العدد 427 - الخميس 06 نوفمبر 2003م الموافق 11 رمضان 1424هـ

علي (ع) ملتقى الفكر... الخيال والعاطفة

منصور محمد سرحان comments [at] alwasatnews.com

يختص الإمام علي (ع) بميزات وصفات لا تتوافر في شخص غيره وهذه الميزات والصفات على رغم تنوعها فإنها في غاية التفرد، منها أنه أشجع العرب وأغزرهم علما وأكثرهم دراية بأمور الفلسفة والمنطق والرياضيات، وسرعة البديهة في حل المشكلات، هذا بالإضافة إلى تضلعه في الفقه والأدب، وما اتصف به من عدل وزهد وورع وعطف على المستضعفين والفقراء والمساكين هو أبلغ المتحدثين والخطباء والمتكلمين.

ومن بين ما تفرد به أمير المؤمنين ولادته في الكعبة الشريفة وهي خاصية لم تحدث لشخص غيره، بل إن الله عز وجل أراد تكريمه على سائر البشر بهذه الولادة المتفردة.

عندما أردت أن أكتب عن الإمام علي وجدت نفسي في حيرة تامة... كيف أبدأ؟ ومن أين أبدأ؟ فهو كالبحر الضخم الذي لا يمكن لربان مهما طالت خبرته أن يبحر في علمه ولا لباحث مهما ارتقى قلمه وزاد علمه أن يوفي جزءا من سيرة حياته العظيمة. فهل أبدأ الحديث عن علمه أو شجاعته أم بلاغته أو خصاله وآثاره الطيبة أو غير ذلك من أمور متعددة تتعلق بسيرة حياته وعطائه غير المحدود؟.

لقد تناوله كبار المؤرخين والفلاسفة والكتّاب في العصور الإسلامية، وأشاد الشعراء الكبار بفضائله. كما تناولته الكتب التاريخية الحديثة، وأشاد به كبار الكتّاب في العصر الحديث من أمثال عباس محمود العقاد، وجورج جرداق، وعبدالمسيح الانطاكي، وعبدالرحمن الشرقاوي، ومحمود شلبي، ومحمد رواس قلعه جي، والشيخ خليل ياسين، والسيدمحمد كاظم القزويني، ومحمود محمد العلي وغيرهم كثيرون وهؤلاء جميعا الفوا كتبا عنه.

أشار العقاد إلى بلاغة الإمام علي فقال: «إن الإمام علي هو أبوعلم الكلام في الإسلام لأن المتكلمين أقاموا مذاهبهم على أساسه كما قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة).

لقد كنت ومازلت متعلقا بأمرين هما شجاعته التي أصبحت مضرب المثل وعلمه الواسع، وكنت كلما قرأت في هذا الشأن ازددت يقينا أن الإمام علي ولد في زمان ليس زمانه، وجاء في عصر ليس عصره، فهو متقدم على ذلك العصر بمئات السنين. وكنت أذكر ما قاله الأديب الكبير ابراهيم العريض (رحمه الله) من أن الإمام علي لم يعط حقه، ولم ينصفه التاريخ، فهو جامعة شاملة بكل أبعادها وفلسفتها. وقد قال العريض (رحمه الله) شعرا في الإمام علي نشر في العدد الخامس من مجلة «الموسم» الصادرة في العام 1990م، نورد منه:

هو الكوكب الزاهي الذي انكشفت به

عن الله حجب الغيب للمتأمل

فيا كوكبا قد مزق الحجب نوره

فشع بتسع واثنتين ولم يل

لقد كنت أرجو في الحياة ولاءهم

فأنشدهم آيات شعري كد عبل

فإن فاتني في الأرض لقياهمو فقد

علمت بأني من حماهم بمحفل

تناول ميخائيل نعيمة شخصية الإمام علي وصفاته وعبر عنها أصدق تعبير في تقديمه لكتاب (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) لجورج جرداق قائلا: (وبطولات الإمام ما اقتصرت يوما على ميادين الحرب. فقد كان بطلا في صفاء بصيرته، وطهارة وجدانه، وسحر بيانه، وعمق إنسانيته، وحرارة إيمانه، وسمو دعته، ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم، وتعبده للحق أينما تجلى له الحق. وهذه البطولات، ومهما تقادم بها العهد لاتزال مقلعا غنيا نعود إليه اليوم وفي كل يوم كلما اشتد بنا الوجد إلى بناء حياة صالحة فاضلة).

ونقتبس مما قاله العقاد في كتابه (عبقرية علي) بشأن ما تمتع به الإمام من أدب وبلاغة: (وللذوق الأدبي - أو الذوق الفني - ملتقى بسيرته كملتقى الفكر والخيال والعاطفة، لأنه رضوان الله عليه كان أديبا بليغا له نهج من الأدب والبلاغة يقتدي به المقتدون، وقسط من الذوق مطبوع يحمده المتذوقون، وإن تطاولت بينه وبينهم السنون. فهو الحكيم الأديب، والخطيب المبين، والمنشئ الذي يتصل إنشاؤه بالعربية ما اتصلت آيات الناثرين والناظمين.

ويعد ديون (ملحمة الإمام علي (ع) أو القصيدة العلوية المباركة) لعبدالمسيح الأنطاكي أهم ديوان شعر صدر في العصر الحديث. فقد ضمت هذه الملحمة 5595 بيتا تضمنت الحوادث التاريخية التي حدثت في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منذ ولادته إلى يوم استشهاده.

بدأ عبدالمسيح الأنطاكي ملحمته بقصيدة عنوانها (عطف أمير المؤمنين على ناظم هذا العقد الثمين - رؤيا روحية وتجليات سنية) قال فيها:

بشرى فنفسي قد نالت أمانيها

فما أنا فوق ما نالت أمنيها

بشرى لها بلغت أسمى مطالبها

والدهر أضحى بما تبغي يؤاتيها

وأي مفخرة ترجو وقد كسبت

من المفاخر والألطاف عاليها

وأصبحت تزدري أسنى الرغائب إذ

بالنجح قد كلل الباري مساعيها

وإنها حرة فاستبعدت بسجا

بالمرتضى فرأى فضلا تأميها

وقد أوت ظله رغدا وها هي في

النعماء تثني على إحسان مؤويها

وليلة من ليالي القدر زاهرة

بنظم مدح علي كنت أحييها

لخص عبدالرحمن الشرقاوي في كتابه (علي إمام المتقين) ما تفرد به الإمام علي من فضائل وصفات نذكر بعضها كما جاءت نصا في ذلك الكتاب.

آخى رسول الله (ص) بين المهاجرين والمهاجرين، والمهاجرين والأنصار. قال رسول الله (ص): (تآخوا في الله أخوين أخوين). ثم أخذ بيد علي فقال: (هذا أخي في الدنيا والآخرة).

ثم إن الرسول (ص) حين نزلت الآية الكريمة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الأحزاب : 33) دعا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وألقى عليهم برده قائلا: (يا رب هؤلاء هم أهل بيتي).

وفي غزوة خيبر قال الرسول: (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يفتح الله على يديه). فتمنى كل الفرسان من الصحابة أن يعطيهم الرسول الراية، وقال عمر: (ما تمنيت الإمارة إلا تلك الليلة). وفي الصباح دعا رسول الله (ص) بأصغر فرسان الله: علي بن أبي طالب فأعطاه الراية، ففتح الله عليه.

وقال رسول الله حين زوج ابنته فاطمة الزهراء علي ابن أبي طالب، قال لها: (زوجك سيد في الدنيا والآخرة)، وجعل يدعو لهما كما لم يدع الله لأحد غيرهما.

استمر عبدالرحمن الشرقاوي في سرد مناقب أمير المؤمنين علي. فقد لخص ما كتبه الزمخشري من مناقب الإمام نورد منها:

- إنه أول من أسلم من الصبيان وأول من يدخل الجنة في هذه الأمة. وقال رسول الله (ص): يا علي إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي.

- إنه ولي الله وولي رسوله، وولي المؤمنين. قال الله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذي آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (المائدة:55). فقد نزلت هذه الآية الكريمة في حق علي حين كان يصلي في المسجد وهو راكع، قام سائل يسأل، فمد علي يده إلى خلفه وأومأ إلى السائل بخاتمه، فأخذه من اصبعه.

- وقال الرسول (من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم والِ من والاه وعادِ من عاده). وهذا الحديث الشريف في مسند الإمام أحمد بن حنبل.

- إنه محبوب المؤمنين ومبغوض المنافقين. فقد قال له النبي (ص): (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده.

- ان النظر إلى وجهه عبادة. فقد روت عائشة أنها قالت: (رأيت أبي يديم النظر إلى وجه علي فسألته عن ذلك، فقال: (ما يمنعني من ذلك ورسوله الله يقول: (النظر إلى وجه علي عبادة).

تلك هي إذا خصال ذات دلالات عظيمة تبرهن على ما كان للإمام علي من مكانة متفردة ومتميزة. والمتبحر في سيرة وحياة الإمام علي (ع) يجد أنه طبع بالشجاعة والعلم، ويكفي أن أشير إلى حادثة الخندق عندما عبر عمرو بن ود العامري وكان أقوى فرسان العرب ويعد لعشرة آلاف مقاتل، وطلب من المسلمين من يبرز إليه. فخاف الجميع وخيم صمت رهيب، وأصبح شبح الموت يدور بينهم، حينها قال رسول الله (ص)، من يبرز له واضمن له الجنة؟ فوقف الامام علي، وأشار إليه الرسول بالجلوس. ثم قال ثانية، فوقف الإمام علي أيضا، وأشار إليه بالجلوس، ثم قالها ثالثة، فوقف الإمام أيضا. وحينها سمح له بمقاتلة عمرو بن ود وقال قولته المشهورة (برز الإسلام كله إلى الشرك كله). وانتصر الإمام علي وقتل خصمه فتهلل وجه المسلمين فرحا، وارتفع التكبير بينهم، وأخذ كل واحد يعانق الآخر من شدة الفرح.

أما علمه فقد شهد له الجميع بذلك حتى من حاربوه. فهذا معاوية لما بلغه قتل علي قال: (ذهب الفقه والعلم بموت بن أبي طالب). كيف لا وهو القائل: (كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه. وكفى بالجهل ذما أن يبرأ أمنه من هو فيه). وقال: (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا)، وهو القائل (يحتاج المال إلى حافظ والعلم يحفظ صاحبه). وقال شعرا في فضل العلم.

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم

على الهدى لمن استهدى ادلاء

وقيمة المرء ما قد كان يحسنه

والجاهلون لأهل العلم أعداء

فقم بعلم ولا تطلب به بدلا

فالناس موتى وأهل العلم أحياء

ولخص نظرته الفلسفية تجاه الإنسان في بيتين هما:

دواؤك فيك ولا تشعر

وداؤك منك ولا تبصر

وتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

أما نهج البلاغة فهو البرهان الحي الشاهد على بلاغة الإمام علي وعظم منطقه وسعة علمه وأدبه، وقوة بيانه. وكانت فلسفته في الحكم مبنية على العدل ومحاسبة الولاة مهما كانت مكانتهم، وتطبيق حدود الله دون خوف من أحد.

ولربط صدر الكلام بعجزه فإن ما تميز به الإمام علي من صفات وسجايا ومناقب هي في غاية التفرد لا تتكرر بالمطلق في شخص آخر. وستبقى آثاره نورا نهتدي به طوال حياتنا

إقرأ أيضا لـ "منصور محمد سرحان"

العدد 427 - الخميس 06 نوفمبر 2003م الموافق 11 رمضان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً