العدد 3385 - الثلثاء 13 ديسمبر 2011م الموافق 18 محرم 1433هـ

يوم حقوق الإنسان يوم للضمير العالمي

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

قالوا اليوم العالمي لحقوق الإنسان: «يوم للضمير العالمي»، بينما يبدو هذا الأمر خلاف ذلك، فمع بروز الازدواجية كظاهرة هزلية فاقعة لا يمكن اليوم لمن له قلب وإيمان وضمير أن يغض النظر عن هذه الظاهرة. كيف؟ ولماذا؟ حتماً لأمور وقضايا شائكة تتعلق بانتهاك حقوق لا يمكن الاستخفاف بها بتصريح هنا وإصدار بيان هناك.

فالذكرى الـ «63» للإعلان العالمي لحقوق الإنسان تمر مظلمة على البلاد والعباد، بعد سقوط القتلى وكم الانتهاكات التي ارتكبت وتشكلت إثرها «لجنة تقصي الحقائق» وما أنتجته من تقرير وتوصيات. هذا اليوم يمر بعد فتح السجون أمام «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» للالتقاء مع المعتقلين وفحص وضعهم ومعاينة أماكن الاحتجاز وإجراءاتها، يمر بعد تشكل «اللجنة الوطنية» لتنفيذ توصيات «تقرير بسيوني»، ويمر بعد زيارة يقوم بها وفد المفوضية السامية لحقوق الإنسان «13 - 16 ديسمبر/ كانون الأول 2011» وزيارة أخرى لموفد رسمي حقوقي من الخارجية الأميركية «14 - 15 ديسمبر» لمواصلة الحوارات المتعلقة بحقوق الإنسان، فما الذي يجرى يا ترى؟ وما دلالاته؟


الأزمة السياسية ماثلة

يحدث ذلك ولا ينفي حقيقة استمرار رد فعل الجانب الرسمي أمنياً تجاه الاحتجاجات في الشارع بعد صدور «تقرير بسيوني». ومن وجهة نظر المعارضة لا ينم عن توجه إصلاحي يستفيد مما تضمنه التقرير، بل إن النفي لغرض زيارة وفد «المفوضية» وهو «التحقيق» في الانتهاكات والتجاوزات والتأكيد أن «الزيارة فقط بهدف الاطلاع والتعاون الفني والمساعدة الحقوقية لتنفيذ توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق»، لن يغير من الحقيقة الماثلة وموازين قوى الصراع السياسي قيد أنملة.

وسواءً تم الاعتراف بوجود أزمة سياسية عويصة عالقة وانتهاكات وتجاوزات ربما يكون الناكرون لها أنفسهم مشاركين فيها، «فتقرير بسيوني» وحال «اللجنة الوطنية» لتنفيذ التوصيات، قد أدخلا البلاد في منعطف تاريخي، ولاسيما وهما - أي التقرير واللجنة - لايزالان موضع سجال، تارة بسبب مواقف وتفسيرات متضاربة لما تضمنه التقرير وطريقة شروحه، أو لإسقاطه كماً هائلاً مما وصل إليه من انتهاكات في بعض المجالات، كذلك لجهة عدم تحديده مرتكبي التجاوزات، الأدهى من هذا وذاك، تضارب شروحات أعضاء «لجنة التقصي» أنفسهم حين يتحدث بعضهم إلى وسائل الإعلام بارتباك واضح، وغالباً ما تتسم بعض تفسيراتهم وإجاباتهم بالتحيز استناداً لجهة «المحاور الإعلامي» معهم، وأكبر دلالة على ذلك ما أفادت به عضو لجنة التقصي المحامية بدرية العوضي حين نسفت بعض الحقائق الجوهرية التي ساهمت هي بالتقصي عنها وتحريرها وتثبيتها في متن التقرير ثم أنكرتها في تفسيرات مباشرة ومضمرة مثيرة للجدل لإحدى الفضائيات الخليجية.

وحتى الآن ثمة تباينات فاقعة بشأن تركيبة «اللجنة الوطنية» ومهماتها التي تغيب عنها المعارضة بصفتها التمثيلية قسراً، فضلاً عن أولوياتها المتعلقة بعودة الموقوفين والمفصولين إلى أعمالهم دون وضع آلية وسقف زمني لذلك، وإعادة بناء ما هدم من دور العبادة، في حين لم تنبس ببنت شفة بعد بشأن إطلاق سراح المعتقلين ومعاقبة من ارتكبوا جرائم القتل والانتهاكات الفظيعة الواردة في «تقرير بسيوني». ما يزيد الطين بلة، حالة الاستنفار المفتعلة عند بعض الاتجاهات الموتورة ونزولها للشارع بشعارات وأفعال تتعدى فيها على الأمن والسلم الأهلي وتفتعل فتنا طائفية بالتعدي على حرية ممارسة المعتقد الديني وحرية التعبير عن الرأي في الندوات والمهرجانات وورش العمل إلى جانب غض الطرف عن ممارسة القذف المتعمد والممنهج إعلامياً بقصد وبعيداً عن أعين الرقيب القانوني والحسيب البرلماني.


ضياع في زمن الربيع العربي

أضف لذلك رؤية مأزومة لم تدرك بعد ما تريد في زمن الربيع العربي، خائفة مربكة تعاني من اغتراب وضعف وعدم ثقة بالنفس تدفعها لرؤية الاحتجاجات السلمية تآمرا خارجيا عليها، فتندفع للتعبير عن أسفها لانتهاك حقوق الإنسان، إلا أنها لم تستطع حتى اللحظة ملامسة جوهر ما حدث حولها من انتهاكات أقر بها «تقرير بسيوني»، فحال المكابرة والتجاهل والإنكار يدفعها لمساواة أفعال المنتهك للحقوق والمنتهكة حقوقه، فترى في بعض الأفراد والجماعات أو من ينتمون لجمعيات سياسية وجماعات فكرية معروفة بأنها ارتكبت انتهاكات في حقوق الإنسان وفي حق بعض مكونات الشعب وبشكل إجرامي بشع، لذا فهي لا تخجل بل تصر على تكرار ثيمة التزامها بمفاهيم حقوق الإنسان والقيم النبيلة على الورق، بيد أنها متيقنة أن الشاكين من الانتهاكات ما هم إلا جماعة تمارس وتستخدم أساليب التهويل والمبالغات والفبركات والأكاذيب والتلفيقات وتضع نفسها - أي تلك الجماعة - بحسب الرؤية المأزومة، أداة بيد الدول للضغط وممارسة الابتزاز، ولهذا فهي تدين انتهاكات الأجهزة الحكومية المثبتة بالتقرير فقط وتطالب بضمان عدم تكرارها دون تحديد كيفية وقف الانتهاكات المتواصلة سوى عبر مشاركتها في «اللجنة الوطنية» المختلف عليها أصلاً. هنا الشجاعة تخون والضمير ينام ويصحو فقط مطالباً بحماية ثوار سورية واليمن والأحواز... إلخ من الانتهاكات وما عداهم فلا؟!.


ومعارضة في خضم ربيعها العربي

أما خلاصة قوى المعارضة في خضم الربيع العربي، فجاءت قبل أيام من زيارة «المفوضية السامية لحقوق الإنسان» لتبعث برسائل كثيرة تؤكد إصرارها على مواقفها ومطالبها في إطار «وثيقة المنامة»، وانها ماضية بسلمية في تحركاتها وعقد ورش العمل وفتح مناقشات جدية وقانونية حول «تقرير بسيوني» والتركيز على مرحلة ما بعده، وهي تجد وتجتهد لتفنيد ما يكال إليها من اتهامات، وتقديم رؤيا ومواقف مسئولة بعد أن لاحظت خللاً واضحاً في ربط التقرير بين بعض وقائع حدثت ونتائج توصل إليها، ومنه جددت طلبها مجتمعة لوجود «لجنة دولية محايدة» لتنفيذ ومتابعة توصيات التقرير، ولاسيما مع افتقاد الجدية لإيجاد حلول جذرية للمأزق السياسي والخلل القضائي إلى جانب اعتماد تقريرها الموازي كمرجعية، فضلاً عن ضرورة التحشيد للانتقال إلى العدالة الانتقالية، وقبلها بالطبع المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب لمرتكبي التجاوزات بل وتحديد من ارتكبها في سياق التزام الدولة باحترام المواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها. لعل هذا يحفظ ماء الوجه، لعله يجعل البلد - عن جد - عروس اليوم العالمي في صون حقوق الإنسان البحريني وكرامته ولقمة عيشه ومعيشته بأمان

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 3385 - الثلثاء 13 ديسمبر 2011م الموافق 18 محرم 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً