العدد 5262 - الأربعاء 01 فبراير 2017م الموافق 04 جمادى الأولى 1438هـ

الفتنة الثالثة

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كلُّ مَنْ اطلَّع على كتاب «الفتنة الثالثة» وَقَفَ على جهدٍ استثنائي بُذِلَ في إنجازه. لقد سَبَرَ مؤلفه عمار العشِّي، أستاذ التاريخ بكلية الآداب والفنون والإنسانيات في تونس، غَور الكثير من المسائل التي عرفها المجتمع العربي والإسلامي، وتحديداً الشَّامِي في القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني.

وعلى رغم أن الدراسة اشتملت على صور متعددة للصراع، كالعقيدة العسكرية والطغيان في مجتمع متنوع وتداخل الديني بالسياسي، لكن يبقى الصراع القبلي المتجذر والدموي أحد الأمور المهمّة جدّاً، والتي أدت إلى ذلك، وتحديداً بين القبائل اليمنيّة والقبائل القيسيَّة آنذاك.

لن أتحدث عن الكتاب ولا عن فصوله، بقدر ما سأتحدث عن أمرين «لفتني» إليهما المؤلف، أحدهما يتعلق بالقيم القبلية التي كانت سائدة، وكيف كانت الدول تستثمرها لصالحها، قبل أن تنقلب عليها في نهاية المطاف، والأمر الثاني هو دور الجيوش في القضايا السياسية خلال تلك الفترة.

لنبدأ بالأول، فنأخذ مثالاً على ذلك بالتدقيق في مجتمع مدينة الكوفة في العراق، الذي كان محاطاً بالسريان في حوض دجلة والحيرة، لكن بعد الفتح الإسلامي دخلتها قبائل عربية عززت من العنصر العربي هناك، على رغم أن الكثير من البدريين وأصحاب الشجرة قد سكنوها بحسب المؤرخين.

فمن القبائل اليمنيّة التي استوطنت الكوفة، هي قُضاعة وغسّان وبَجِيلَة وخَثْعَم وكِنْدَة وحَضْرَموت والأَزْد ومَذْحِج وحِمْيَر وهَمْدَان والنَّخَع وتعدادها يصل إلى 12 ألف نسمة بحسب المصادر. ومن القبائل العدنانية هي تميم وبنو العصر وتعدادها 8 آلاف ومن بكر بني أسد وغَطَفَان ومُحارب ونُمَيْر، وقبائل أخرى مثل كِنَانة وجَدِيلَة وضُبَيْعَة وعبدالقيس وتغلب وإياد وطي.

وقد كانت تلك القبائل على أشكال، بعضها شديد البداوة، وآخر متحضر وثالث بين الرّاحل والمستقر، وكانت القبائل اليمنيّة هي الأكثر عدداً، وبها تطبّعت الكوفة. هذا المجتمع القبلي خَلَقَ فضاءً من التنافس السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وجعل المدينة أشبه بالجهويات، إذْ كانت كل قبيلة تنتحي بناحية وتتعبّد في مسجد خاص بها وتدفن موتاها في مقابر خاصة بها.

هذا الأمر جعل كل شيء له صبغة قبلية، بما فيها الأحياء والطرق، فأصبحت الكوفة أشبه بالممالك الصغيرة، بل وحتى في المعارك العسكرية (وهو الأهم) كانت القبيلة تُعيِّر الأخرى حين تنصر جهة ما وتُمنَى تلك بالهزيمة، فيُنسَب النصر للقبيلة وليس للدولة أو السلطة. لذلك باتت القبائل ورقة في أيدي الدول كي تنتصر بها أو كي تُحبِط التمرّد المسلح عليها.

ويذكر علي الجندي جذور ذلك التعصب منذ الجاهلية وكيف «تعصبت العدنانية على اليمنيّة»، ومضر على «بقية عدنان»، وربيعة «على مضر» ثم انقسمت الأخيرة على نفسها، فكانت فيها «العصبية القيسيّة، والتميميّة، والقرشية» ثم تشظت ربيعة إلى تغلب وبكر، وانسحب ذلك على الأزد وحِمْيَر وقضاعة وانغماسها فيما سمّاه الجندي بـ «الجهاد السياسي العنيف».

وقد تجلَّى الصراع أو التنافس بين القبائل العربية في تلك الفترة (ليس في الكوفة فقط) بين أهم محورَيْن فيها وهي القبائل اليمنيّة والقبائل القيسيّة. وهو أمر استفحل خلال الحقبة الأموية حين باتت الوظائف القيادية تُمنَح على أساس قبلي وكذلك العطاءات، وذلك لتمييل هذه ضد تلك.

فعبد الملك بن مروان استعان بالقبائل اليمنيّة وقرَّب الأزديين والمهلب بن أبي صفرة، فانحطّت مكانة القيسيين. وبعد مجيء الوليد بن عبدالملك مَالَ إلى القيسيين وأعطى الحجّاج بن يوسف الفرصة كي يقضي على يزيد بن المهلب فعزله واضطهد جماعته. لكن وبعد مجيء سليمان بن عبدالملك أعاد إلى الأزديين منزلتهم وتراجعت حظوة القيسيين ونُكِّل بأصحاب الحجّاج الثقفي.

ثم ارتفعت منزلة قيس مرة أخرى في عهد يزيد بن عبدالملك، فضُرِبَ الأزديون. ثم انحطّت قيس مرة أخرى في عهد هشام. وفي عهد الوليد بن يزيد عادت القوة للقيسيين، لكن يزيد بن الوليد انقلب على ابن عمّه الوليد بن يزيد فقرّب القبائل اليمينة مرة أخرى. ثم عاد القيسيون إلى الصدارة خلال حكم مروان بن محمد وناصَب القبائل اليمنيّة العِداء. وهكذا كما جاء في مصادر التاريخ.

وقد أشار المؤرخون إلى معركة مرج راهط (64 للهجرة) التي استعان فيها مروان بن الحكم بالقبائل اليمنيّة ضد الضحّاك بن قيس الفهري الذي استعان فيها بالقبائل القيسيّة لحسم المعركة بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية حيث انتصر مروان، فانتشى اليمانيون بالنصر وكأنه لهم، في حين تلقى القيسيون خسارة الضحّاك وكأنها هزيمة لهم ما جعلهم يتحالفون مع ابن الزبير.

لكن هذا الأمر وإنْ بدا عند بعض الخلفاء الأمويين نصراً لهم إلاّ أنه أصبح لاحقاً وبالاً حين تضخّمت القبائل وزاد اعتدادها بنفسها وأحقيتها بالسلطة. كما أن تبدُّل الولاءات بين فترة وأخرى طبقاً لموازين القوى هو الذي جعل نهاية الأمويين على يد هذه القبائل التي قررت الانحياز إلى بني العباس في نهاية الأمر ليُقضَى على الدولة الأموية كما يذهب إلى ذلك عمار العشي في دراسته.

وللعلم فإن هذا الأمر بَقِيَ وتجذّر حتى بعد انهيار الدولتين الأموية والعباسية، واستمر حتى مجيء الفاطميين.

ويذكر القلقشندي في «صبح الأعشى» نصّاً يمكن أن نقرأه بعناية في طريقة المبايعة في الخلافة الفاطمية حين كان يُكتَب: «من عبدالله ووليّه الإمام الفلانيّ، بأمر الله تعالى أمير المؤمنين، إلى من يضمّه نطاق الدولة العلوية، من أمرائها وأعيانها، وكبرائها وأوليائها، على اتّساع شعوبهم، وعساكرها على اختلاف ضروبهم، وقبائل عربها القيسيّة واليمنيّة» إلى آخر النص. للحديث صلة.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5262 - الأربعاء 01 فبراير 2017م الموافق 04 جمادى الأولى 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • MahmoodAlsaei | 1:27 ص

      جميل .. وبانتظار المزيد

    • زائر 2 | 12:09 ص

      العالم منذ القدم ظالم .. اشعر وانا ابن الستين ان هذه الدنيا الفانية لا ومذاق ولا حلاوة فيها واصبحنا ننتظر يوم رحيلنا ونسأل الله الجنه بعد كل هذه المنغصات

    • زائر 1 | 11:59 م

      في سورة التوبة المباركة قال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {التوبة: 97} فيا سبحان الله، كم الامس البعيد قريب من اليوم، فترى اليوم الاعراب يتفاخرون باصولهم ويتناحرون فيما بينهم.

اقرأ ايضاً