العدد 2681 - الخميس 07 يناير 2010م الموافق 21 محرم 1431هـ

تضارب الفلسفة مع العرفان

عن صلة ابن رشد بابن عربي (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

كتب الكثير عن صلة فيلسوف قرطبة القاضي ابن رشد بفيلسوف الصوفية محيي الدين بن عربي. فالباحث هنري كوربان اتخذ من تلك العلاقة قاعدة لتفسير منهجية ابن عربي ونجاح الأخير في نقل التصوف من حركة دراويش إلى نظام فلسفي لم تعرفه حركات الصوفية من قبله ولن تتجاوزه من بعده.

إلى أي حد يمكن قبول تلك القراءة وإلى أي مدى تأثر ابن عربي بابن رشد وهما على طرفي نقيض في الرؤية والسيرة الشخصية؟

هناك مجموعة إشارات توضح تلك العلاقة لكنها ليست كافية لإقامة صلة قوية بين الفيلسوفين في القراءة والمنهج. ومع قلة المعلومات عن الموضوع يمكن التقاط بعض الصلات من دون أن ترتقي إلى حد التطابق، نظرا إلى اختلاف ابن عربي الفكري عن فلسفة ابن رشد، فضلا عن اختلاف السن والفارق في الأعمار.

ابن رشد من جيل والد ابن عربي، وابن عربي من جيل أولاد ابن رشد. وهناك اختلاف الفترة الزمنية فابن رشد عاصر ولاية الأمير منصور وكان من كبار رجال بلاطه بينما عاصر ابن عربي نهاية فترة المنصور وولاية ابنه الناصر. وأشير إلى صلة محدودة بالأمير المنصور نفاها ابن عربي، في حين اشتغل أولاد ابن رشد في بلاط الناصر خصوصا محمد بن عبدالله بن رشد حين ورث عن والده الفيلسوف وظيفة طبيب الأمير.

مع ذلك يمكن رصد بعض الإشارات الواضحة وأحيانا غامضة وردت في كتابات ابن عربي أو ما نقل عنه من حكايات في الجيل الذي تأثر به وبالغ في نسبة الكرامات إلى أعماله وسيرته.

أول إشارة واضحة إلى تلك العلاقة، وتدل على إعجاب ابن عربي بابن رشد، وردت في وصف فيلسوف الصوفية لجنازة فيلسوف قرطبة. فالمعروف أن ابن رشد توفي في بلاط الأمير المنصور بعد أن رضي الأخير عنه واستدعاه إلى المغرب. فدفن في مراكش لمدة ثلاثة أشهر ثم نقل منها إلى مسقط رأسه قرطبة في العام 595 هـ (1199م)، ودفن في روضة آبائه. آنذاك كان ابن عربي في 35 من عمره، أي أنه تجاوز مرحلة تحصيله العلمي وتحول إلى علم من أعلام جيله. حضر ابن عربي جنازة نقل جثمان ابن رشد ووصف المشهد كالآتي «ولما جُعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. وقلنا في ذلك:

«هذا الإمام وهذه أعماله

ياليت شعري هل أتت آماله».

يصف ابن عربي ابن رشد بالإمام ويذكر مؤلفاته التي توازي وزن جثمانه، وهي على كثرتها لم تحقق آمال قاضي قرطبة وطموحاته.

لا يشي هذا الوصف المقتضب بأي موقف من ابن رشد وفلسفته فهو في معناه العام ملاحظة عابرة ومحايدة لا تكشف عن صلة فكرية سلبية أو إيجابية.

إلا أن ابن عربي يشير في كتاباته إلى فيلسوف من دون أن يذكر اسمه كان يتردد إلى منزل والده (أو عمه أو خاله) ويتحدث عن أفكاره وسجالاته ورفضه مقولات الصوفيين (العرفانية). ويُذكر أن عم ابن عربي (أبومحمد عبدالله بن محمد) كان من أقطاب الصوفية في عصره، وكذلك والده وخاله (أبومسلم الخولاني)، ومنهم أخذ أفكاره الأولى وتكونت ميوله الصوفية قبل أن يطورها وينضجها على يد أساتذته وأصحابه.

يتحدث ابن عربي في إشاراته الغامضة عن فيلسوف ينكر النبوة حضر مجلسا سنة 586 هـ (1190م) في قرطبة (كان ابن عربي في السادسة والعشرين من عمره) ونفى فيه ما جاء به الأنبياء من خرق العوائد. فالحقائق عنده لا تتبدل. فالنار هي نار كذلك الهواء والماء والتراب وغيرها من المعادن. ويبدو أن السجال تطور واحتد بين الفيلسوف المجهول (ويرجح أن يكون ابن رشد) وأتباع الصوفية بحضور ابن عربي حين تطرق الفيلسوف إلى قصة إلقاء النبي إبراهيم في النار ولم تحرقه. وكان رأي الفيلسوف، بحسب رواية ابن عربي، أن الحقائق لا تتبدل فالنار تحرق كل من يلمسها وبالتالي فإن القصة رمزية، وعملية الإلقاء معنوية وليست مادية لأن القصد منها تعليم الحكمة لا إبطال مفعول النار (الاحتراق).

كان النقاش يدور حول منقل جمر ضخم في فصل شتاء بارد في قرطبة. وكما يذكر ابن عربي احتد غضب أحد المتصوفة (لا يذكر اسمه ويرجح أن يكون خاله الذي يقال إنه كان من أصحاب الكرامات) وألقى منقل الجمر على ثياب الفيلسوف فارتبك الأخير وخاف من الاحتراق. لكنه تعجب أن الجمر لا يحرقه بل لمسه وأخذ يقلبه من دون آلام أو أوجاع. فتعجب الفيلسوف واعترف بعجزه عن تفسير الظاهرة لكنه لم يتراجع عن موقفه الفلسفي، ورفض قبول القول بأن النار مأمورة وهي تحرق بالأمر وتترك الإحراق بالأمر كذلك.


ابن بشكوال

على رغم غموض إشارات ابن عربي وإغفاله اسم الفيلسوف وأسماء من حضر الجلسة من حلقة التصوّف إلا أنها كافية لتوضيح موقفه السلبي من فلسفته التي تنكر كرامات الأنبياء والرسل وخرقهم للعوائد. ولا شك في أن لذلك الحادث (التجربة) أثراعميقا في توجهات الشاب ابن عربي الفكرية وسيرته الشخصية لاحقا حين أسس قواعد مختلفة لمنظوره الفلسفي.

غير هذا الحادث لا يشير ابن عربي إلى علاقة بابن رشد باستثناء تلك الصلات الكثيرة بينهما من خلال تردد قاضي قرطبة على منزل والده، أو عمه، وهي صلات جامدة تبقى في إطار صحبة بعيدة لا تؤكد تأثر الشاب بالشيخ القاضي وإن كشفت عن إعجاب بارد بجهود فيلسوف قرطبة ونشاطه الفكري وأعماله الكثيرة. فابن عربي من جيل غير جيله ومن زمن غير زمنه وبالتالي فإن العلاقة بينهما ليست علاقة الأستاذ بالتلميذ أو الفيلسوف بالمريد بقدر ما هي صلة اجتماعية جاءت بعيدا من طريق صحبة الأهل.

إلا أنه يمكن التلميح إلى صلة غير مباشرة لابد أنها تمت تربويا من طريق أستاذ فقيه عاش طويلا وتسنى له أن يعلم ابن رشد ويربي ابن عربي وهو الفقيه خلف بن عبدالملك المعروف بابن بشكوال.

عاش ابن بشكوال كثيرا، فهو من أصول عربية (أنصاري خزرجي) ولد في العام 494 هـ (1101م) وعاش في قرطبة وتوفي فيها في العام 578هـ (1182م).

توفي ابن بشكوال عن 84 سنة وكان من أشهر فقهاء عصره، فهو محدث ومؤرخ وشاعر وله تصانيف كثيرة، ويقال إنه ألف 50 كتابا أسندها إلى أكثر من 400 شيخ واشتهر بتأليف كتاب «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» و «معرفة العلماء الأفاضل». وبسبب ثقة جيله بعلومه حرص الكثير من الآباء على إرسال أولادهم لأخذ جزء من علومهم من الفقيه المؤرخ. ولا شك في أن الأستاذ الشيخ ترك تأثيره المتناقض على التلميذين بسبب اختلاف جيلهما. فابن رشد استمع إلى ابن بشكوال الشاب بينما استمع ابن عربي إلى ابن بشكوال الشيخ، وشكل الأخير أحد مصادره الفكرية. فالزمن تغير واختلف عصر التلميذين، كذلك لابد أن تكون أفكار ابن بشكوال تبدلت مع نضوج تجربته التربوية.

مع ذلك لا يمكن أن نعتبر هذه الصلة البعيدة تركت تأثيرها فهي تمت من خلال الأستاذ الشيخ في فترتين مختلفتين. فحين توفي ابن بشكوال كان ابن عربي في 18 من عمره قبل أن يكمل تحصيله العلمي وفي فترة مال فيها إلى المتصوفة بينما بلغ ابن رشد سن الـ 58 وبات قاضي قرطبة وأحد أعلام الأندلس.

عدم وجود صلات مباشرة أو صحبة شخصية لا ينفي تأثرهما المختلف بعصرهما بعد اختلاف الزمن وتبدل الأجواء الفكرية والسياسية. فابن رشد عاصر الأمير المنصور وتعامل معه وبلغت قرطبة في عهده أوجَها وعاش المسلمون في ظل انتصارات متتالية لأمير الموحدين ضد الفرنجة. بينما عاش ابن عربي في نهاية عصر المنصور وشهد مطلع الناصر الذي تراجعت في عهده مكانة قرطبة، وعاش المسلمون أسوأ فترات الهزائم. فالفارق الزمني بين المنصور (الأب) والناصر (الابن) ليس كبيرا لكنه كان كافيا لانقلاب موازين القوى وتبدل المناخات السياسية المحيطة بقرطبة وظهور الفرنجة وتهديدهم الوجود الإسلامي في بقايا ممالك الأندلس. ولا شك في أن تبدل الأحوال ساهم في تغير المقال وتبدل المقام. فالعصر يكشف عن أصول الأفكار ومراجعها. وصوفية ابن عربي ليست معزولة عن مكانه وزمانه وليست بعيدة عن المناخات الفكرية التي طغت على جيله المهدد بالاقتلاع أو الموت أو القبول بالأمر الواقع أو الخضوع للأقوى أو الاضطرار إلى النزوح أو الرحيل عن الأندلس. فابن عربي هو من جيل نمت في وسطه رغبة الهجرة إلى محيط آمن بدلا من الخنوع للمسيطر والسكوت عن شروطه ضد ما كان يعرف بظاهرة «المدجنين» وهي تلك الأقليات المسلمة التي غلَّبت الانتماء إلى المكان وفضلت البقاء لتضمحل بعد أجيال في تقاليد المجتمع الجديد وعاداته.

صوفية ابن عربي لم تأتِ من قراءة الكتب فقط بل التقطها من الأجواء المحيطة به، فهو يذكر في كتابه «روح القدس في محاسبة النفس» الموجه سنة 600 هـ (1203م) إلى عبدالعزيز المهدوي في تونس أسماء 71 صوفيا في عصره وهو أمر يشير إلى نمو الظاهرة (الزهد) وانتشارها في لحظات الخوف والقلق من المصير المغلق. وفلسفة ابن عربي لم تقتصر على مطالعة الكتب كما هو حال ابن رشد (تصنيف أعمال أرسطو وشرحها) بل كانت نتاج تجربة شخصية إلى تزاوج فريد من نوعه بين حركات التصوف وتيارات الفقه والفلسفة في الأندلس ومقاربتها من تيارات الفقه والفلسفة والتصوف في مصر والجزيرة العربية والعراق والأناضول وفارس والترك وبلاد الشام. فابن عربي، على خلاف كل من سبقه من علماء الأندلس، لم يأتِ بلاد المشرق لتحصيل علومه والعودة بها إلى بلاده بل خرج من الأندلس بعد تحصيل علومه وحملها معه إلى المشرق. فهو خرج ولم يعد لأن هدفه لم يكن تحصيل العلم بل البحث عن الحقيقة بعيدا عن خطر الفرنجة.

إن دراسة عصر ابن عربي تعطي فكرة أوضح عن سيرته الشخصية أكثر من قراءة كتبه. فأعمال ابن عربي غامضة ومتناقضة فيها الكثير من الإشارات والرموز والألغاز والأعداد وفيها مبالغة في التأويل الفلسفي - العرفاني، وهو اضطر مرارا إلى تأليف كتب لشرح معاني تفسيراته بعد أن لاحظ سوء الفهم والخلط الواقع بشأنها خصوصا عندما تعرض إلى نقد شديد في زمنه من العلماء وفقهاء السلف، فاتهمه بعضهم بالزندقة والإلحاد وبعضهم نسب إليه القول بإنكار مراتب الوجود والسقوط في مقولات الاتحادية والحلولية.

قراءة نصوص ابن عربي لا تكشف عن معاني أفكاره الغارقة في التفصيلات كما هو حال موسوعته «الفتوحات المكية»، بينما دراسة عصره تخرج كتبه البالغة الدقة في مفرداتها والمتناقضة في تأويلاتها من مبنى النص إلى معنى العالم المحسوس وتعقيداته الواقعية.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2681 - الخميس 07 يناير 2010م الموافق 21 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً