العدد 3106 - الثلثاء 08 مارس 2011م الموافق 03 ربيع الثاني 1432هـ

طاولة الحوار بين «الفاتح» و«الدوار» (2-3)

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

إذا نزعنا الأثواب جميعها عن أجساد أطراف الحوار، فسنكتشف أن العنصر الأساسي الذي يدفع كل منها نحو التصعيد، دون الإفصاح عن ذلك، هو «انعدام الثقة»، حيث يسيطر على تاريخ العلاقات بين السلطة والمعارضة في البحرين سجل حافل بانعدام الثقة، مصدره الأساسي هو السلطة.

لو عدنا إلى العام 1956، وفيما كانت المحاورات جارية بين هيئة الاتحاد الوطني، ومستشار حكومة البحرين تشارلس بلغريف، فسوف نفاجأ، أنه في خضم تلك الحوارات التي كانت تطمح إلى ترتيب البيت السياسي البحريني من الداخل، وبينما كان المتحاورون قاب قوسين أو أدنى من الاتفاق، انقضّت السلطة، دون أي مبرر أو مقدمات، على «هيئة الاتحاد الوطني»، وكان ما كان من إبعاد البعض من قادتها، وإيداع آخرين سجن جزيرة «جِدَة»، ومطاردة المئات الآخرين، ممن استقبلتهم المنافي.

زرعت تلك الهجمة ضد «الهيئة»، شكلاً جديداً من أشكال انعدام الثقة، وعززت الأشكال الأخرى التي كانت قد زرعتها انتفاضة الثلاثينيات من القرن الماضي.

تكرر المشهد، وإن كان بأداء مختلف في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، عندما «افترست» السلطة المجلس الوطني المنتخب، وأتبعته بسن قانون أمن الدولة، وما رافق ذلك من زجّ البحرين في حالة شبيهة بتلك التي تخلقها حالات قوانين الطوارئ.

مرة أخرى وجدت الحركة الوطنية البحرينية نفسها، مجبرة، على أن تدفع ثمناً باهظاً جراء ثقتها في وعود النظام. فقد كان الثمن شهيدين، وقافلة من المعتقلين، وعشرات المنفيين. وقررت السلطة منفردة، تسيير البلاد تحت مواد ذلك القانون، لما يقارب من ربع قرن من الزمان، تخلله الكثير من الانفجارات الدورية، والاحتجاجات المتكررة، التي كانت تقابل بسياسات العنف من قبل السلطة، ما كان له الأثر الأكبر في تعميق انعدام الثقة بين الطرفين: المعارضة والسلطة. يمكننا هنا الاستعانة بمحاولات المعارضة السلمية، والتي من أبرزها «العريضة الوطنية»، التي لم تتورع السلطة عن معاقبة موقعيها، وفي وسعنا، أيضاً، استرجاع ما تعرضت له عناصر «العريضة النسائية» من تهديد وابتزاز، ما أرغم بعض تلك العناصر على التراجع عما ورد في تلك الوثيقة.

ثم جاءت مرحلة «ميثاق العمل الوطني» التي شكلت بارقة أمل استقبلتها المعارضة بالكثير من الإيجابية، فعاد المنفيون، وتشكلت الجمعيات، ومعها بدأت محاولات النظام، من خلال بعض عناصره التي مسّت برامج الميثاق مصالحها، وهددت آفاقه نفوذها، فكشرت تلك العناصر عن أنيابها وسارعت للانقضاض على ما هذا المشروع الإصلاحي المتطور، تارة بمحاولة زجّ المعارضة السياسية في متاهات تفسير ما جاء به الميثاق، فبتنا نسمع، ونقرأ اجتهادات التمييز بين «الاشتغال بالسياسة» و «الانشغال بها»، وتارة أخرى بتحريض أجهزة الدولة على من تسول لهم أنفسهم تأسيس أحزاب سياسية تشارك في وضع اللبنات الأولى لمجتمع «المملكة الدستورية» الذي بشر له الميثاق ذاته. ولم تكن تلك سوى البداية، حيث تم الاستعانة بالخبراء الذين انكبوا على صياغة «التقارير»، التي كانت في جوهرها، تنزع صمامات الثقة والأمان، بين المعارضة والسلطة، وتستبدلها بفتيل إشعال عناصر الشقاق، طائفية تلك العناصر أم سياسية.

وكرست ممارسات السلطة خلال السنوات العشر الماضية كل ما من شأنه تعزيز عدم الثقة التي نتحدث عنها، بدلاً من تشجيع مساعي بنائها بين الطرفين.

وفي سياق الحديث عن انعدام الثقة بين الطرفين، فوجئ الجميع، معارضة وسلطة، بهبوب رياح التغيير على البلاد العربية، فكانت البداية في تونس، ثم تبعتها مصر، فالبحرين، ومعها جميعاً الأردن واليمن، وأخيراً وليس آخر ليبيا. وتماماً كما تحولت مطالب الإصلاح في تونس، ومصر من مجرد إجراءات تحديث النظام، في كلا البلدين، إلى إصرار على إسقاط رموزه الأساسية، وإرغامها على التخلي عن السلطة، كذلك كان الأمر في البحرين، التي تصاعدت الأمور فيها لتتحول من مجرد دعوة للمشاركة في مسيرات سلمية ترفع مطالب إصلاحية، وشعارات أخرى تعضدها، إلى اعتصامات تمردية، تستند إلى مطالب تمس جوهر النظام، وتطال رموزه الأساسية.

مرة أخرى، وبدلاً من مبادرة السلطة، ومعالجتها للمسألة بشكل متحضر وجدنا، بعض أجنحتها المتخفية تحت أردية تمويهية، ترسل قواتها إلى المتجمعين في «دوار اللؤلؤ»، وتفتك بهم، في عملية عسكرية، لم تحقق سوى إعادة زرع عدم الثقة، لكنها هذه المرة لم تكن في تلك العناصر المتخفية، وإنما كانت في النظام برمته، الذي بات تغييره مطروحاً على بساط البحث، كما تعبر عن ذلك طروحات الجسم الرئيسي من المعارضة وشعاراتها.

وليس انعدام الثقة، سوى العنصر الرئيسي الذي عضدته عوامل أخرى، لعل أهمها عنصر المفاجأة، وعلى المستويين النوعي والكمي. لكن هذه المرة، كان التأثير ثنائياً، فشمل طرفي المعادلة: السلطة والمعارضة، على حد سواء.

فعلى المستوى النوعي، جاءت انتفاضة «دوار اللؤلؤة» مباغتة للجميع، لأشكالها المختلفة عن تلك التي عهدتها المعارضة أو السلطة، ما أربك حركة الاثنتين، وأرغمتهما على إعادة النظر في طرق وأساليب التعامل معها.

لقد وجدت بعض قيادات المعارضة نفسها مجبرة على الانصياع لتعليمات الشارع، بدلاً من قيادتها له. وأدى ذلك، فيما أدى له، إلى فرض أشكال جديدة من علاقات التعامل، ليس بين المعارضة والسلطة فحسب، وإنما بين الأجنحة المختلفة في كل منها على حدة.

يفسر كل ذلك ظواهر جديدة عرفها الشارع البحريني، مثل دعوات السلطة للحوار، الذي كشف عدم انعقاد جلساته رغم مضي ما يربو على أسبوعين على إطلاق الدعوة له، الكثير من مظاهر الارتباك الذي يعاني منه النظام. مقابل ذلك، أظهرت الانشقاقات، وأحياناً التباينات في البرامج السياسية الآنية المبنية على ما فرضته انتفاضة «دوار اللؤلؤة» من مقاييس، داخل المؤسسة المعارضة جوانب كثيرة من عدم قدرة المعارضة على التعاطي مع هذا الشكل من المجابهة.

أما على المستوى الكمي، فهذه المرة الأولى، منذ الإجهاز على «هيئة الاتحاد الوطني» الذي يواجه الطرفان: السلطة والمعارضة هذا الكم من الجماهير التي تخرج للتعبير عن سخطها على النظام والرغبة في إجراء تغييرات جوهرية في هياكله.

كشف الحشد الجماهيري العفوي، وخاصة في دوار اللؤلؤة وفي مسجد الفاتح، عن تعثر خطوات النظام وارتباكها، حيث تراوحت بين البطش الوحشي، والقتل المباغت في بعض المراحل، وإبداء المرونة والدعوة لحوارات عاقلة في مراحل أخرى.

وبالمقابل، لم تكن المعارضة بأحسن حال من النظام، حيث وجدناها هي الأخرى تتأرجح بين محاولة الرد على طروحات النظام في جانب، وتحاول أن تلعق جراحها وتضمد جراح «المناوشات» الطائفية التي بدأت تهاجم جسدها من جانب آخر

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 3106 - الثلثاء 08 مارس 2011م الموافق 03 ربيع الثاني 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 17 | 12:18 م

      ياريت

      اتعلم اخي الفاضل ان الخلافات الطائفية دخلت بين الازواج و الابناء فقد برزت تلك الظواهر المريضة تنهش في جسد الاسرة الواحدة ! فرأفا بنا يا قيادات الطرفين وامسكوا العصى من النصف و تحاورا و قدموا التنازلات و بالله عليكم كونوا بقدر المسئولية الملقاة على عاتقكم . ارحمونا يرحمكم الله

    • زائر 16 | 10:37 ص

      غصن زيتون السلام

      ايها الكاتب العبقري لماذا لاتاتي الدوار حيث ان كتاباتك المؤرخة الهمتنا وهذا الالهام جاء من هذه الحقائق المؤثقة وجميعا تقر بان القمعية هي من تنكس العهود والمواثيق وتعبث فسادا فمن هذا هذه المرة الذي سيثق وشكرا جزيل على هذه الحقائق

    • زائر 15 | 9:23 ص

      التحاور

      كيف يمكننا ان نتعرف على الر اي الاخر ؟ لماذا لا نعرف من سيلقي المحاضرات في الدوار لنتمكن من التواجد هناك و محاورة الشخصيات الوطنية بشكل مباشر ؟

    • زائر 14 | 9:19 ص

      الحرية

      هل نعرف معناها الحقيقي ؟ اهو حرية التعبير ام هو احترام رأي الغير؟؟

    • زائر 12 | 7:51 ص

      هل من مزيد؟؟

      إستاذي العزيز نود قراءة المزيد من التأريخ الذي كنت عاصرته ومن هم الشخصيات التي قتلت ذكرها بالأسماء وليس بالإشارة كذلك المنفيين واللذين تم إحتوائهم في داخل السلطة
      جميل هذا القلم فاليكتب للحرية

    • زائر 11 | 7:14 ص

      أنا لا أدري من أين يأتون بهذه الأفكار

      أنا شيعي بحراني ومعي الكثير ممن أعرفهم على شاكلتي لم يتكلموا بالمرّة عن ولاية الفقيه ولا قط مرة تحدثنا عن هذا الأمر بس ما أدري من وين يجيبوا هالكلام سبحان الله في ناس بس تحب تلوك كلام ما أدري من وين تجيبه.
      مثل تلك الإذاعة التي وضعت صور السيد حسن والخامنائي وغيرهم في المسيرات وأنا من المشاركين في كل المسيرات في هذه الحركة ولم أرى قط صورة غير أعلام البحرين
      فلماذا هذا الكذب وعلى من تكذبون
      هذا يضرّ بمصداقية القنوات وأصحاب المواقع والمسجات الكاذبة

    • زائر 10 | 6:06 ص

      فانى و الميت !

      ذهب تشالس بلغرايف و اتى اين اندرسون ... ما سوينه شىء . و العقل القديم و النهج الأستعمارى باق. و لكن الى متى ؟

    • زائر 9 | 5:24 ص

      ابو ملاك

      رائع مقالك وفي الصميم وواقعي جدان اتمنى من يساوي بين الضحية والجلاد ومن يكتب من دون الاطلاع على الواقع ان يقرا المقال.

    • زائر 8 | 5:17 ص

      زمن ولاة الأمر او ولاية الفقية اذا موجودة

      مع انه الشيخ علي سلمان اسقط ولاية الفقية في البحرين امام الملأ وفي الصحافة . ولامانع المحمود دعا شيخكم للدوار ولم تأتي استجابة

    • زائر 7 | 4:27 ص

      زمن الشعوب

      اعتقد ان الزمن زمن الشعوب ولا غير الشعوب لحل الزمة .

    • زائر 4 | 1:11 ص

      من يعلق الجرس

      اخي الفاضل الى اين؟ ما هو الطريق الذي يسير فيه ابناء هذا الوطن ؟ ترى على من تقع مسؤولية ضمان استقراره و امنه !! هل هذه باتت اسئلة لا احد يملك اجاباتها !
      لقد تحولت الساحات من مدينة حمد الى السيتين الى ساحات معارك بين ابناءنا
      والله ان القلب ليبكِ و العين لتدمع

اقرأ ايضاً