العدد 55 - الأربعاء 30 أكتوبر 2002م الموافق 23 شعبان 1423هـ

الحكام الفلسطينيون الجدد ينقلبون على رئيسهم

إصلاح أم تآمر؟

بشير موسى نافع comments [at] alwasatnews.com

.

انتهى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من تشكيل حكومته الجديدة التي طال انتظارها فلسطينيا ودوليا. ولكن تشكيل الوزارة الذي استغرق وقتا طويلا تخلله اجتياح اسرائيلي واسع النطاق، جاء على خلفية لم تكشف كل جوانبها بعد من الضغوط والمؤامرات الصغيرة والكبيرة، على الرئيس عرفات ذاته. تكونت العناصر الرئيسية لهذه الأجواء التآمرية من مسئولين فلسطينيين بارزين من قيادات أمنية سابقة، من وزراء سابقين ومن مسئولين كبار في منظمة التحرير الفلسطينية، تنتمي غالبيتها إلى حركة فتح التي يقودها عرفات وتمثل اكبر قوى «م. ت. ف» وسيتم تقديم الحكومة الجديدة للمجلس التشريعي الفلسطيني (برلمان سلطة الحكم الذاتي) للتصويت عليها، ولا يستبعد أن تواجه كمينا برلمانيا تنصبه العناصر التي باتت تعمل جهارا ضد عرفات، إلى جانب تلك التي وقفت دائما، وبصدق، في موقع المعارضة لتجربة السلطة التي جاءت مخيبة لآمال الشعب الفلسطيني. المدهش في كل هذا أن الرئيس الفلسطيني الذي عزز صموده ومقاومته للغزو الاسرائيلي طوال العامين الماضيين من شعبيته، بات يفقد ولاء الكثير من النخبة السياسية المحيطة به والذين حافظوا على ولائهم له طوال السنوات الست السابقة للانتفاضة حتى عندما كان الدعم الشعبي للرئيس والسلطة يهبط إلى أدنى مستوياته.

بشكل من الاشكال يبدو الوضع الفلسطيني وكأنه يصطدم بمنطق السياسة وقوانينها، إذ بدلا من أن يحقق الرئيس التفافا قويا حوله من النخبة في ساعة الحرب ومرحلة الصمود، إذا بعناصر هذه النخبة تتداعى إلى دوائر من التآمر عليه والعمل عل دفعه من موقعه.

أخطاء الرئيس الفلسطيني لا تعد ولا تحصى، ولم تبدأ هذه الاخطاء عند تأسيس سلطة الحكم الذاتي أو فشل مباحثات «كامب ديفيد»، ولا حتى عند توقيع اتفاق أوسلو، بل سبقت ذلك بكثير. وهي اخطاء تعلقت احيانا بأسلوب القيادة، وأحيانا بسلم القيم الحاكمة للعمل السياسي، وفي احيان اخرى باستراتيجية النضال الفلسطيني. وتاريخ الرئيس الفلسطينيي ليس سرا، ويكاد الجميع يعرفه بتفاصيله، سواء الباحث المتخصص أو الانسان الفلسطيني العادي صاحب الاهتمام المتوسط بالشأن العام. ولكن مشكلة عرفات المتفاقمة في علاقته بعناصر النخبة السياسية، التي ولدت مع ولادة سلطة الحكم الذاتي، لا تتعلق بأخطائه المعروفة وتاريخها الطويل. المشكلة في الحقيقة تتعلق بالعامين الماضيين، بالفترة منذ فشل مباحثات كامب ديفيد في صيف 2000 ومن ثم اندلاع الانتفاضة إلى أن بات عرفات محاصرا في مبنى مقر قيادته المتآكل يوما بعد يوم جراء القصف الاسرائيلي واعلان كل من جورج بوش وارييل شارون أن عرفات اصبح تاريخا وأن لا الولايات المتحدة ولا الدولة العبرية ستعتبرانه شريكا نزيها في عملية السلام.

خلف الاعتراض على طبيعة الحكومة الجديدة، وهذا الاسم أو ذاك من وزرائها، ثمة خطاب تتعالى نبرته عن إدانة النهج الذي أدار به عرفات الشأن الفلسطيني منذ مباحثات كامب ديفيد. هناك من يقول مثلا ان الشعب الفلسطيني يفتقد زعيما مثل بن غوريون، بمعنى أن عرفات لم تكن له الحكمة أو الشجاعة ليقبل ما عرض عليه في«كامب ديفيد» وبعدها بقليل من أجل أن يكسب لحركة استقلال الشعب الفلسطيني موطأ قدم. هناك من يقول ان الانتفاضة كانت كارثة على الشعب الفلسطيني منذ البداية، وان دور عرفات في تأجيج الانتفاضة (أو تأييده لها وقبوله باستمرارها) كان خطأ استراتيجيا ينبغي لعرفات الآن ان يدفع ثمنه بالتنحي وافساح المجال لخط سياسي آخر. هناك من يقول ان على القيادة في لحظات معينة ان تجبر شعبها ولو بالقوة والعنف على انتهاج الطريق الذي تراه القيادة صحيحا، وان عرفات فشل في لعب هذا الدور عندما بدأت قوى المقاومة الفلسطينية بالرد المسلح على العدوان الاسرائيلي، بمعنى أن عرفات افتقد شجاعة القادة عندما لم يقم بحملة قمع واسعة لحماس والجهاد وشهداء الاقصى. وهناك من يقول أيضا، ان الشعب الفلسطيني لا يستطيع الاستمرار في حركته بينما رئيسه يتعرض لمقاطعة أميركية واسرائيلية. وهناك من يقول أخيرا، ان النهج الذي انتهجه الرئيس الفلسطيني جاء بالدمار والخراب للشعب وسلطته وقد آن للرئيس أن يتقاعد أو يجبر على التقاعد، أو على الأقل ان يتحول إلى رئيس رمزي، من أجل اعادة الحياة إلى بنية السلطة والتخفيف عن الشعب وفتح الابواب الاقليمية والدولية لعملية التفاوض التي هي السبيل الوحيد للخروج من «المأزق الوطني» الفلسطيني الحالي.

يحمل هذا الخطاب، ويبنى، على سلسلة من التناقضات وإساءة تقدير الموقف والجهل الفادح بتاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي وبالتوجه الأساسي إلى المشروع الصهيوني وسياسات الكيان الذي يمثل تجلي هذا المشروع. ويحمل هذا الخطاب قدرا هائلا من التمركز النخبوي على الذات لمجموعة صغيرة من السياسيين الفلسطينيين، وقدرا لا يقل من العزلة عن المزاج الشعبي الفلسطيني. ويحمل هذا الخطاب مخاطر جمة لمستقبل النضال الوطني.

أولا، إن كان هناك من حدٍّ أدنى من الاجماع الفلسطيني فهو الاجماع على الازالة الكاملة للاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزة. وربما كان هذا هو التصور الذي حمله مفاوضو أوسلو، ان حملنا نهجهم التفاوضي الكارثي على محمل النية الحسنة. ولكن الطرف الاسرائيلي لم يقدم حتى الآن عرضا واحدا، لا قبل «كامب ديفيد» ولا بعده ولا اثناءه، يحقق ازالة الاحتلال. والمهم أن امتناع عرفات عن الموافقة على العرض الذي قدم اليه في «كامب ديفيد» قد وجد دعما من غالبية اعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض، بما في ذلك ابوالعلاء، وأبومازن (الذي يتحول الآن إلى عنوان لنهج مختلف وبديل). المجموعة الوحيدة التي ارادت الموافقة على العرض المقدم في «كامب ديفيد» كانت مجموعة شبان السلطة الجدد (دحلان، عصفور، رشيد) التي لا تحمل حدا كافيا من الشرعية التي تؤهلها لقبول مثل هذا العرض باسم الفلسطينيين والعرب والمسلمين، لا شرعية التاريخ النضالي ولا الخبرة، وأن بروزها قد ارتبط أصلا بسلاح السلطة وما لها والتقدير الاميركي الاسرائيلي الايجابي لتوجهاتها. الانتفاضة إذن جاءت على خلفية احباط المطلب الفلسطيني الواضح والمباشر بانهاء الاحتلال، وهو المطلب الذي كرسته أعراف دولية متعددة منذ 1967. فكيف يمكن أن تتحول الحياة السياسية الفلسطينية من مطلب انهاء الاحتلال إلى مكافأته، ومن إدانة الاحتلال إلى إدانة القيادة الوطنية؟

ثانيا: ان الانتفاضة بدأت فعلا كحركة شعبية من التظاهرات والاضرابات في المدن الفلسطينية وليس في المدن الاسرائيلية، ولكن رد الفعل الاسرائيلي منذ البداية كان وحشيا في تعامله مع التحرك الشعبي. وقد سقطت عشرات الضحايا الفلسطينية الأولى في غزة ورام الله ونابلس في ساحات التظاهر وليس في صدامات مسلحة في حيفا وتل ابيب، وهو ما دفع الأمور بالتالي إلى رفع السلاح الفلسطيني، ومن ثم إلى الهجمات على المستوطنات الإسرائيلية وداخل الخط الأخضر. الجانب الإسرائيلي هو الذي دفع الأمور نحو التصعيد المسلح عندما تصرف ككل قوة امبريالية في التاريخ، وظن ان قوة النيران قادرة على قهر إرادة الشعوب. الجانب الإسرائيلي هو المسئول عن تحويل الانتفاضة إلى انتفاضة مسلحة وليس عرفات.

ثالثا، ان الإدارة الأميركية أخذت في نفض يدها من عرفات منذ فشل مباحثات «كامب ديفيد»، وهو ما أدى إلى توقف الدعوات الموجهة اليه لزيارة واشنطن طوال الشهور المتبقية من ولاية كلينتون. لقاءات عرفات بكلينتون بعد «كامب ديفيد» كانت خارج الولايات المتحدة وكان الدافع وراءها دائما آمال كلينتون غير الواقعية بتحقيق التسوية التاريخية في فلسطين في عهده. ولكن عرفات، الذي قدم إلى الإسرائيليين ما لم يقدمه أي زعيم فلسطيني آخر من تنازلات كان قد وصل إلى قاع ما يستطيع تقديمه من تنازلات من دون ان يفقد دعم الأكثرية الوطنية الفلسطينية. جورج بوش، وكل عناصر إدارته تقريبا (ما عدا وزير الخارجية باول) أعلنوا موقفا سلبيا من عرفات منذ البداية، بل ان مواقف العناصر النافذة في إدارة كلينتون من المسألة الفلسطينية معروفة حتى قبل وصول بوش إلى السلطة، بما في ذلك معارضتهم لأوسلو ذاته واعتقادهم أن على الدولة العبرية ان تعيد احتلال الضفة الغربية وتقويض سلطة الحكم الذاتي. وقد كانت هذه هي الاستشارة التي قدمتها مجموعة المحافظين الجدد إلى نتنياهو عندما كان رئيسا للوزراء، وقبل سنين طوال من اندلاع الانتفاضة ووصول المحافظين الجدد إلى مواقع صنع القرار الأميركي. لا عرفات، ولا الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، ولا حتى العمليات الاستشهادية، لعبت دورا مهما في تحديد سياسة إدارة بوش من عرفات.

رابعا، ان المقارنة بين عرفات وبن غوريون، أو بين الوضع الفلسطيني اليوم ووضع المجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين عشية حرب 1948 يحمل قدرا كبيرا من الخفة والجهل. في 1937 عارض بن غوريون مشروع لجنة بيل للتقسيم واستخدم وسائل التهديد والعنف لإخراس الأصوات اليهودية التي رحبت به، ولكنه قبل قرار الأمم المتحدة بالتقسيم في 1947، ثم حصل على ما هو أكثر منه خلال حرب العام التالي بفضل الدعم الدولي الهائل. عندما قبل بن غوريون قرار 1947 كان يعرف ان القرار أعطى المجتمع الاستيطاني اليهودي أقصى ما يتمناه، وكان أيضا يعبر في قبوله ذاك عن رغبة الغالبية العظمى من قوى ورأي المجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين والقيادة الصهيونية العالمية. شجاعة بن غوريون (إن كان في موقفه ذلك من شجاعة) كانت في معارضة المجموعات الصهيونية الراديكالية الهامشية التي كانت تمثل موقف الأقلية اليهودية الصهيونية لا غير. الوضع الفلسطيني اليوم يخالف الوضع اليهودي في 1947، فالغالبية الساحقة من الفلسطينيين في الضفة والقطاع والمهجر تعتبر ان عرفات قد قدم من التنازلات ما يكفي ويزيد وأن ليس من حقه تقديم أية تنازلات إضافية، وان العروض الأميركية - الإسرائيلية، وحتى في أفضل تفسيراتها، لا تقترب من الحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية. فكيف تصح المقارنة إذن؟ كيف تصح المقارنة بين مجتمع استيطاني غريب أعطي أقصى ما يتمناه وبين أصحاب البلاد الذين قدموا أقصى ما يمكن ان يقدموه من تنازلات؟

خامسا، إن كان لحركة فتح من إسهام جوهري للخطاب السياسي الفلسطيني فهو بلاشك في رفعها شعار «كل البنادق باتجاه العدو»، بمعنى ان كل الصراعات في الصف الوطني الفلسطيني هي صراعات ثانوية، وان الصراع الرئيس هو الصراع مع المشروع الصهيوني. تمس حركة التآمر الحالية بأسس حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتقدم إلى الاحتلال خدمة هائلة بتحويلها الصراع معه إلى صراع ثانوي، حتى وان كانت نوايا المتآمرين غير ذلك. ما يغيب عن العناصر المتآمرة ان المعسكر النشاشيبي قد قدم في حقل معارضته إلى الحاج أمين الحسيني وفي حقل التحالف مع سلطة الانتداب وبناء التفاهمات مع الوكالة اليهودية أكثر بكثير مما يقدمونه اليوم في مجال التحالف مع الأميركيين والإسرائيليين.

فلماذا لم يصل البريطانيون والصهاينة في 1947 إلى تسوية مع الجناح النشاشيبي، لماذا انتهت الجولة الأولى من الصراع بكارثة لكل الشعب الفلسطيني بحسينييه ونشاشيبيه؟ فيما يتعلق بالموقف الأميركي الإسرائيلي، عرفات ليس المشكلة. المشكلة هي في تجاهل المطالب الوطنية الفلسطينية حتى في الحد الأدنى منها.

سادسا، ليس من حق المجموعات المتآمرة ان تتحدث باسم الشعب الفلسطيني لا فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية ولا فيما يتعلق بالمسألة الوطنية. خلال سنوات ما قبل الانتفاضة، كانت عناصر رئيسية من هذه المجموعات تمثل أدوات القمع وتجاوز القانون وهمجية السلطة، وكانت في مقدمة المدافعين عن سياسات القمع وتجاوز القانون وهمجية السلطة. وعندما تصاعدت وتيرة الصراع خلال السنتين الماضيتين، لم يهدم بيت واحد منهم، لم يعتقل واحد منهم، لم يستشهد أبناؤهم، حتى ياقاتهم لم تتعرض مرة لغبار الانتفاضة.

والواضح ان الفلسطينيين، على رغم الآلام الهائلة، مصممون على الاستمرار حتى دحر الاحتلال، بل ان الذين فقدوا معاشهم واستشهد أبناؤهم وهدمت بيوتهم هم الأكثر تصميما. فكيف يمكن للشعب الفلسطيني ان يأخذ دعاوى الديمقراطية المتصاعدة في الأوساط المتآمرة مأخذ الجد، كيف يمكن له ان يعطي الشرعية لعناصر يقوم تصورها للأمور على قمع المناضلين وتقديم التنازلات إلى الدولة العبرية ومكافأة الاحتلال على الاحتلال؟

وبعد، فإن حركة تحرر وطنية واحدة في التاريخ لم تحقق أهدافها قط من دون تضحيات. وإن وضعنا في الاعتبار الأبعاد الكونية والتعقيدات الهائلة للمسألة الفلسطينية، فلنا ان نتصور حجم التضحيات التي لابد ان تقدم من أجل التوصل إلى تحقيق جزء من المطالب الوطنية الفلسطينية. والحقيقة ان التضحيات الفلسطينية حتى الآن لم تصل إلى جزء صغير من التضحيات التي قدمها الأفغان أو البوسنيون مثلا. والحقيقة الأهم ان قراءة الوضع الحالي لا تكتمل من دون النظر إلى خسائر الطرف الآخر، إلى انقساماته، إلى أزمته وإلى الشكوك المتزايدة حول وجوده ذاته. يعيش المشروع الإسرائيلي اليوم أزمة أكبر وأعمق وأبلغ بكثير من أزمة الوضع الفلسطيني، ومن دون وضع ذلك في الحساب فإن قراءة الموقف تصبح عبثا وتتحول عملية اتخاذ القرار بالتالي إلى ضرب من التخبط

العدد 55 - الأربعاء 30 أكتوبر 2002م الموافق 23 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً