العدد 909 - الأربعاء 02 مارس 2005م الموافق 21 محرم 1426هـ

دمعة من عيون مناضل

أحمد البوسطة comments [at] alwasatnews.com

تحدث بهدوء عن مقدمات لحظة تطبيق قانون أمن الدولة سيئ الذكر، ولاحت في عيني المناضل النقابي عباس عواجي دمعة كبيرة محتقنة بين جفونه، لو سقطت لبللت البحرين كلها، لكنها أبت أن تكسر صلابته وشجاعته وكبرياءه أو تبلل حتى خده.

قال وهو يجر نفسا عميقا وفي حلقه غصة كادت تمنعه عن الكلام في محاولة لتنشيط ذاكرته: "كان ذلك في العام ،1974 إذ قدمنا إلى "محاكمة" بعد اعتقال ضمني ورفاقي أحمد الذوادي ويوسف العجاجي وعبدالهادي خلف وأحمد الشملان وعبدالله راشد البنعلي، في إطار قانون الطوارئ المعمول به قبل "شرعنة" قانون أمن الدولة ومحكمتها، الذي كان يجري الحديث عنه آنذاك، ورفضت الكتل النيابية المختلفة تمريره في المجلس الوطني حتى لا يكون سيفا مسلطا على رقاب المواطنين، غير أنه تم تنفيده في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 1974 من دون إقراره وتشريعه في البرلمان".

اتفق الستة فيما بينهم، على إشارة رفع "الابهام" إلى الأعلى في حال الافراج لكل واحد منهم بعد خروجه من المحكمة التي "لا تدين ولا تبرئ" وانما "تحتجز من دون تحديد المدة أو تفرج"، وانزال "الابهام" إلى الأسفل في حال استمرار الاعتقال، وبذلك انقسم المعتقلون الستة إلى فريقين لكل منهما ثلاثة لاعبين: فريق مفرج عنه رفع ابهامه إلى الأعلى ضم الشملان وخلف والبنعلي، إذ غادر الأخيران إلى خارج البلاد بعد اطلاق سراحهما، وظل فريق "ثلاثي" محتجزا في المعتقل بعد إشارة سفلية لـ "الابهام" أحزنت بطبيعة الحال "الرفاق" المفرج عنهم، بينما فرح الفريق الثاني بـ "الإفراج عن الفريق الثاني" بالزغاريد والهتاف!

كان عباس عواجي يرجع بذاكرته إلى الوراء ويحاورها لحظة خروجه من المحكمة مستذكرا الدقائق الأولى: "إن الشرطة سمحت لي بمقابلة زوجتي وابني بدر الصغير آنذاك، وطمأنتهما بأن الغياب عنهما لن يكون طويلا، ثم افترقنا".

بعد فترة وجيزة حل المجلس الوطني وجرت اعتقالات بين صفوف السياسيين الوطنيين في ،1975 من بينهم إبراهيم بشمي وعباس هلال وعبدالله مطيويع وآخرون كثيرون في إطار قانون أمن الدولة الذي أول ما طبق علينا وعليهم، وبمضاعفة المدة وتجاوزها للقانون الذي وضع وفرض على الناس من دون الالتزام حتى بمواده.

والعجب أن يفرض قانون تعسفي ومع ذلك لا يلتزم بمواده المنصوصة على سوئها، وأيضا يمارس خرقه علانية على يد رجال المخابرات أمام سمع وبصر المواطنين والحقوقيين من المواطنين والمنظمات الحقوقية العالمية، وكأنه يعيش على كوكب آخر، فيما تصل الأمور إلى مواصيل مضحكة مبكية، حين يطالب معارضوه من الحكومة أقلها تطبيق نصوصه إذا لم ترد إلغاءه!

وفيما يجيز هذا القانون الحجز الإداري لمدة ثلاث سنوات للمعتقلين تمادى المسئولون المفترضون على تطبيقه في "تلذذهم" بالتعذيب وممارسة الأذى للمعتقلين السياسيين، وتم تغييبهم لمدد تجاوزت الست والتسع سنوات؛ ولا بأس، فقد وجد المعتقلون "حسنة" في هذا القانون السيئ، وهي انه في أثناء جرجرتهم إلى محكمة أمن الدولة يزودونهم بملفات ضخمة بها سيرة حياتهم النضالية، وما هو مسجل "مخابراتيا" من تحركات ونشاطات واجتماعات خلايا مدونة بالأماكن والتواريخ، إضافة إلى الاعترافات عليهم وما إلى ذلك من "أدلة إدانة" منزوعة تحت التعذيب أو ملفقة.

هذه الملفات هي "الحسنة" الوحيدة في قانون أمن الدولة، يستغلها المعتقلون الذين يحاكمون بموجب هذا القانون لقراءة ملفاتهم لكتابة مرافعاتهم، وفرصة للقاء أهاليهم، على رغم انهم اتفقوا على عبارة واحدة في مرافعاتهم أمام محكمة أمن الدولة وهي: "إنني أرفض قانون أمن الدولة كما رفضه الشعب ممثلا في أعضاء المجلس الوطني لأنه من عهود السيطرة الأجنبية".

ومن سخرية الظروف أن هذا القانون السيئ جدا "قبل إلغائه في العهد الجديد"، كان مجلس الشورى المعين في التسعينات وسع صلاحياته في مناقشة لم تستمر أكثر من ربع ساعة؛ أليس بعد ما حدث من حق الشعب أن يخاف...؟

مناسبة هذا الحديث ليس نبشا في الماضي الأسود، وانما خشية من تكراره، وعلى الذين يسعون إلى تأريخ وأرشفة وتدوين التاريخ الوطني التوجه إلى وزارة الداخلية لمطالعة ملفات المعتقلين لديها في إطار حق الوصول إلى المعلومات، أو أن انتهاج نهج الديمقراطيات العريقة مثل بريطانيا للكشف عن الوثائق التي زاد عمرها في صناديق المخابرات ثلاثين عاما... والله من وراء القصد

العدد 909 - الأربعاء 02 مارس 2005م الموافق 21 محرم 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً