العدد 673 - الجمعة 09 يوليو 2004م الموافق 21 جمادى الأولى 1425هـ

المرأة البحرينية والشراكة السياسية و2006!

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

المشهد لا يخلو من تشويش يستدعي السؤال. بماذا استفادت نساء البحرين من تطور عامين ماضيين وخصوصا على المستوى السياسي؟ قد يؤكد البعض: حق دستوري أفسح مجالا واسعا لمشاركة النساء وبمساواة لا تمييز فيها مع الرجال لممارسة حقوق المواطنة وواجباتها كاملة غير منقوصة، أبرزها طبعا المشاركة السياسية، في الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني، والانتخابات البلدية والتشريعية. التوافر على حضور رمزي في بعض الهيئات التمثيلية والوزارات (وزيرة صحة، أمين عام مجلس أعلى نسائي بدرجة وزير، سفيرة، مديرة جامعة، بل مديرات لمدارس البنات على طول البلاد وعرضها... الخ).

بمعنى أن الدولة قامت بالواجب و(ما قصرت) على رغم كون هذه التدابير بطيئة ومحدودة وتقتصر على الموالين للحكم. أيضا موقف صامت وخجول تجاه قانون الأسرة المركون في الأدراج لأسباب معروفة عند الجميع. على أي حال، كل ذلك جيد ومهم. ولا حرج من السؤال ثانية، هل ردم هذا التقدم هوة الحضور النسائي في المجال العام؟ هل صار أمر غياب نساء البحرين عن مراكز القرار والسلطة والمسئولية أمرا في خبر كان؟ هل ما تحقق يتناسب مع النضالات والتصورات والطموحات، والتزامات الدولة محليا وعربيا وعالميا تجاه الاتفاقات الدولية وبروتوكولاتها؟

مرحلة مشروع الإصلاح السياسي باتت قاب قوسين وأدنى لتودع شرنقة انتقاليتها (من المرحلة الانتقالية)، كي تصبح أمام استحقاق وتحد حقيقي يسأل عن ماهية وهوية المشروع الإصلاحي برمته. كيف لا والمواطن شهد تجربة عامين مع البرلمان (سلطة الشعب) وهو يراقب ويحاسب ويطالب بتسوية مستحقات التأمينات التقاعدية لأعضائه، ولم يتبق له من العمر غير سنتين أخريين، يعلم الله كيف سيكون أمر التشريع والرقابة والمحاسبة فيهما. كيف لا وصوت المعارضة يعلو يوما بعد يوم للمطالبة بتعديل دستوري لا ينتقص من مكتسبات المواطن الدستورية ولا حقوق المواطنة وواجباتها. السؤال المهم للجمعيات النسائية: كيف يقيمن مساهمتهن في مختلف هذه الاستحقاقات من المشهد العام؟ بمعنى أين موقعهن من الأعراب؟

البرلمان في بلدنا كما في بلدان العالم، مؤسسة تشريعية تناقش فيها القوانين والبرامج وتتخذ القرارات، ولكن حالنا ليس كبقية بلدان العالم، نساء البحرين غائبات عن الحضور فيه، إرادتهن السياسية منقوصة، والمعوقات أمامهن كثيرة وتعود إلى عوامل متعددة ومتنوعة. ماذا في جعبة الجمعيات النسائية للمستقبل القريب والبعيد، كي تتجاوز المشهد الذي لا يسر، وتقفز بخطوة إرادية إلى مراكز اتخاذ القرار؟ وخصوصا أن التهيؤ إلى الانطواء تحت قبة البرلمان يشكل خطوة أولى باتجاه رفع العراقيل لأجل التأثير على المواقف والقرارات عامة وتلك التي تخص قضايا النساء خاصة.

إلى ذلك، نكرر الدعوة إلى الجمعيات لتجاوز هذا العجز الذي تعاني منه، سواء في طرق عملها الاستعجالي غير المبرمج، أو ما يغلب عليه من ردود فعل تنشط قبيل الانتخابات بفترة قصيرة. كل ذلك يعني تفعيل الطرق البناءة والاستعداد المتواصل والدائم والمرونة.

الحدث السياسي يعني نساء البحرين

سيقفز أمامنا من يسأل: ماذا عن قراري المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات المقبلة؟ أي موقف على الجمعيات النسائية اتخاذه؟ أيا كان القرار والقناعة، فلا مانع من التفكير في كيفية الوصول إلى البرلمان، ومن ضرورة إدراك النساء قواعد وإجراءات اللعبة السياسية، كيفية التشريع في البرلمان، أمر لا مناص من الإلمام به. فضلا عن التعرف على المعارضة الدستورية والسياسية وتنظيماتها وجميع أطراف اللعب السياسية الرسمية منها والمدنية. فالنساء يعنيهن الحدث السياسي في المجتمع، ولابد أن يكن على دراية وموقف منه. ومناقشة قضايا التعديل الدستوري والتجنيس والتأمينات الاجتماعية وقانون الأسرة والتشريعات والقوانين كافة التي تم إقرارها أو التي ستقر مستقبلا، لها علاقة مباشرة بنساء البحرين. حتى موقف الدولة تجاه القضايا العربية «فلسطين والعراق»، ومؤتمر الثماني يهم النساء أيضا، وعلى من يعلمن بأمرها أن يُعلمنَ من لا علم لهن بها، وهذا أبسط واجبات المواطنة.

ويجب بالضرورة أن يشكل هذا القلق محور اهتمام من قبل الجمعيات النسائية قيادة وقواعد. فشعارات التمكين، وقضايا التمييز والعنف ضد النساء والاحتفال بالأعياد والمناسبات ودورات الماكياج ومشروعات الأسواق الخيرية وأطباقها بشتى الأشكال والألوان على علاقة كبيرة ووطيدة بالسياسة والشأن العام. لست أنا من يقول ذلك، الواقع يؤكده وميثاق العمل الوطني والدستور، عليكم بمراجعتهما للتأكد. والسؤال: أمازالت الجمعيات النسائية بعيدة عن ضوء الحدث أم في قلبه وعيونه؟ للإجابة، ربما على نساء البحرين المبادرة أولا بمساءلة الجمعيات النسائية وباستمرار، حتى يتأكد الجميع من أهليتها لقيادة العمل النسائي.

هل مشاركة النساء في مراكز صنع القرار تؤدي حتما إلى تغيير أوضاعهن وأوضاع المجتمع برمته؟ لنفككها. المشاركة بحد ذاتها مؤشر على درجة تطور الممارسة الديمقراطية وتمثيلها لأفراد المجتمع، ولكن مع ذلك تبقى الديمقراطية واقعا نسعى إلى تحقيقه ولا نُمنعَ كمواطنين ومواطنات عن العمل على تحقيقه. وعلينا السؤال عن سر غياب النساء في المفاوضات بشأن التعديل الدستوري. ونسأل الدولة كمواطنين عموما وكنساء خصوصا ماذا فعلت من إجراءات وآليات ووسائل لتقليص الفجوات واللاصدقية لإزالة التمييز والتهميش وإقصاء النساء في مؤسسات الدولة أو حتى المؤسسات السياسية؟ هل بادرت الدولة وسعت إلى تغيير قانون الانتخاب من أجل تحسين تمثيلية النساء؟ كيف؟ ما جدية المبادرات في تضمين القانون الانتخابي إجراءات إيجابية تهدف إلى تحقيق تمثيل حقيقي في مراكز القرار والمؤسسات السياسية؟ وإذا نفذ ذلك فكيف وأين؟ هل هناك مساءلة للمؤسسات السياسية القائمة عن مدى التزامها بتوفير تمثيلية حقيقية للنساء وذلك بتضمينها بنودا في القوانين المنظمة لعمل هذه المؤسسات بحيث تساعد على تمثيل أكبر للنساء في مجالس إداراتها؟ كيف؟

ديمقراطية ولا شراكة لنصف المواطنين

عدد نساء البحرين يقارب ما نسبته 49,4 في المئة من مجموع السكان، أي ما يعادل النصف، والقضايا المرتبطة بتحسين جودة حياة المواطنين والمواطنات تهمهن، ولابد من إشراكهن، وهن يتطلعن ليكن طرفا في الحوار والمشاركة في اتخاذ القرار. فجميع القرارات وعلى المستويات كافة تمسهن بشكل مباشر وتؤثر على ظروفهن (من تعديل دستوري وقضائي، ونوع الخدمات، انقطاع الكهرباء، مواقع العيادات الصحية، خصخصة نقل القمامة ومراكزها، رصف الشوارع، مواقع المدارس وخصخصة التعليم وفتح المزيد من الجامعات الخاصة، والأسواق، التجهيزات، الأمن، الصحة، الاتفاقات الدولية التي توقعها الدولة وعلى المستويات كافة عربيا وأجنبيا) كلها أمور تهم نساء البحرين كما رجالها. وعلى رغم ذلك يبدو أن وجود النساء في المجال العام بسبب التحولات لم يؤثر كثيرا على الرؤية النمطية لهن ولا على التقسيم التقليدي للأدوار بين الجنسين، لا بل لم يفسح لهن المجال للتأثير على اتخاذ القرار والمشاركة فيه. وهذا ما يدعو إلى السؤال: هل من خطة استراتيجية تتمثل في تقوية مؤهلات المواطنة عند النساء وإشراكهن في القرار والتنمية وتسيير الشأن العام؟

هل هناك خطة أصلا؟

إذا كان وضع المرأة مرهونا بالمجتمع، فلاشك أن ذلك يهم جميع المواطنين والهيئات من مؤسسات سياسية وجمعيات مجتمع مدني. الكل مطالب بإبداء رأيه واتخاذ المبادرات. إلى ماذا يقود هذا؟ يقود إلى الجدية والابتعاد عن توظيف ما هو ضد حقوق المرأة كالأعراف والقوانين وما شابه، فهي جميعا تعتبر تهديدا للمكتسبات الديمقراطية، وتملصا من الالتزامات (أبرز مثال الموقف من قانون الأسرة) فعدم إقراره إلى الآن يعتبر بحق إقصاء للجهود والتضحيات التي بذلها المواطنون والمواطنات منذ أجيال. الجمعيات النسائية أولى بإعادة تفكيرها ومناهج عملها حتى تحقق تقدما ملموسا في رفع مستوى مشاركتها السياسية، هذا إذا أخذ في الاعتبار تميز نشاطها بالطابع الظرفي وغير الخاضع للتخطيط الاستراتيجي.

نساء البحرين عامة مدعوات إلى الانخراط في مجالات النشاط السياسي وبنوعية تعكس التاريخ النضالي للحركة النسائية البحرينية. لابد من أن يفرضن نضالاتهم في التنظيمات السياسية، ويسعين إلى فتح منافذ للحوار مع أطراف اللعب السياسي، وقد يكون ذلك لصالح الحركة النسائية وتقويتها وبما يجعل المؤسسات السياسية وحتى الدولة تعيد ترتيب أولوياتها بناء على موازين القوى.

آليات تجاوز ضعف الواقع وهشاشته، كثيرة ومتعددة، تتطلب تشجيع النساء للولوج في السلطة، والأهم مبادراتهن، وتعزيز التضامن معهن، وتوعيتهن بضرورة الانضمام إلى النشاط التشبيكي (التشبيك) ذي الأهداف المشتركة، وتشكيل لوبيات لمواجهة آليات التهميش، وقيادة حملات تعبئة تساهم بتنقية صورة المرأة في ذهنية المواطن ووسائل الأعلام، تلك الصورة التي تتضمن مفاهيم تخل بكرامة المرأة وتكرس التمييز واللامساواة.

موعد مع 2006

لكي يكون للجمعيات النسائية موعد مميز مع انتخابات 2006، مغايرا نوعا وكما عن انتخابات 2002، سواء أكان هناك تعديل دستوري، توافق أو تعارض، قرار بالمشاركة أو المقاطعة. نؤكد حتى يكون الموعد مجزيا لنساء البحرين، تحتاج الجمعيات النسائية إلى رؤية فاحصة وعاجلة لحالات الإقصاء ومناهضتها في المتخيل الجمعي، وعلاج الغموض في الخطاب المتعلق بدخول المرأة إلى معترك الساحة السياسية وكعنصر شريك ونشط. الفحص يمتد ليشمل خطاب الجمعيات السياسية بكل أطيافها. الأمر يتطلب مصارحة وتوحيدا للمفاهيم المرتبطة بمبدأ الشراكة والمساواة وآلية التمكين من حصص أو نسب أو حتى مناصفة. والدولة قبل غيرها مطالبة بتنفيذ التزاماتها الدولية بضرورة إشراك المرأة واتخاذ تدابير تمكينها لمشاركة أكثر أنصافا وفاعلية. الجمعيات النسائية بحاجة إلى تشكيل «لجنة» تتأمل من الآن في الواقع وتعد استراتيجية إعلامية تتحسس الرأي العام بحقوق المرأة واكتشاف طرق جديدة ووسائل عن قرب للوصول إلى أوساط المجتمع وخصوصا الشباب والشابات، حتى تقلل من مقاومة فكرة المساواة، وتسعى إلى تغيير الذهنيات والسلوكيات المناهضة لمشاركة المرأة السياسية وفي قضايا الشأن العام.

وبعيدا عن ردود الفعل المتسرعة، والانفعالية من جهة، المشهد لا يخلو الآن من الوضوح. إذ يحتاج إلى فتح نقاش يضع مواطنة المرأة البحرينية في أولوية الأجندات وفي صلب تحديات حداثة المجتمع، يعنى استراتيجية تنموية نضالية صادقة وطويلة النفَس.

كاتبة بحرينية

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 673 - الجمعة 09 يوليو 2004م الموافق 21 جمادى الأولى 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً