العدد 2696 - الجمعة 22 يناير 2010م الموافق 07 صفر 1431هـ

الفزاعة الإقليمية... حاجة أميركية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

في نهاية الشهر الجاري يفترض أن تنتهي المهلة الزمنية التي أعطتها إيران لدول مجلس الأمن الدائمة العضوية زائد ألمانيا بشأن ملفها النووي. وجاءت المهلة الإيرانية ردا على مهلة زمنية أعطتها الولايات المتحدة وانتهى مفعولها في الشهر الماضي.

بين مهلة ومهلة تبدو الأمور متجهة نحو التصعيد ولا تعرف النهاية التي سيصل إليها الملف النووي حتى تنجلي تلك الاتصالات والمفاوضات القائمة بعيدا عن الاضواء وفي الغرف السياسية.

القرارات الدولية التي صدرت في عهد إدارة جورج بوش بين يوليو/ تموز 2006 وسبتمبر/ أيلول 2008 أكدت في مجموعها على حق الدول في إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية، وذكرت بأن المعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي حذرت فقط من إنتاج أسلحة تستخدم لأغراض حربية، وأشارت مرارا إلى وجوب اتباع أسلوب التفاوض للتوصل إلى حل يرضي كل الأطراف ولا يمنع الاستمرار في بناء مفاعلات لإنتاج الطاقة السلمية.

زوايا المسألة واضحة من كل جوانبها. فهناك أولا حق الدول في إنتاج الطاقة النووية لأغراض سليمة، وثانيا هناك تحذير نصت عليه معاهدة دولية تمنع استغلال موضوع الطاقة وتطويره باتجاه عسكري، وثالثا لابد من التفاوض لبناء الثقة والتفاهم بشأن خفايا المشروع حتى لا يتطور خارج الإطار السلمي.

المسألة إذا واضحة فلماذا كل هذا الضجيج على موضوع يفترض أنه استوفى كل شروطه من بحث وتقصي ودراسة ورقابة وغيرها من خطوات وقرارات دولية يعتقد أنها كافية للتحذير ورسم خطوط خريطة الطريق. فالقرارات 1696 و1737 و1747 و1803 و1835 واضحة في نصوصها وفقراتها وملاحظاتها وملحقاتها ومرافقها وهي من كثرتها باتت تتطلب الاختصار وإعادة النظر لأن الكثير من نقاطها تخطاها الزمن وفقدت بفعل تآكل الوقت وظيفتها الذاتية أو الموضعية.

كل القرارات تؤكد حق الدول في إنشاء مفاعلات نووية للأغراض السلمية. وإيران تشير إلى هذا الحق المشروع وتؤكد أن مشروعها لا يتجاوز الأغراض السلمية. لماذا إذا كل هذا الصراخ المضجر سواء من جانب إيران أو جانب الولايات المتحدة؟

إذا كانت إيران تمارس هذا الحق وأميركا تعترف رسميا ودوليا بهذا الحق، لماذا إذا كل هذا الضجيج الفارغ من كل المبررات. هل مقصود تخويف المنطقة وجرجرة دولها نحو سياسات أو توقيع عقود عسكرية للتسلح خوفا من تهديدات فزاعة نووية وهمية؟ وهل يقصد من تلك البعبعة والجعجعة تبرير الانتشار العسكري وتغطية قانونية للقواعد الجوية وإعطاء شرعية لموازنات الدفاع الأميركية التي فاقت التصورات لإقناع دافع الضرائب في الولايات المتحدة بضرورتها الأمنية؟

كل هذه الاحتمالات واردة وهي تقع ضمن لعبة الدول التي تحاول دائما اختلاق الذرائع والمبالغة بالمخاطر لتخويف الشعوب ودافع الضرائب حتى يتسنى لها تمرير موازنات وصفقات ونفقات تتجاوز أرقامها يوميا مليارات الدولارات.


ثلاث نقاط

بهذا المعنى تعتبر إيران حاجة أميركية تلبي وظيفة مؤقتة وهي تتصل مباشرة لا بقوتها النووية (الوهمية والمفترضة) وإنما برغبة واشنطن في توسيع استثماراتها في قطاع مؤسسات التصنيع الحربي وتأمين الأسواق لتصريف المنتوجات والبضاعة.

هذه الحاجة الأميركية حتى تكون مقبولة ومشروعة وغير متوهمة أو مختلقة تتطلب من الجانب المقابل ان يقدم الذرائع حتى تستخدم سياسيا لتبرير استراتيجية الولايات المتحدة وهي تتلخص حتى الآن في ثلاث نقاط:

الأولى أمن النفط (الآبار، خطوط الأنابيب، الممرات المائية والبرية، المصافي والتكرير، إعادة التصدير، وتأمين عقود للتنقيب والحفر).

الثانية أمن «اسرائيل» وضمان تفوقها العسكري على المحيط وتأمين وسائط تتكفل بعدم تعرضها للتهديد القريب والبعيد وذلك من خلال تمييزها عن غيرها من الدول والشعوب وإعطاء تل أبيب حق التصرف كما تشاء وبما يلبي مصالحها ويضمن مخاوفها المبالغ عادة في صحتها.

الثالثة الاحتفاظ بمواقع قدم في منطقة استراتيجية وحيوية وغنية في العالم. وضمان الوجود الأميركي في المنطقة الجغرافية على الخط الفاصل بين أوروبا وآسيا (أوراسيا) يحتاج إلى ذرائع للتبرير، وفوضى دائمة تعطي فرصة للتدخل العسكري عند الحاجة وتمنع توظيف الفائض المالي في مشروعات تنموية وتشجع على تهريبها أو وضعها في حسابات مصرفية جامدة في دول الغرب.

هذه الأبعاد الثلاثة تعطي ذاك الغطاء الشرعي للوجود الأميركي في المنطقة. فالفوضى من ضمن تلك الشروط، والفزاعات الإقليمية ضرورية لأنها تقدم المبرر الإخلاقي لتوقيع صفقات التسلح، وتقاطع المصالح يوفر فرصة الاستثمار من جانب وجذب الأموال من جانب لأنه يفتح الباب أمام الشركات المدنية للدخول في إطار الشراكة الاقتصادية مع شركات النفط ومؤسسات التصنيع الحربي.

البعد الثالث للصورة الاقليمية يوضح كثيرا بعض تلك الزوايا التي لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن جوانبها الخفية. فما يحصل حتى الآن يمكن وضعه في إطار الصراخ الممل الذي يعلو وينخفض بحسب ما تقتضيه لعبة الدول وما تشترطه من ذرائع للتغطية على الوقائع الميدانية. وإيران في هذا الإطار الثلاثي ليست بعيدة عن مقولة حاجة أميركا إلى فزاعة إقليمية تستخدمها أو توظفها في سياقات أخرى. كذلك الولايات المتحدة بحاجة إلى الفوضى الدائمة (التخويف من مخاطر تنظيم القاعدة) التي تهدد المنطقة وخطوط التجارة الدولية (قراصنة الصومال مثلا) والمطارات والموانئ الأوروبية والأميركية. فهذه الفوضى لها وظيفتها الاقتصادية - العسكرية لأنها تفتح الباب أمام مجالات الاستثمار الحربي وتطوير أجهزة الرصد وتحسين منظومات الاقمار الاصطناعية للمراقبة والتنصت والتدخل في الشئون الخاصة وكشف الحسابات المصرفية السرية أو وضع كاميرات تكشف «عورات البشر» عند الدخول أو الخروج من المطارات.

المسألة إذا في أبعادها الثلاثية تتجاوز في منطقها المصلحي ووظائفها المباشرة وضروراتها «الايديولوجية» كل تلك المهل الزمنية التي تتبادلها طهران مع الدول الست (5 زائد 1) للتغطية على حاجات ميدانية تتطلب دائما العذر الشرعي (الفزاعة) والفوضى الدائمة والمتنقلة من لبنان والصومال وفلسطين والسودان إلى العراق وأفغانستان... وأخيرا اليمن وإيران.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2696 - الجمعة 22 يناير 2010م الموافق 07 صفر 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 9:49 م

      تحليل سطحي

      اسمح لي استاذ ان اقول لك انك لا زلت من الرعيل الاول من الكتاب الذين لا زالوا على ما هم عليه في النظر للامور بالشكل التقليدي في العلاقات الولية ولعبة الصراع رغم النقلة الهائلة التي قامت بها امريكا على مستوى التفكير الاستراتيجي خصوصا في منطقة الشرق الاوسط وانت لا زالت تفكر بفكرة الفزاعة

اقرأ ايضاً