العدد 301 - الخميس 03 يوليو 2003م الموافق 03 جمادى الأولى 1424هـ

حُسن النية والتوازن مطلوبان لإنجاح التجارب

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

البعض يكرر مقولات تبدو صحيحة، وربما تكون صحيحة جزئيا، ولكنها خطيرة فيما لو أطلقت بصورة شمولية ودائمة. ومن تلك المقولات ما يردده البعض عندما ترتفع المطالب بشأن الحريات العامة والديمقراطية. ويكون الجواب: لا نستطيع أن نكون مثل غيرنا، فأولئك (ويطرحون مثال بريطانيا أو فرنسا أو أية دولة أخرى) أخذت مسيرتهم نحو ما تطلبونه مئات السنين... فكيف تودون الحصول على ما تطلبونه في فترة وجيزة؟

هذا الحديث يحمل جزءا بسيطا من الصحة، ولكنه ليس عقلانيا. فلو ارادت شركة ما تصنيع سيارة في بلد من بلداننا فهل يمكن أن نقول لها: اذهبي أولا واصنعي السيارة التي بدأ بها الأوروبيون والأميركان واستخدمي تلك التكنولوجيا البسيطة ومن ثم إذا تطورت بعد مئة سنة حاولي صناعة سيارة حديثة...

إذا كان لا يمكن القول بذلك بشأن صناعة سيارة فالحديث عن الشئون العامة للإنسان أهم بكثير من صناعة هذا المنتج أو ذاك. فالمسألة لها جانب مهم وهو جانب «الخبرة الإنسانية». فالخبرة الإنسانية تراكمية وجميع الأمم مرت بخبرات معينة ثم تلاقحت أفكارها وممارساتها مع تجارب أمم أخرى وتطورات إلى الأعلى.

الخبرة الإنسانية في مجال الاجتماع والسياسة والاقتصاد أصبحت عالمية في كثير من جوانبها، وما اتفقت عليه الإنسانية يعتبر ناموسا ومعيارا يلزمنا الأخذ به كمنطلق لتطوير مجتمعاتنا.

فلو أخذنا موضوع البرلمان والحكومة والقضاء والصحافة وغيرها، فإن هذه المؤسسات تطورت بعد أن تواصلت الإنسانية مع بعضها بعضا. وعلى رغم أن لكل بلد خصوصياته الثقافية، فإن الجوانب العالمية (غير الخصوصية) تأخذ مجراها بصورة أولية. وفعلا إن البلدان مهما كانت، أخذت بأسلوب التنظيم الحديث لأجهزة الدولة. فكل دولة مهما كانت متخلفة فكريا تراها تستلزم وجوب أفضل وسائل القوة والمخابرات، بما في ذلك حكومة طالبان الأفغانية قبل اسقاطها من قبل الغزو الأميركي لبلادها. فالطالبان كانوا يستخدمون أفضل الأسلحة المتطورة لديهم وأفضل وسائل الاتصال، ولم يعترضوا على ذلك ولم يقولوا إنه يجب عليهم استخدام البغال والخيول والحمير والسهام والرماح لأن تلك المفردات هي التي وردت في تراثنا القديم...

غير أن طالبان التي لم تحرم أجهزتها الحكومية من وسائل القوة الحديثة حرمت الشعب الأفغاني من الوسائل الأخرى التي تعطي قوة للمجتمع، فلا يجوز الحديث عن حقوق وبرلمان في وجود الأمير والواجب الشرعي... الخ.

هذا النهج في التفكير ليس حكرا على الطالبان، بل ان أكثرية الدول التي تعترض على تمكين شعبها من الوسائل الحديثة (برلمان، صحافة حرة، حقوق سياسية متكاملة... الخ) تتحدث عن الحاجة إلى سنوات (عشرات أو مئات السنين) من التدرج قبل أن تصل إلى المستوى المطلوب. الحكومة التي تقول مثل هذا الحديث لا تبخل على نفسها بأحدث وسائل السلطة التنفيذية وتنظيماتها ولا تتردد في الدخول في تجارب كثيرة حتى تنجح في الوصول إلى مبتغاها... والسلطة التنفيذية تجرب وتجرب وتخطئ وتخطئ ثم تتعلم من تجاربها وأخطائها وتصبح قادرة على العمل من خلال الوسائل الحديثة...

في الجانب الآخر فإن وسائل العصر الحديث التي يستقوي بها المجتمع يتم اضعافها أو منعها من الأساس. المطالبات الشعبية بضرورة فسح المجال لتجريب الوسائل الحديثة هي المطالبات الحكومية نفسها التي تمارس دورها بوسائل عصرية، وأي تبرير يطرح لمنع قوى المجتمع من التمتع بما هو متوافر في عالم اليوم من وسائل مشاركة في القرار والمراقبة والشفافية... الخ ينبغي أن يعمم على الدولة أيضا، بحيث تتوقف الدولة عن اعتماد الوسائل المتطورة...

على أننا أيضا مقتنعون بأن ولوج التجارب الحديثة كالعمل البرلماني والحقوقي والنقابي والصحافي يحتاج إلى انتقال تدرجي ولكن ليس بطيئا أو معوقا. الهدف هو الحصول على كامل الحقوق الدستورية والحقوقية ولكن هذا يتطلب منا أن ندخل التجربة الواحدة تلو الأخرى بهدف التحسين إلى الأفضل. وهذا ينبغي أن يكون مقبولا من جميع الأطراف، سواء كانت حكومية أو شعبية.

على أن ممارسة التجارب بحاجة إلى عوامل مساعدة لابد أن تتوافر وأهمها عامل حسن النية وعامل التوازن. فلابد أن نبدأ من مكان مشترك نحسن نياتنا فيه، وإلا تحول الوضع إلى عداء مستميت، وحتى لو توافرت الفرصة فإن الشك في النوايا يقضي على كل شيء. فكثير من مشكلاتنا الحالية لها علاقة بعدم الثقة في النوايا. فهناك من القوى الشعبية من يشكك في النوايا الرسمية، بينما هناك الأطراف الرسمية التي تتشكك في نوايا هذه الفئة أو تلك. وعلى هذا الأساس فإننا نقف عقبة أمام الدخول في تجربة ما قد تنجح وقد تفشل فإن فشلت دخلنا في تجربة أخرى حتى تنجح، تماما كما هو الحال مع القضايا الأخرى...

الجانب الآخر الذي يلزم توافره هو عامل التوازن. فكل مجتمع وكل منطقة لديها مشكلاتها وجوانبها المختلفة وكل هذه بحاجة إلى التوازن. والمجتمعات الناجحة هي التي استطاعت خلق التوازن الداخلي والتوازن مع المحيط الخارجي بها مع عدم التفريط بالحقوق الأساسية...

فالمجتمع البلجيكي لديه قسمان أحدهما يتحدث الفرنسية والآخر يتحدث لغة قريبة من الهولندية واتفق الجميع على نظام متوازن بينهما. وكذلك الحال مع سويسرا التي تتكون من أربعة شعوب مختلفة تتحدث الألمانية والفرنسية والإيطالية ولغة رابعة خاصة بأهل الجبال... وكذلك مع كل الدول الأخرى التي تفهم كيف توازن بين المصالح المختلفة بصورة طوعية وأكثر عدالة... وعلى أساس هذا التوازن يتم تأسيس عمل دستوري يجمع الأطراف المختلفة...

ما نحن بحاجة اليه هو الدخول في تجارب غير مغلقة، وأن نفسح المجال - ولو قليلا - لحسن النية وأن نسعى إلى التوازن، وبذلك نلحق بالعصر الحديث ولا نتخلف كما هو حال المتخلفين

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 301 - الخميس 03 يوليو 2003م الموافق 03 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً