العدد 3852 - الأحد 24 مارس 2013م الموافق 12 جمادى الأولى 1434هـ

الأزمة السياسية إلى أين تأخذ السفينة؟

عباس المغني abbas.almughanni [at] alwasatnews.com

الحياة لعبة عقلية، قواعدها تصورات في العقل، مثلاً الدولة تطبع نقوداً دنانير، هذه الدنانير في الحقيقة ورق وبالعامية «قراطيس»، وقيمتها في التصور العقلي للإنسان مع وجود حاكمية تجعل الإنسان يقبلها، فإذا طبعت الحكومة دنانير فإنها تكون مقبولةً وتستطيع أن تشتري بها في السوق، لأن لها حاكمية يرعاها المصرف المركزي باستخدام قوة القانون، بينما لو قام شخص بطباعة مليون دينار فإنها غير مقبولة ولا تستطيع بها شراء علبة دخان، لأنه لا توجد لها حاكمية تجعل الناس تقبل بها. مع أنه لا فرق مادياً بين الدينار الذي طبعته الحكومة والمليون الذي طبعه الشخص، كلاهما ورق أو «قراطيس».

مثال آخر، قطعة أرض مساحتها 500 متر مربع، سعرها 50 ألف دينار، بمجرد تحويل تصنيفها إلى تجاري يصبح سعرها 100 ألف دينار، وبمجرد تحويل تصنيفها إلى استثمارية لبناء 100 طابق، يصبح سعرها مليون دينار.

الأرض هي الأرض ومساحتها هي هي، هل من المعقول أن جرة قلم، حبر على ورقة رسمية من وزارة البلديات ترفع سعر الأرض من 50 ألف دينار إلى مليون دينار؟ المضحك أن كلفة الورقة والحبر لا تتعدى 15 فلساً.

قيمة الأرض لا وجود مادياً لها، وإنما هي منظومة تصورات في العقل البشري، وضعت لها قوانين ذهنية تحكم السلوك البشري للامتثال لها، ضمن اللعبة الكبرى للحياة الإنسانية.

مثال آخر: الضابط ذو النجمة الواحدة بوزارة الداخلية عندما يدخل مركز الشرطة تكون له سلطة يمتثل لها رجال الشرطة، ولو قمت أنت بتفصيل ملابس مثله ووضعت على كتفك 10 نجوم، ودخلت مركز الشرطة وأصدرت أوامر، فإن الشرطة ستضعك في السجن، على الرغم من عدم وجود فرق مادي لا في الهيئة كإنسان (رجل) ولا في الملابس.

لماذا؟ هذا يرجع إلى التصور في العقل البشري، فإن منظومة التصورات لدى رجال الشرطة بأن هذا ضابط يجب تنفيذ أوامره، وذاك محتال ينتحل صفة الضابط يجب وضعه في السجن.

هذه أمثلة لمنظومة التصورات للنقود، ومنظومة التصورات لرجال الأمن، وقس على ذلك مئات الآلاف من المنظومات التصورية، التي في مجملها تشكل الدولة والمجتمع في العقل البشري. فالحياة الإنسانية هي لعبة عقلية، وقواعدها عبارة عن منظومة تصورات.

ومنظومة التصورات عبارة عن برامج مثل برامج الكمبيوتر، تتم برمجتها في العقل البشري، مثلاً تتم برمجة سائق السيارة بأن الإشارة الحمراء تعني قف، والإشارة الخضراء تعني سر.

وهذه البرامج عرضة للفيروسات المدمرة لها، مثل فيروسات الكمبيوتر، ولكن فيروسات العقل البشري هي معلومات وأفكار وتصورات مخالفة للقديمة وتفندها. فمثلاًً، الحياة السياسية في البحرين منذ الإصلاحات في 2001، كانت مستقرة، ولكن هناك فيروسات على سبيل المثال لا الحصر، فيروس الأزمة الإسكانية. للتوضيح أن المواطن في برمجة عقله أن الدولة توفر له السكن الملائم، لكنه مع مرور الوقت يعاني من مشكلات في السكن حيث يسكن مع أسرته في غرفة واحدة في منزل والديه، وهذا يدفعه لإعادة التفكير، وخلق تصورات جديدة في عقله مخالفة للتصورات الأولية، ما يجعله يحتج بأشكال وصور مختلفة على المؤسسات المعنية بالدولة.

ولكن هذه الفيروسات لم تكن بتلك القوة الدافعة للسلوك البشري لإحداث تغييرات واضحة على أرض الواقع. ولكن عندما انفجر الوضع في تونس ومصر، نقلت وسائل الاعلام طوفاناً هائلاً من الأخبار المكتوبة والمرئية، عززت وأحدثت منظومة تصورات جديدة، وخلخلت بعض المنظومات التصورية القديمة، على مستوى العقل الجمعي، محدثةً حالةً نفسيةً عاطفيةً هائلة، نتج عنها هيجان عام لتحقيق التصورات الجديدة التي ترسم لهم حياة غير الحياة القديمة.

بسرعة هائلة دخل الناس «دوار اللؤلؤة»، في ذلك الوقت كان يمكن احتواء الوضع بتغيير بعض التصورات في المنظومة التصورية التي ألهمت الجماهير بالتحرك، ولكن الجهات الرسمية المسئولة عن الاعلام، نشرت مقطع فيديو، ثم عممت صوره على الصحف المحلية، وفي اليوم التالي تم إخراج المتظاهرين من الدوار بالقوة بصورة أججت المشاعر. فمقطع الفيديو والصورة وما رافقها من استخدام القوة، أحدثت زلزالاً في منظومة التصورات وقلبها رأساً على عقب، وغيّر فكر الجماهير وشعاراتهم إلى اتجاهات ومستويات تتجاوز الخطوط الحمراء للعبة السياسية في مفاهيم النخبة. وهو ما ترتبت عليه آثار يصعب معها الوصول إلى تسوية ترضي جميع الأطراف. ولهذا لم تنجح لجنة بسيوني، ولا حوار التوافق الوطني الأول، في إيجاد مخرج، وحتى نتائج الحوار الحالي لن تلقى رضا الكثير ما لم تتوافق مع منظومة التصورات لديهم.

ما هي تصورات مختلف الجماهير المؤيدة والمعارضة والمحايدة للأوضاع وشكل الحكومة؟ ما هي تصورات الجمعيات المعارضة للأوضاع وشكل الحكومة؟ ما هي تصورات جمعيات الفاتح للأوضاع وشكل الحكومة؟ ما هي تصورات الحكومة الحالية لشكلها؟ وكيف يمكن التوفيق بين التصورات المتضادة والمختلفة؟ الأزمة السياسية قد لا تنتهي بإعادة تشكيل منظومة التصورات للأوضاع السياسية وشكل للحكومة من قبل النخب الحالية، لأن ما لدى هذه النخب من تصورات، ربما تكون غير قادرة على معالجة الخلل في برمجة العقل الجمعي الذي تشكلت فيه منظومات تصورية تلقائية مضادة تبرمج نفسها بنفسها، ويصعب التعامل معها. فإلى أين تسير السفينة؟ منظومة التصورات المراد برمجتها في العقل البشري لإخراج البلد من الأزمة السياسية غير واضحة، لكن يمكن فهمها من خلال قانون التفاؤل والتشاؤم في تسيير الحياة، فالأوضاع الحالية تعكس التشاؤم في برمجة العقل، والخروج منها بحاجة إلى برنامج مضاد يعكس التفاؤل.

على سبيل المثال، الإنسان الذي راتبه 1000 دينار وهو متشائم فإنه سيعيش تعيساً غير راضٍ بحياته، أما الإنسان الذي راتبه 100 دينار وهو متفائل فيعيش سعيداً راضياً شاكراً ونشيطاً. لا أعلم إن كان الحل سيكون وهماً تتم برمجته في عقولنا.

إقرأ أيضا لـ "عباس المغني"

العدد 3852 - الأحد 24 مارس 2013م الموافق 12 جمادى الأولى 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 6:24 م

      very nice article

      i like the way you present things

    • زائر 3 | 1:57 ص

      ابو كرار

      مقال جميل جدا جدا شكرا لك لقد اعطيتني التصور الصحيح لما حدث وماسوف يحدث

    • زائر 2 | 12:50 ص

      العقل ام سيرة العقلاء ؟؟

      الانسان بالطبع مدني اي يحتاح لغيره لتلبية حاجاته من هنا ينشا تنطيم عفوي بين الناس يتسالمون عليه لتسيير امورهم منها شكل الحكم وطريقة المعاش وما اليها وياتي الدين لكي يقيم الصحيح منها يبطل الفاسد ويمضي سيرة العقلاء مثل البيع ااشراء واما احكام العقل بما هي فهي احكام كلية لا تقبل التخصيص و فوق الظروف المعيشية مثل اكل اعظم من الجزء والظلم قبيح والعدل حسن و لكم مني الشكر ايها اكاتب العزيز

    • زائر 4 زائر 2 | 2:02 ص

      عززه الامين.

      نعم هذا صحيح واضيف اليك بأن كل هذا وأكثر صقله الاسلام، الدين القويم ووضع القواعد والاحكام .

    • زائر 1 | 10:42 م

      غوص فى الأعماق

      مقال عميق... بارك الله فيك. لدينا مفكرون و لا نعرفهم و لا نقدرهم. لأن العقلية الإجتماعية لم تدرب لتقدير هذه الأفكار.

اقرأ ايضاً