العدد 348 - الثلثاء 19 أغسطس 2003م الموافق 20 جمادى الآخرة 1424هـ

عبقريّة زوجي

منيرة العليوات comments [at] alwasatnews.com

كم أدهشتني عبقرية زوجي وإحساسه المفرط بما يدور بيني وبين نفسي من أحاسيس محبّة أو كره، استلطاف أو تذمّر قد يكون منه أو من الآخرين. فأنا أعتذر إليه عن الذهاب إلى زيارة ما بمرض أو تكاسل، إلخ... إنه يعرف تماما أنني خططت لهذا الرفض أو المشاركة مع فلانة أو علانة وأنني أكره أهله على رغم تظاهري بالعلاقة الطيبة معهم... فكرت كثيرا كيف يستطيع زوجي ترجمة كل ما بداخلي من أحاسيس من دون أن ينظر إليّ... ربما لديه جهاز سحري يكشف له الحقائق... مرات كثيرة أتحدث إلى أمي وأتفق معها على أمر ما. وما إن أنتهز ساعات الهدوء والصفاء لأناقشه في الأمر حتى يفاجئني على الفور بما دار بيني وبين الوالدة. فكرت في الأمر إلى أن رسا تفكيري على الخادمة... انها خادمتي الطيبة والمطيعة جدا والتي تحبني لأبعد الحدود وتخدمني بصدق وإخلاص وتعرف عني كل كبيرة وصغيرة هي المخبر السري . ساءت علاقتي بها حتى اضطررت إلى تسفيرها على رغم حاجتي الملحة إليها فقط لأسدل الستار على معاناتي وشكوكي وأرتاح من خداعها ونفاقها. لم يعترض زوجي وواصل المخبر عمله وبقيت أخباري تصب في أذنيه باستمرار وكأنه بلازمني كالظل...

المهم ذات يوم طلب زوجي التحدث إليّ في هدوء بعد أن تمكن مني الشك والقلق في كل من حولي، وما يمكنني أن أعمل لكني تلقيت صدمة قوية خيبت كل آمالي؟... إنها ابنتي المراهقة... ابنتي التي ترافقني في كل مكان وتشاركني في كل جلسة وحديث هي المخبر السري لوالدها، وأدركت حينها أنني أخطأت كثيرا في تعاملي معها إذ سجنتها بين قضبان عواطفي وفرضت عليها مجالس لا تناسبها وأحاديث لا تروق لها بعيدة عن مشاعرها وتطلعاتها وإدراكها، وحرمتها متعة الطفولة والصبا وحكمت عليها بالعيش في مثل سني وهي مازالت طفلة... فما كان منها إلا أن عبرت عن معاناتها ورفضها بهذه الطريقة الانتقامية معلنة تمردها على من يغتال مشاعرها وإنسانيتها...

سيدتي الأم، إن تصرف ابنتك دليل واضح على عدم التوافق والانسجام بينك وبينها وهو ما دفعها إلى التمرد على عواطفك والأساليب التربوية الخاطئة التي تمارسينها معها بسجنها ومراقبتها بين خوف وشك... إنها تمر بمرحلة حرجة تتقاذفها مشاعر الحزن والكآبة والرغبة في التمرد والتغيير وعليك تفهم ذلك والتقرب منها وعدم معاتبتها، فهناك أكثر من وسيلة لتقويمها وتوجيهها كأن تكون عواطفك مقترنة بالحزم والوعي بتغيرات هذه الفترة، فطفلة الأمس كبرت ولا يروق لها الجلوس مع صديقاتك ولا تستمتع بأحاديثكن، إنها تعلن رغبتها في صداقات تروق لها وتناسب سنها ويجب عليك عدم إهمالها والانشغال عنها بالصديقات، بل أشعريها بحبك لها وخوفك عليها ولكن بوعي وإيجابية، فأنت قدوتها يا سيدتي ومرجعيتها في جميع شئونها وخصوصياتها.

وهي تمر بهذه المرحلة الحرجة شجعيها على الصراحة والمكاشفة في معظم الأمور، كوني قريبة منها، تعرفي على صديقاتها، بادليها الرأي والمشورة، زوّديها بالخبرات التي تعدها للمستقبل، ولكن عليك منحها قدرا ولو بسيطا من الحرية المنظمة، وتناقشي معها بودّ وأمومة صادقة، وحاولي إقناعها بأسلوب منطقي بلصواب وأين يكمن الخطر، وقبل هذا وذاك أشركيها معك في الأعمال المنزلية حتى لا تشعر بالفراغ، أما تصرفها العدواني - على حد تعبيرك - فمن حسن الحظ أنها لجأت إلى والدها دون غيره، وقد لا تحسن الاختيار وتصاب بالإحباط والاكتئاب نتيجة الحرمان العاطفي وربما يجرفها التيار وتنحدر إلى هاوية الانحراف، ثم ماذا بعد؟ على الدنيا السلام

العدد 348 - الثلثاء 19 أغسطس 2003م الموافق 20 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً