العدد 281 - الجمعة 13 يونيو 2003م الموافق 12 ربيع الثاني 1424هـ

الصحافة والقانون: «صبري يا حريقة سار»

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

لعل المثل البحريني القديم «صبري يا حريقة سار حتى يأتيك ماء الحنينية» ينطبق على وضع الصحافة البحرينية في هذه الفترة. فأهل البحرين القدامى تحدثوا عن هذه المشكلة وضربوا مثلا بحريق يحدث في سار، ولكن يمتنع الجميع من إطفاء الحريق على أساس انه هناك من سيأتي بماء من «عين الحنينية» البعيدة لإطفائه. وحتى يصل ذلك الماء بالوسيلة القديمة (ربما عبر استخدام الحمير لنقل الماء) فإن الحريق أتى على كل شيء.

وهذا هو وضعنا مع قانون الصحافة والنشر الذي صدر قبل يومين من إجراء الانتخابات النيابية في اكتوبر / تشرين الاول الماضي والذي بسببه حدثت المشكلات منذ مطلع هذا العام. فلقد كان الأمل أن «الحريق» الذي اشتعل بإصدار هذا القانون تم إطفاؤه مؤقتا بعد اجتماع سمو رئيس الوزراء مع رؤساء تحرير الصحف في نوفمبر / تشرين الثاني، ولكن الواقع أثبت عكس ذلك.

الرد الرسمي الذي صرح به مسئولو وزارة الإعلام وغيرهم بأن هذه هي دولة القانون وأن حكم القانون يتم تنفيذه لأننا دولة مؤسسات... الخ، كلام جميل، ولكنه يفتقد الروح. فهو خال من المعنى الحقيقي لحكم القانون. وفي تراثنا أن الرسول (ص) مرّ ذات يوم بمنزل مملوء بالأنوار ولكنه خال من الأصوات ومن حركة الناس بداخله فقال لمن معه «ما أظلمه» من منزل. ومر ذات يوم بمنزل من دون أنوار ولكن أصوات الأطفال الذين يلعبون بداخله مسموعة، فقال «ما أنوره» من منزل. وقانون الصحافة قانون، ولكن من دون روح؛ لأنه لا يلتزم بروح العدالة ولا يلتزم بضوابط النهج الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك وعبرت عنه لجنة فرعية منبثقة من لجنة تفعيل الميثاق برئاسة سمو ولي العهد.

وعندما نطرح هذا الحديث يكون الرد جاهزا: اذهبوا إلى البرلمان وحاولوا تغييره. وبمعنى آخر «صبري يا حريقة سار حتى يأتيك الماء من الحنينية». فحتى يأتي اليوم (وهو بعيد جدا) الذي يتعدل فيه القانون فلربما قضي على كل شيء تحت عنوان تطبيق حكم القانون. وفيما لو طرح القانون المعدل (إذا طرح وهو أمر مستبعد أن يحدث في وقت قريب) فإن المداولات والتعديلات من المتوقع أنها تخالف روح الإصلاح وتناقض الوعود التي أطلقتها القيادة السياسية في كل محفل وأمام القاصي والداني.

القانون لابد أن يكون نابعا من إرادة عامة وملتزما بضوابط أساسية لا يمكن الاعتداء عليها لكي يصبح قانونا بالمعنى المتداول في عالم اليوم. وإلا فإنه يصبح قانونا على نهج غير إنساني. فالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الذي كان يصدر قوانين «بوشم الهاربين من الجيش» و«بقطع أطراف» من أجسادهم، و«بقتل» من ينتمي لهذا الحزب أو ذاك وقتل أهله ومصادرة أمواله... الخ، كان ايضا يعتبر تطبيق تلك القوانين تطبيقا لحكم القانون... ولكنه قانون من؟ وضوابط من؟ «الجميع سواسية أمام القانون»، ولكن قد يعني هذا قطع آذان الناس جميعهم لأن القانون يقول ذلك!

الجميع سواسية أمام القانون العادل النابع من إرادة عامة والملتزم بضوابط حقوق الإنسان التي أقرتها الشرائع السماوية والأرضية واتفقت على الحد الأدنى منها...

الجميع سواسية أمام القانون الذي يهتم برعاية مصالح المجتمع بحسب ما يقرره ممثلو ذلك المجتمع.

الجميع سواسية أمام القانون الذي لا يوجد اختلاف عليه ولا يوجد توجيه من سمو رئيس الوزراء بتعديله ولا توجد لجنة فرعية برئاسة سمو ولي العهد أصدرت مبادئ لقانون يتفق مع روح الإصلاح.

وبدلا من أن يغني كل واحد على ليلاه فإننا مطالبون أن نلتزم بروح الإصلاح وبروح القوانين العادلة وبروح المواطنة التي يجب أن تسمو على التفاصيل. فالله سبحانه وتعالى سخر الدنيا كلها من أجل الإنسان، ولا يجوز لأحد أن يقلب هذه الموازين الإلهية، بحيث يجعل الإنسان تحت نقمة قوانين لا تحترم حقوقه الأساسية. فالأرض وما عليها والسماء وما حوت كلها لخدمة الإنسان وليس لاخضاعه إلى مادة قانونية من دون روح.

التحدي الأكبر المطروح أمامنا ليس خفيا، بحيث يتحدى المسئول المواطن أو يتحدى المواطن المسئول على أساس هذا التفصيل أو ذاك. وانما التحدي هو أن نسمو على هذه التفاصيل ونعدلها لخدمة البحرين وأهل البحرين وليس لمعاقبة أهل البحرين الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل إصلاح الأوضاع والتقدم إلى الأمام.

إننا مع مشروع الإصلاح الذي دشنه جلالة الملك واننا واثقون من نية القيادة السياسية وهي نقل البحرين إلى مستوى حضاري بعيد عن منطق استخدم في الماضي ولم يخدم أحدا بخير... فهل نحن (مسئولين ومواطنين) أهل لهذا التحدي؟

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 281 - الجمعة 13 يونيو 2003م الموافق 12 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً