العدد 2994 - الثلثاء 16 نوفمبر 2010م الموافق 10 ذي الحجة 1431هـ

السلطة الفلسطينية... والوصاية الدولية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

حتى الآن لا نعرف تفصيلات العرض الذي قدمه المبعوث الأميركي ديفيد هيل للجانب الفلسطيني بشأن معاودة التفاوض المباشر مع حكومة الثنائي نتنياهو - ليبرمان. فالتفصيلات المتوقع ظهورها قريباً تبدو منحازة كالعادة إلى الجانب الإسرائيلي سواء على مستوى تجميد الاستيطان أو على مستوى شروط التجميد وفترته الزمنية. وأدى الانحياز الأميركي إلى تحفظ فلسطيني على الصفقة، ورفض مصري لما أشيع عن الخطة، ومطالبة أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى إلى الذهاب إلى مجلس الأمن لمناقشة موضوع الاستيطان والحماية الدولية.

التحفظ الفلسطيني المدعوم عربياً تركز على ثلاث نقاط: الأولى فترة التجميد الجزئي التي لا تتعدى الأشهر الثلاثة، الثانية اقتصار التجميد على الضفة الغربية واستثناء القدس من الموضوع، الثالثة اتفاق الحماية الأمنية بذريعة أن «إسرائيل» معرضة للخطر الأمر الذي سيضع السلطة الفلسطينية في موقع الطرف الأضعف في المعادلة بسبب اضطراره للقبول بالأمر الواقع حين تنتهي مدة التجميد (90 يوماً فقط).

الجانب الإسرائيلي أيضاً ظهرت عليه بوادر الانقسام الحزبي في الحكومة بين فريق يستعجل الموافقة على الصفقة الأميركية وكسب الحوافز الأمنية مقابل تنازلات شكلية تلعب على عامل الوقت وبين فريق يرفض وقف إنشاء المستوطنات وتوسيعها أفقياً وعمودياً إلى فترة زمنية لأنه يرى التوطين مسألة شرعية لا تتعارض مع المفاوضات.

الطرف الأميركي الذي يمر في مرحلة تخبط انتقالية يبدو في حال سباق مع الوقت الضائع. فهو من جانب يطمح إلى تسجيل اختراق شكلي قبل أن يتسلم الحزب الجمهوري مهمات الكونغرس (مجلس النواب) في مطلع السنة الميلادية المقبلة، ومن جانب آخر تبدو الإدارة الأميركية غير قادرة على إقناع حكومة تل أبيب بتقديم تنازلات معقولة ترضي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

عامل الوقت يلعب دوره في الضغط على واشنطن، لأن الفترة المقبلة ستشهد متغيرات سترفع من نسبة الصعوبات التي يواجهها الرئيس باراك أوباما في تعامله مع الكونغرس ما سيؤدي إلى تعطيل نشاطه والحدّ من طموحه في تذليل العقبات والقفز فوق الحواجز.

مسألة الوقت الضائع تبدو مهمة ولكنها ليست كافية لتبرير تلك الصفقة الأمنية والمساعدات العسكرية والضمانات اللوجستية التي وعد اوباما بتقديمها مقابل خطوات شكلية لا قيمة لها في دفع عملية التفاوض إلى الأمام. فالجانب الفلسطيني يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الاحتلال وهو على إطلاع واسع وأعمق على خطة الاستيطان لكون المشروع يقوم على أرضه وأمام مرأى السكان وأهالي القدس والضفة. كذلك الجانب الفلسطيني يمتلك معرفة بأسلوب التحايل الإسرائيلي وتلاعبه بالألفاظ وتهربه من الاستحقاقات والوعود.

مسألة الوقت تأتي لمصلحة الجانب الإسرائيلي، لأن الطرف الأميركي سيكون بعد ثلاثة أشهر في موقع لا يسمح لأوباما في تجديد تجميد الاستيطان، كذلك سيضطر الطرف الفلسطيني إلى التعامل مع انتهاء الفترة كأمر واقع باعتبار أن واشنطن قدمت التزامات أمنية مع وعد بعدم المطالبة بتجديد التجميد الجزئي.

حكومة تل أبيب هي الطرف المستفيد من عامل الوقت لأنها تراهن على قيادة الحزب الجمهوري للكونغرس في مطلع السنة المقبلة ما يعطيها مساحة للمناورة تسمح بتوسيع هامش التهرب من كل الوعود بعد انتهاء فترة الأشهر الثلاثة. كذلك فإن حكومة الثنائي تكون قد كسبت الوقت مقابل تنازلات شكلية من جهة وضمانات أمنية استراتيجية من جهة أخرى.


حلقة مقفلة

إنها في النهاية حلقة مقفلة. أميركا لا تستطيع التخلي عن حليفها التقليدي وحماية أمنه. و«إسرائيل» ترفض الانصياع للقرارات الدولية وتصر على خطة تغيير المعالم الجغرافية والتاريخية وتعديل خريطة الطريق السكانية. والسلطة الفلسطينية محكومة بالأمر الواقع بانتظار أن تتوافر لديها البدائل القادرة على الحدّ من نمو الاستيطان واستعادة الوحدة الوطنية.

الفرصة تبدو ضائعة في الوقت الضائع حتى لو نجحت إدارة أوباما خلال الأشهر الثلاثة المقبلة انتزاع حق ترسيم الحدود الذي تطالب السلطة الفلسطينية به للتعرف على مساحة الدولة الجغرافية ومناطق الأطماع التوسعية والأراضي التي يجب مبادلتها. فالترسيم الذي أخذت الإدارة الأميركية به لايزال فكرة غير واضحة لأن الجانب الإسرائيلي ينظر إلى الحدود من موقع المحتل ويضع مجموعة شروط قبل الدخول بتفصيلاته بينما الجانب الفلسطيني يستعجل التفاهم على خطة ترسيم الحدود لأنها تشكل ورقة مهمة في إطار التفاوض وطموح السلطة لتأسيس دولة قابلة للحياة.

الوقت يعمل لمصلحة «إسرائيل» في مسألة التفاوض غير المباشر أو المباشر لأن إدارة واشنطن تبدو غير قادرة على احتواء حكومة تل أبيب ويرجح أن تكون أكثر ضعفاً بعد ثلاثة أشهر. كذلك تبدو السلطة الفلسطينية محاصرة من زاوية الاحتلال وعدم وجود بدائل فاعلة وفورية (انتفاضة مدنية مثلاً) للرد على الزحف الاستيطاني سوى الذهاب إلى مجلس الأمن باعتباره يمثل تلك المظلة الدولية الموازية للقناة الأميركية.

هل يمكن أن يلعب مجلس الأمن (أو الأمم المتحدة) الدور المطلوب لوقف تمدد الاحتلال في حال قرر الجانب الفلسطيني الذهاب إليه طالباً الحماية من سياسة التغول الإسرائيلية؟ الجواب السريع يرجح النفي لأن مجلس الأمن عجز تقليدياً في الضغط على الحكومات الإسرائيلية السابقة في تنفيذ قرارات صدرت عنه خلال نصف قرن وبالتالي فإنه لن يستطيع أن يقدم الكثير في خطة الوصاية الدولية.

فكرة الحماية (الوصاية) ونشر قوات دولية متعددة الجنسية وقوات مراقبة للحدود والاختراقات طرحها وطالب بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مراراً وقوبلت بالصد الأميركي والرفض الإسرائيلي لأنها تشكل محاولة سياسية جزئية تمنع الاحتلال من التمادي في التوسع الاستيطاني وتساعد على تحصين المدن والقرى من الاعتداءات وقد تعطي فرصة لبناء قواعد تنهض عليها مستقبلاً الدولة المستقلة ذات السيادة.

العودة إلى عهد الوصاية الدولية تظهر الآن وكأنها ورقة بديلة لمشروع الصفقة الأميركية - الإسرائيلية وما تضمنته من تعهدات تستأنف الاستيطان بعد 90 يوماً وتعطي فرصة استنسابية تمهد الطريق لابتلاع القدس والضغط على السلطة للاعتراف بهوية «إسرائيل» الصافية دينياً.

مشروع الوصاية (الحماية الدولية) الذي جددت رام الله طرحه يلقى كما يبدو شبه موافقة عربية ترى في الخطوة محاولة للنجاة من خطة تطويق يرسم الاحتلال معالمها التاريخية والجغرافية بغطاء أميركي أخذ يتطور وينتقل من دائرة المساعدات المالية والعسكرية واللوجستية والدبلوماسية إلى دائرة الاتفاق الأمني الذي يجعل من «إسرائيل» ولاية لا تستطيع الهجوم من دون ضوء أخضر من واشنطن ولكنها تعطي صلاحية للولايات المتحدة بالدفاع آلياً في حال تعرضت لهجوم مفترض.

الاتفاق الأمني الأميركي - الإسرائيلي الذي يرجح أن يوقع في حال تم التوافق على ترسيم الحدود الفلسطينية ينقل العلاقة الثنائية التقليدية إلى طور الاندماج في الوظيفتين الهجومية والدفاعية ولكنه أيضاً يعطي المبرر للسلطة الفلسطينية أن تنشط عربياً للمساعدة في انتزاع مطلب الحماية الدولية في حال تعذرت البدائل الأخرى. إلا أن المشكلة كانت في الضعف الدولي وعدم قدرته على الاستجابة وتلبية الحد الأدنى من الحقوق والمطالب الفلسطينية، كذلك في الرفض الإسرائيلي لفكرة الحماية والانحياز الأميركي لشروط ذلك الرفض.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2994 - الثلثاء 16 نوفمبر 2010م الموافق 10 ذي الحجة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً