العدد 3114 - الأربعاء 16 مارس 2011م الموافق 11 ربيع الثاني 1432هـ

كي تستقيم الأمور (1 - 2)

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

هلل البعض خطأ، وسيطر هلع على البعض الآخر، وهو مخطئ أيضا، بعد دخول قوات "درع الجزيرة"، وإثر الاجتياح السريع لمجموعة مختارة من القوات المسلحة والأمن لـ "دوار اللؤلؤة"، ونجاحها في إخلائه من المحتجين فيه. ودخلت البحرين في نفق الأحكام العرفية التي بدأت طلائع ممارساتها في إعلان حظر التجول في مناطق معينة من البحرين، وخلال ساعات محددة كل يوم. صورة البحرين اليوم قد اعوجت، ولابد من إعادة تركيبها كي تستقيم الأمور، وتعود الحياة إلى مجاريها الطبيعية، وتخرج البلاد من النفق الذي أدخلتها فيه قوى التطرف في الجانبين: المعارضة والسلطة التنفيذية. هناك نظرتان تحاول كل واحدة منهما إرغامنا على رؤية البحرين من خلال عدساتهما: الأولى تلك التي تعتبر محصلة ما جرى بعد مضي ما يربو على شهر من انتفاضة 14 فبراير/ شباط 2011 هو انتصار للقوى التي نادت تلك الانتفاضة بتغييرها والحد من سلوكها التسلطي غير الديمقراطي. هذه النظرة المنتشية لا تكف عن التصفيق لما تعتبره نصرا ساحقا نالته بفضل تضافر جهود محلية وإقليمية وبمباركة دولية. الثانية، هي التي تضع المعارضة في قفص الاتهام و لا تكف عن كيل اللوم المطلق لها، وتحملها وحدها مسئولية كل ما جرى، بما في ذلك تضييعها فرصة الحوار الذي تقدم به سمو ولي العهد. قبل معالجة خطأ النظرتين الخاطئتين لابد من التأكيد على الحقائق التالية: 1. إن المفهوم السياسي المعاصر للهزيمة والنصر يشمل نتائج الصراع بين قوتين متنافرتين متعاديتين، لا تضمهما حدود دولة واحدة، ولا تحتضنهما أراضي وطن واحد. أما عندما يندلع الاقتتال بين أبناء ذلك الوطن، ليس هناك نصر لطرف على طرف آخر، إذ تشمل الهزيمة والنصر الطرفين. من هنا ينبغي أن نقيم النتائج التي ستنتهي لها معارك "دوار اللؤلؤة"، إن جاز لنا استخدام هذا الوصف، في ضوء المصالح المشتركة للطرفين، والتي هي في نهاية المطاف، مصلحة البحرين. من هنا سنعتبر ما آلت إليه الأمور نصرا، إذا ما شاهدنا بعض التطورات باتجاه المزيد من الإصلاحات، والعكس صحيح، ستنتهي الأمور إلى هزيمة، في حال الانكفاء عن الإصلاحات، والتراجع عنها، بما فيها تلك التي جاء بها المشروع الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك، والذي دعا إليه سمو ولي العهد. 2. وضع المعارضة برمتها في سلة واحدة، دون التمييز بين خطوطها المختلفة، المتصلب الطائفي المتشدد منها، وذلك الوطني العقلاني. فانقلاب موازين القوى الحالي، لصالح الجناح المتشدد في السلطة، والذي وفر لها الجناح المتشدد في المعارضة الفرصة كي يمرر مشروعه الأمني، بدلا من اللجوء إلى الحل السياسي، كما كان يطمح له الجناحان المعتدلان في السلطة والمعارضة على حد سواء، هو الذي أوصل البحرين إلى ما وصلت إليه بعد دخول القوات الخليجية إلى البحرين. وأسوأ ما في مثل هذا التقييم المسطح، هو توجيه اللوم للمعارضة، وتوجيه السهام إلى نحورها من جانب، وتبرئة ذمة الجناح المتشدد في صفوف السلطة من جهة ثانية. 3. خطأ القبول بوصول الأمور إلى خسارة مطلقة ألحقت بالمعارضة، و مكسب كاسح للجناح المتشدد في السلطة. مما لاشك فيه أن موازين القوى قد انقلبت اليوم، ولم تعد، كما كانت في صالح الجناحين المعتدلين في صفوف المعارضة والسلطة على حد سواء. فالسيادة اليوم هي لمنطق التشدد والتطرف. لكن ذلك لا يعني القبول بمنطقه، والانصياع لشروطه. لابد من رؤية الأمور من منظار أكثر ديناميكية، تسمح برؤية بعض المنافذ، مهما كانت ضيقة، وسط الجدار الذي يحاول أن يصد محاولات الخروج من الأزمة القائمة اليوم في البحرين. 4. خطورة إنتشاء صقور السلطة، وسقوطها في وهم قدرتها المطلقة على فرض شروطها على الجميع، واعتبار الساحة السياسية ملعباً تملكه وحدها، ومن ثم لا يحق لأحد سواها وضع قوانين كيفية اللعب فوق تلك الساحة. ربما يبيح لها انقلاب موازين القوى لصالحها أن تفرض بعض شروطها التي قد تجد المعارضة نفسها مرغمة على اللجوء إلى بعض المرونة لتحاشي أضرارها، واكتساب قدرة الالتفاف عليها. لكن مثل تلك العلاقة غير المتوازنة، لابد وأن تكون ذات أفق محدود، وفترتها الزمنية لابد وأن تكون أيضاً قصيرة بالمعيار التاريخي. 5. المأزق الذي يمكن أن تضع المعارضة نفسها فيه، فيما لو وافقت على منطق صقور السلطة التنفيذية، وانصاعت لشروطها، واعتبارها المخارج الوحيدة المتاحة. مثل هذه النظرة الدونية - سياسياً - ستحصر المعارضة في إطار ضيق يعيق حركتها وحد من قدرتها على المناورة. كما أنه من الطبيعي، أنه من الخطأ أيضاً الاعتماد على المكابرة السياسية، والاعتداد غير المبرر بالذات، والوقوع فريسة سهلة لشعارات رفعت في ظروف مختلفة، وفي ظل موازين قوى أخرى. تأسيساً على هذه الحقائق، وفي ضوء هذه المنطلقات، وكي تستقيم الأمور، تبرز علامة استفهام كبيرة تستفسر: كيف بوسع البحرين، ممثلة في أجنحتها الوسطية، غير المتشددة، أن تلتقي حول برنامج عمل وطني جديد يخرج البلاد من أزمتها، ويضع البحرين على الطريق الذي نبحث عنه جميعاً، من أجل التأسيس للتقدم نحو مجتمع المملكة الدستورية، الذي سيكف أيدي الصقور في الطرفين: السلطة والمعارضة، ويفتح المجالات الواسعة أمام القوى الوسطية في صفوفها؟

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 3114 - الأربعاء 16 مارس 2011م الموافق 11 ربيع الثاني 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً