العدد 2680 - الأربعاء 06 يناير 2010م الموافق 20 محرم 1431هـ

إعادة تعريب الملف الفلسطيني

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها العواصم العربية المعنية مباشرة بالقضية الفلسطينية أرسلت إشارات بقرب نجاح مهمة استرداد الملف إلى مجاله الجغرافي الحيوي بعد أن تشتت أوراقه في أسواق مزايدات ايديولوجية ساهمت في انقسام السلطة وأعطت فرصة لـ «اسرائيل» للتهرب من التزاماتها الدولية.

اللقاءات الأخيرة التي حصلت بين القاهرة والرياض، الرياض ودمشق، القاهرة وعمان، الرياض وعمان. مضافا إليها جولة الرئيس الفلسطيني على بعض العواصم مترافقة مع زيارات قام بها مسئول «حماس» لتوضيح موقف الحركة من بعض الملابسات شكلت في مجموعها خطوات سياسية في الإطار الصحيح الذي يضمن إعادة تعريب القضية الفلسطينية وتخليصها من ايديولوجيات لفظية وخطابات كلامية.

إعادة الملف إلى مجاله العربي مسألة مهمة لأن نجاح الخطوة يساعد على وضع آليات توقف التدهور الذي عصف بأوراق القضية وبعثرها على زوايا غامضة ودوائر مجهولة. ومعركة الاسترداد التي بدأت خلال العدوان الأميركي - الإسرائيلي على قطاع غزة، جاءت ردا على الاتفاق الأمني الذي وقعته وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسبي ليفني مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في الأسبوع الأخير من نهاية عهد «تيار المحافظين الجدد» في واشنطن. فالاتفاق شكل اسوأ خطة أميركية - إسرائيلية لأنه حاول تدويل حدود غزة / مصر ووضعها تحت رقابة تستبعد منها القاهرة. والاتفاق أيضا اشتمل على نقاط سياسية تقوض الأمن العربي وتعرض استقرار مصر للاختراق والفوضى لأنه رسم دائرة جغرافية واسعة تعطي حرية لتل أبيب في التدخل تحت ذريعة ملاحقة خطوط تهريب الأسلحة.

الاتفاق الأمني الأميركي - الإسرائيلي استفز القاهرة ودفع القيادة السياسية للتحرك أوروبيا ودوليا لمنع تطبيق بنوده التي تزعزع سيادة مصر وتفتح قنوات دبلوماسية لعبور قوات دولية إلى سيناء تحت غطاء منع تسرب الصواريخ التي تهدد المستوطنات الإسرائيلية في جنوب فلسطين.

جاء الرد المصري آنذاك متلازما مع انعطافات دولية واقليمية. دوليا خرج الرئيس جورج بوش من البيت الأبيض حاملا معه مشروعه التقويضي الذي يعتمد استراتيجية الحروب الدائمة والضربات الاستباقية ودبلوماسية القوة وزعزعة الاستقرار ونشر «الفوضى البناءة» وتمزيق الدول إلى دويلات طوائف ومذاهب. إقليميا توترت العلاقات التركية - الإسرائيلية وتعطلت المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب.

ساهمت هذه المتغيرات الدولية والإقليمية في تمهيد الطريق باتجاه تنشيط الدبلوماسية العربية وتوحيد جهودها بهدف استرداد القضية الفلسطينية وإعادة تجميع أوراقها التي تبعثرت في اتجاهات ايديولوجية لا معنى لها في عالم بدأ يتحول نحو تدوير الزوايا الحادة سواء على مستوى التعامل الدولي أو على مستوى التوازن الإقليمي واحترام المصالح.


نصف الطريق

حتى الآن نجحت الدبلوماسية العربية في إنجاز نصف الطريق في سنة واحدة وهي تحتاج إلى نحو سنة أخرى لإعادة تعريب الملف الفلسطيني واسترداد أوراقه من دهاليز الغرف السرية.

القضية عانت الكثير من الكوارث السياسية خلال عهد بوش الذي صعد مع أرييل شارون إلى السلطة في فترة متقاربة وتوافق معه على تقويض حلم «الدولة القابلة للحياة» وتغييب ياسر عرفات عن المشهد الإقليمي.

تحالف بوش - شارون بدأ موضعيا قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حين قامت واشنطن بتغطية خطة إعادة احتلال الضفة والقطاع بذريعة مطاردة انتفاضة الاقصى. والتحالف الثنائي تطور استراتيجيا بعد أن أعلن بوش الحرب العالمية الثالثة ضد «الإرهاب الدولي» وأخذ بتصدير الجيوش إلى أفغانستان والعراق تحت يافطة تغيير خريطة «الشرق الأوسط الكبير».

في تلك الفترة دفعت فلسطين ثمن الانهيار لأن «اسرائيل» أعلنت تحالفها الإستراتيجي مع سياسة بوش الهجومية معتبرة أنها تشكل الوجه الآخر لحرب «اسرائيل» ضد الإرهاب ورئيس السلطة عرفات. وبسبب هذه الاستراتيجية تراجع الملف الفلسطيني وتساقطت أوراقه وتبعثرت وأخذت تتمزق إقليميا بعد أن شهدت المنطقة انكسارات في توازن القوة. فالحروب التي شنها بوش على أفغانستان (2001) والضفة (2002) والعراق (2003) ولبنان (2006) وغزة ( 2008-2009) أحدثت ثغرات في الأمن العربي وزعزعت الاستقرار الإقليمي وساهمت في إنتاج توازنات مصطنعة بدأت تهدد بتغيير خريطة المنطقة وهويتها.

المعركة الأخيرة التي خاضها بوش بالتحالف مع حكومة تل أبيب (أولمرت - ليفني) كانت في غزة وتصادفت مع خروجه من واشنطن ودخول باراك أوباما البيت الأبيض الذي بدأ أسبوعه الأول بكبح عجلات الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على المنطقة العربية - الإسلامية.

تعطل عجلات إستراتيجية بوش التقويضية مؤقتا في عهد أوباما أعطى تلك الفرصة للدول العربية المعنية مباشرة بالقضية الفلسطينية بأخذ وقتها الطبيعي لاسترداد الملف وتجميع أوراقه التي تناثرت دوليا وإقليميا. ولكن العملية تأخرت موضعيا لأسباب إسرائيلية وفلسطينية. فمن جانب «إسرائيل» فاز أقصى التطرف الصهيوني بالانتخابات وأعاد ترتيب أولوياته لمصلحة توسيع المستوطنات وبناء الوحدات السكنية ورفض التفاوض قبل الاعتراف بيهودية الدولة. ومن الجانب الفلسطيني تواصل الانقسام وأخذ يتطور باتجاه تكريس منطق السلطتين وعزل غزة عن الضفة ما ساهم في تعزيز الذريعة الإسرائيلية بعدم وجود مرجعية فلسطينية قادرة على التفاوض.

الآن وبعد مضي نحو سنة على خروج بوش ودخول أوباما ونهاية العدوان على غزة بدأت الدبلوماسية العربية تستعيد الأوراق الفلسطينية دوليا وإقليميا بقصد إعادة تعريب الملف ودفعه خطوات باتجاه توحيد السلطة (توقيع المصالحة في القاهرة) وترتيب جدول زمني لتفكيك العقد التي عطلت على أهالي القطاع إمكانات الخروج من دائرة الحصار السياسي.

إعادة تعريب الملف الفلسطيني لا بدّ أن تكون مهمة أساسية في برنامج أولويات الدول العربية وهي تتطلب المزيد من الجهود الدبلوماسية لردم الثغرات التي أحدثتها إستراتيجية بوش الهجومية من مطلع العام 2001 إلى مطلع العام 2009. وإنجاز المهمة يعتبر خطوة ضرورية وخصوصا أن الظروف الدولية معطوفة على التفاعلات الإقليمية بدأت تتجه نحو تعزيز الفرص السياسية للدول العربية باستعادة دورها الدبلوماسي في خريطة توازن القوة... وبعيدا عن ايديولوجية المزايدات البخارية والتهديدات اللفظية.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2680 - الأربعاء 06 يناير 2010م الموافق 20 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 3:04 ص

      لهاث جديد خلف سراب تحريك التفاوض_ ضيعانك يا وليد

      هل المقاومة هي "مزايدات ايديولوجية أعطت فرصة لإسرائيل للتهرب من التزاماتها الدولية" منذ متى إسرائيل لم تتهرب؟ وفي عهد من منذ احتلال في فلسطين حتى اليوم؟ وهل في كل مرّة كانت المقاومة أو ما تسميها "المزايدات البخارية"! هي وراء عدم التزام إسرائيل بالشرعية الدولية؟ إن ما يحصل ليس "تعريب" الملف الفلسطيني بل هو بكل بساطة لهاث جديد خلف سراب تحريك التفاوض بالشروط التي اختبرت وتسببت بإهدار الكثير من الزمن والتضحيات العربية والفلسطينية. ضيعانك يا وليد (بهية البيروتية)

    • زائر 3 | 1:04 ص

      stupid analsiys/justification

      You must be dreaming, arab deplomacy,arabization, getting back tje palastenian issue....they need one more year..
      They had the issue since 20/30 years ands still u have hope that these arab regimes are to sore it out with theier master the israleis and the americans, who are you trying to fool, you need this type of analasys to keep writting a daily article..there is only one way to get the issue back and that is ressitance ..the hezbollah way

    • زائر 2 | 12:28 ص

      ليس كما تظن (عبد علي عبا س البصري)

      هذه الزيارات ليست لاعاده الملف الفلسطيني للصف العربي ، فكما اعتقد ان هناك مهمه امريكيه اوربيه تحاك تحت الخفاء ، ستظهر علاماتهاالواضحه في الايام القلائل ، واول هذه العلامات طلب الينتاكون من السلطات اليمنيه التدخل لمحاربه القاعده ، في اليمن . يعني القضيه هي اليمن وليس فلسطين يا عرب؟ اعتقد بتقولون صدق البصري انتظرو انا معكم من المنتظرين.

    • زائر 1 | 11:37 م

      إعادة تعريب القضية!! حلوه دي

      إعادة تعريب القضية يكون بالتآمر العربي، وبالتخاذل، وببناء سور تحت الأرض لخنق ما تبقى من حياة وإخضاع الفلسطينيين.

اقرأ ايضاً