوة فقد تطورت عبر القرون في خبرة الرأسمالية وليس لها مفكر واحد يمكن أن تنسب له لكن انبنت عليها مفاهيم الاستعمار، لذا يقال الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية لأنه يعمم الاستغلال عالميا، مستغلا فرط القوة العسكرية مقابل الحاجة الاقتصادية، بما يؤدي لاستغلال واستعباد الشعوب الأخرى. كان هذا يتم تحت غطاء دور الرجل الأبيض في نشر المدنية بين البرابرة، ولمّا تهاوى هذا المنطق صار يتم تحت شعارات نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي قيم محترمة لكنها تفقد جوهرها على لسان قوى غير محترمة بالمرة ولا تحترمها حين يتعلق الأمر بغير الأبيض وليس فقط بغير المواطن، والأمثلة في أوروبا والولايات المتحدة كثيرة من استمرار معاناة السود والهسبان، إلى العنصرية ضد المسلمين في القارة الأوروبية.

ولعل أبرز من كتب في مطلع الألفية منظرا لفرط القوة وفائضها كان ريتشارد هاس أستاذ العلاقات الدولية ومستشار الأمن القومي الأميركي والذي تولى لفترة رئاسة مجلس العلاقات الخارجية حين كتب أن أميركا لديها فائض قوة لا بد أن تمارسه في العالم، كان يتحدث يومها عن النفوذ، والناتج كان باختصار حربي أفغانستان... والعراق، واستمرار صرف بعض القوة في دعم الكيان الصهيوني.

ما يلفت النظر هو أن الفائض كمفهوم هو علاقة أيضا بين عنصر حقيقي والموقف من توزيعه، أي حين يكون هناك فائض يصبح السؤال: كيف يتم توزيعه وفي أي اتجاه: فائض القيمة كيف نقسمه؟ ومن هنا تنشأ نظريات العدالة الاجتماعية وسلطة الدولة، وفائض القوة كيف نحسن استغلاله ونتحكم فيه كي لا يتغول؟ ومن هنا تنشأ نظريات العدل السياسي والدولي ومنطق القانون الدولي.

لكن هناك فوائض أخرى. لاحظتها وأنا أتأمل في هذا الأمر، يمكن وضعها تحت عنوان واحد: فائض الوهم.

النوع الأول من فائض الوهم هو... الوهم السياسي، وهو الفارق بين أداء الحكومات وما تدعيه من إنجازات. في كل عاصمة عربية مؤتمر سنوي يجتمع في عيد قومي أو في موعد يحدده أصحاب السلطة ليحتفي فيه الحزب الحاكم بنفسه أن تتواصى فيه النخبة الحاكمة بالإثم والعدوان على كل مبادئ الشورى والعدل، ويردد فيه المتنفذون مجموعة من الأكاذيب تكللها حفنة من الإحصاءات الكاذبة الملفقة.

هذا الفارق هو ما أسماه المفكر الفرنسي النقدي جاك إلول «الوهم السياسي» للديمقراطية النيابية والتي تخلق مساحة ومسافة بين الناس والتمثيل الحقيقي بمثل المسافة التي تخلقها الرأسمالية بين العامل وأجره الحقيقي عن عمله الذي يستولي صاحب رأس المال على معظمه، فالمصالح الحقيقية للناس تتوه في دروب السياسة الخلفية وحجراتها السرية وحسابات المصالح التي تختطفها النخب السياسية لصالحها، فيكون المنتج السياسي النهائي أبعد عن المواطن ومصالحه، بل الوطن وأمنه.

هذا الفائض هو ما تسرقه السلطة من الناس، تدعي أنها أقدر وأجدر وأكثر خبرة، ويضحي هذا بمثابة أجرها عن تولي السلطة وإدارة الحكم، الأجر المادي والأجر المعنوي من هيمنة، في حين أن صاحب السلطة الحقيقية لا يملك من أمره شيئا، والمسافة بين الحق والغلبة هي مسافة فائض الوهم الذي تملؤه السلطة بالأكاذيب ويملؤه أعوانها وزبانيتها بالخوف والتنكيل بمن يفتح فما أو يرفع صوتا... وقد يملؤه رجال الدين بفتاواهم، أو يملؤه الناس بالجبن والصمت والخنوع، وهم القدرة على الهيمنة من قبل الناس يقابله توهم العجز من قبل الخانعين، ويوم ينهض الناس للدفاع عن حقوقهم السياسية سيستحقون كل القيمة، الأصلي منها والمضاف.

الفائض الآخر للوهم هو فائض الخيارات المتاحة التي نشتريها في سوق السلع... ولا نستخدمها، وهم الاستهلاك. . في حين أننا صرنا نشتري حتى دون أن نستهلك!

مثال واضح سيدركه القارئ بسهولة: الشركات الكبرى في مجال الهاتف المحمول - وفق إحصاء أخبرني به صديق - تنتج تصميما جديدا كل 8 ساعات في المعدل الكلي. ما الذي يميزكل تصميم عن الآخر؟ فقط الشكل الخارجي وبعض الخصائص. لكن استهلاك الناس لن يواكب هذه التصاميم ولا يحتاج كل هذه الخصائص، فما الذي يدفع الناس للشراء؟

الضغط الاجتماعي، والولع بالشكل والمباهاة، والإغراء الإعلاني الذي يلحّ عليك أن تشتري جهاز جوال لن تستخدم 80 % من خصائصه وتطبيقاته لأنك لا وقت لديك أن تتعلمها أصلا، لذا في الغالب نستخدم 20% فقط من قدرة الجهاز، والباقي... وهم دفعنا مقابله: فائض قيمة العمل... مدخرات أو فوائض نقدية.

وبين فائض القيمة وفائض القوة وفائض الوهم السياسي والاستهلاكي تدور رحى معركة العودة للإنسانية التي افتقدناها، إنسانية تمنح فائض القيمة توزيعا عادلا في قنوات الحياة الطيبة ودروب المجتمع المتكافل، وتمنح فائض القوة مصراف النصرة للمستضعفين وليس زيادة عدد المستكبرين، وتخترق دخان فائض الوهم الذي يملأ فراغات الفعل كي نتحرك لسد الاحتياجات الأساسية، السياسية والمجتمعية.

ومن الجدير بالذكر أن فلسفة الفائض في القرآن تتأسس على الفضل، فالفائض في الإسلام ليس نتاج استغلال بل هو فضل لله يؤتيه من يشاء ببركة في الرزق، يستتبعها فضل بين العباد تواصيا بالخير وقياما بالاستخلاف - فضل أمرنا الله به في كل معاملاتنا - من الديون، للطلاق، للتواصي بالإحسان والحضّ على توجيه الفائض للخير: إنفاقا مما جعلنا مستخلفين فيه من فضل مال ، أو نهوضا بما جعلنا مستأمنين عليه من فضل قوة، أو حضا على عدل أمرنا الله به ننفق في الأمر بمعروفه والنهي عن منكره فضل الوقت فلا يغدو وقت فراغ أبدا، أوصدقة هي حق الله في المال بعد الزكاة بإنفاق فائض المال على المحتاج تفكيرا بصيغة الجمع وزهدا في التباهي بثوب الشهرة وموبايل الشهرة وسيارة الشهرة وأثاث الشهرة، وعبورا لفجوة الوهم الاستهلاكي بتحري الإنفاق فيما نحتاج.. ويلزم.. ويُصلح.

الفوائض يقابلها فوارغ، أما الفضل فشكر للنعمة، ودوران مع المقاصد ودفع للمفاسد... ودرء للوهم، وقيام بالشهادة.

والله أعلم

إقرأ أيضا لـ "هبة رؤوف عزت"

العدد 2620 - السبت 07 نوفمبر 2009م الموافق 20 ذي القعدة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً