العدد 597 - السبت 24 أبريل 2004م الموافق 04 ربيع الاول 1425هـ

مُعضلة القوى العُظمى الرعناء في العالم

المصارعة على الطريقة اليابانية

إلياس حنا comments [at] alwasatnews.com

كاتب لبناني، عميد ركن متقاعد

إذا تأمّلنا الصورة او السيناريو الآتي: على حلبة المصارعة اليابانيّة (السومو)، نفترض انه هناك مُصارعا من الوزن الثقيل جدّا جدّا. في المقابل، هناك مصارع آخر من الوزن المتوسّط. في هذه الحال تبدو توقّعات المشاهدين محسومة مُسبّقا لصالح المصارع الاضخم. كما يبدو المُصارع الاضخم كأنه سيكولوجيّا متقدّم على خصمه، وهو يتوقّع الانتصار وبشكل سريع. أما المُصارع الأصغر فيبدو كأنه يحاول إطالة المعركة قدر الامكان، وتقليل الخسائر في الوقت نفسه.


يتوقّعها.

ماذا تغيّر على ساحة المباراة بعد هذا الحدث؟

- يريد المُصارع الأكبر أن ينتقم وبسرعة من خصمه، وذلك لاسترداد هيبته لدى المشاهدين. فيضرب يمنة ويسرة، ليطيح بعد الاوقات بحَكَم المباراة، ولكن الضرر وقع فعلا. وهيبة هذا المُصارع أصبحت مهزوزة، فيبدأ يشكّ بنفسه وبقدرته، كذلك الامر تتراجع مكانته لدى المشاهدين.

يتفاجأ الجمهور بما حدث، فيُعيد حساباته ورهاناته، فمنهم المتردّد، ومنهم الثابت على موقفه القديم، ومنهم الذي يُغيّر موقفه.

أما المُصارع الاضعف، فهو أيضا يتفاجأ بنتيجة فعلته، لانه حقّق اكثر مما كان يتوقّع، ولكنّه يحاول الاستمرار في الصراع، قدر الامكان ليحجز له دورا مهما في الجولات القادمة. لماذا هذا الحديث أو هذه المشابهة؟

إذا اردنا تطبيق هذا السيناريو على ما يحدث الآن على الساحة العالميّة، فإن المصارع الاضخم هو الولايات المتحدة الاميركيّة. أما صفة المُصارع الاصغر فهي قد تنطبق على القاعدة أو على ما يحدث الآن في العراق.

ضُربت اميركا في 11 سبتمبر/ايلول من قبل القاعدة. تفاجأت، كما تفاجأ العالم. اهتزّت صورة اميركا، وفقدت بعضا من هيبتها، واصبح لزاما عليها استرداد هذه الهيبة. ذهبت إلى افغانستان، وبعدها إلى الحرب على العراق. وهي الآن في حال حرب بكل ما للكلمة من معنى، وهذا ما عبّرت عنه كوندليزا رايس في جلسة الاستماع إليها من قبل اللجنة المخصّصة، وذلك عندما قالت: «قبل 11 سبتمبر، لم نكن في حال حرب مع الارهاب، لذلك لم نأخذ كل تهديد كأنه فعلي وحقيقي. بعد 11 سبتمبر اعلن الرئيس بوش الحرب على الارهاب، ونحن بصدد ربح هذه الحرب. كذلك الامر تعلّمت اميركا - والكلام لايزال لرايس - إن الانتظار كي يتجمّع الخطر على أمنها القومي، قد يعني ضربات مماثلة لـ 11 سبتمبر، أو أخطر منها. فماذا تعني هذه الجملة؟


دولة رعناء

عندما تقول رايس إن اميركا هي بحال حرب، قد يعني هذا الامر أن الدولة الاميركية، بصدد استعمال كل قدراتها القوميّة لربح هذه الحرب، ونحن نعرف هذه القدرات. كذلك الامر، التشديد على استباق الخطر قد يعني المزيد من الحروب. فاميركا حاليا قد تتحوّل إلى دولة عظمى، ولكن الخطر فيها، في أنها قد تكون ايضا «دولة عظمى رعناء»، كما الديناصور في محلّ لبيع الخزف.

في الجهّة المقابلة، يبدو تنظيم القاعدة مثل المصارع الاصغر، فهو قد حقّق مفاجأة استراتيجيّة، لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا. وأتت نتيجة هذه المفاجأة، اكثر مما كان يتوقّع هذا التنظيم. وبهدف المحافظة على نصره يبدو أن التنظيم تشتّت، وراح ينفّذ عمليات من هنا وهناك فقط للمحافظة على صدقيته بانتظار تنفيذ حادث كبير من حجم 11 سبتمبر.

أما المسرح العالمي، فهو يُمثّل الجمهور حول الحلبة. فالدول المكوّنة لهذا الجمهور اخذت تعيد حساباتها بعد 11 سبتمبر. منهم من اصطفّ حول اميركا، بإرادته الخاصة او رغما عنه، ومنهم من اخذ موقفا ممانعا بالعمق. أما البعض الآخر، فهو ينتظر متفرّجا - الصين مثلا، ولكن الاكيد أن صورة المصارع الاكبر قد اهتزّت في عقول الدول المشاهدة، الامر الذي يُرغم اميركا على السعي بجدّيّة لاسترداد صورة القوّة التي كانت سائدة. أين ما يجري في العراق من كل ما ذكرناه؟

- يعتبر الخبراء والمحلّلون السياسيّون كما الاستراتيجيّون أن تراكمات الفشل للولايات المتحدة الاميركيّة في الردّ على الاعتداءات عليها من قبل القاعدة، هي التي أدّت إلى رسم والإيحاء بأن اميركا هي فعلا وكما قال عنها بن لادن: « اميركا عملاق، ولكنه يقف على أرجل من جفصين». فالحوادث - أي الاعتداءات على اميركا - قد تراكمت في جعبة الولايات المتحدة مُسجّلة نقاطا إيجابيّة لصالح تنظيم القاعدة. فمن محاولة تفجير مركز التجارة العالمي 1993، إلى الاعتداء على البارجة كول في خليج عدن، إلى الاعتداءات في السعوديّة، إلى تفجير السفارات في افريقيا، إلى حادثة الصومال - مقديشو إذ انسحبت اميركا تجرجر وراءها الخزي والعار. لا يمكن لاميركا أن تستمر بقبول الخسائر والسكوت عنها، وخصوصا بعد 11 سبتمبر. من هنا يأتي العراق ساحة اختبار اساسيّة للارادة الاميركيّة. فهل ستقبل اميركا الانسحاب، واختيار العزلة في داخلها وترك العالم لحاله، أم انها ستعتبر أن لديها مهمّة ما ومصالح لا يمكن لها التخلّي عنها، وخصوصا أن العزلة قد لا تعني الأمان للولايات المتحدة الاميركيّة. فها هي ضُربت في عقر دارها، والبحار لم تعد تشكّل حاجزا حاميا لها. إذ القرار - كما يبدو - قرار يقوم على الاستمرار في إدارة شئون العالم، ورسمه ليوافق مصالح الولايات المتحدة. هنا، يشكّل العراق المحور الاساسي لهذه الاستراتيجيّة الاميركيّة الكبرى. وإن نتيجة ما قد يحدث فيه - أي العراق- هي فعلا ستشكّل خريطة الطريق الاساسيّة لعالم ما بعد العراق.

في هذا الاطار، يبدو جليّا أن ما يحدث في العراق على الصعيد التكتي - العملاني، اي في الفلّوجة، أو في المدن الشيعيّة حيث حركة مقتدى الصدر، سترسم نتيجته حتما بالصورة الاستراتيجيّة الكبرى لخريطة الطريق التي تحدّثنا عنها أعلاه. باختصار، التكتي، يرسم الاستراتيجي، وذلك بعكس ما كان يحدث إبّان الحرب الباردة، عندما كان الاستراتيجيّ يرسم التكتي. أي الخوف من الدمار الشامل المتبادل - وهو الاستراتيجي، كان يرسم حدود اللعبة التكتيّة للصراع بين الجبارين، أي كيفيّة إدارة الحروب والصراعات بين زبائن القوى العظمى. من هنا يمكننا القول إن كيفيّة الردّ الاميركي على التنكيل بالجثث الاميركيّة في الفلّوجة، ونتيجته قد يساهمان في رسم البُعد الاستراتيجيّ. فالسكوت عن الحادثة سيعكس صورة ضعف لأميركا حاليّا، وهذا ما لا تريده إطلاقا، وهذا ما كانت قد عانت منه قبيل 11 سبتمبر. وهو الذي تسبّب بـ 11 سبتمبر كما يقول المحلّلون.


معضلة الأميركيين

أين تبدو معضلة القوّة الاعظم - الولايات المتحدة؟

- (1) لا يبدو أن اميركا قادرة على استعمال قوّتها المطلقة ضد الفلّوجة، أو ضد حركة مقتدى الصدر. والمقصود بالقوّة المطلقة، هو كل ما تملك اميركا في ترسانتها من اسلحة. هي تستعمل القوّة النسبيّة، لكن هذه القوّة النسبيّة، وبسبب حجم اميركا، هي قوّة مطلقة كبيرة جدّا مقارنة مع ما يملك العراقيون، لذلك هناك الخسائر الكبيرة بالارواح والعتاد.

(2) كلّما تزايد عدد القتلى، وكثر الدمار، كلّما تعقّدت المهمّة الاميركيّة العسكريّة في تحقيق النتائج المرجوّة، وكلّما أدى هذا الامر إلى عزوف الاميركيين عن استعمال قدراتهم العسكريّة بكاملها، الأمر الذي قد يريح العراقيين ليصمدوا اكثر في مواقعهم. في هكذا وضع، لا انتصار اميركيا ولا تحقيق نتائج، إذ الفشل هو النتيجة. ويعود هذا الامر، إلى أن الوقت يلعب لصالح العراقيين. فكلما طال الوقت للحسم الاميركي، كلما ربح العراقيون. إذ يربح العراقيون إذا استمروا ولم يخسروا في معركة واحدة وحاسمة. ويخسر الاميركيون إذا لم يربحوا في معركة واحدة وحاسمة، وبسرعة. ولا يبدو أن العراقيين سيعطون الاميركيين هذه الفرصة.

(3) إذا الحلّ يكمن في إرادة العراقيين للحلّ السياسي. فإذا صمدوا ورفضوا، قد يعني هذا الأمر أنه لا نصر اميركيا، سياسيا أو عسكريا. لكن السؤال يبقى فيما يريده العراقيون، ومن يستطيع الحديث باسمهم كلّهم؟ هنا يمكن القول إن لاميركا نقطة إيجابيّة. فمن المنطقي، إذا ما ضحّى العراقيون لهدف سياسي ما، أن تأتي هذه التضحية بالهدف المنشود، وإلا ضاعت الاثمان دون مردود.


معضلة العراقيين

إذا قلنا إن اميركا في معضلة، فهل يمكن القول إن وضع العراقيين افضل؟

- طبعا كلاّ، فللعراقيين معضلتهم أيضا. وتندرج هذه المعضلة في أمور عدّة منها:

لكل فريق سياسي - طائفي - إثني، بعد مرحلة صدّام أجندته الخاصة. فمن السعي على الصعيد الطائفي، أو المذهبي، إلى تحقيق الاهداف السياسيّة، وحجز مكان على قطار المستقبل، يبقى أيضا السعي على الصعيد الشخصي للفرقاء.

إذا لم يتّفق العراقيون على شكل النظام السياسي المستقبلي للعراق، فقد يؤدّي هذا الامر إلى حرب أهليّة ومن ثم تقسيم. هذا عدا التأثيرات العراقية على دول المحيط وتركيبتها المعقّدة.

من المفروض، وبسبب تركيبة العراق المتعدّدة المذاهب والاثنيات، أن يأتي شكل الحكم على المبدأ التوافقي Consociational، هذا بغض النظر إذا ما كان الحكم ديموقراطيا أو غيره. وبحسب المُنظّرين في المبدأ التوافقي، يبدو أن أهم دور يُلعب، هو من قبل النُخبة Elites، وهذا بالفعل ما تفتقده الساحة العراقيّة. ونقصد هنا بالنخبة، تلك النخبة السياسيّة القادرة على توحيد الكلمة ولمّ شمل الشارع عبر مشروع وطني جامع وواعد.

وأخيرا وليس آخرا، تبقى معضلة العراقيين في أن مستقبلهم الآتي، هو حتما سيكون كردّة فعل عنيفة على التاريخ الدموي الذي كان أيام حكم البعث. فالحكم السابق لم يؤسّس لقيام نُخب، أو بالاحرى منع قيام النُخب بالقوّة عبر مأسسة استعمال العنف ضدّها. وهو كان قد ضرب وقتل يمنة ويسرة. وهو كان أيضا قد ميّز بين الشعب الواحد، ففضّل أناسا على غيرهم. من هنا عدم ثقة الشعب العراقي ببعضه البعض، وذلك لأن صور حلبجة مث

العدد 597 - السبت 24 أبريل 2004م الموافق 04 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً