العدد 94 - الأحد 08 ديسمبر 2002م الموافق 03 شوال 1423هـ

الأسقف فيليب غبوش الشريك الثالث بعد الإنقاذ وقرنق في قسمة السودان

مؤتمر جبال النوبة يطالب بحق تقرير المصير

محمد أبوالقاسم حاج محمد comments [at] alwasatnews.com

.

في اليوم الأول لعيد الفطر المبارك (1 شوال 1423هـ) الموافق 5 ديسمبر/ كانون الأول 2002 أفطر الصائمون في السودان على قرارات المؤتمر الإستشاري لجبال النوبة (في جنوب وسط السودان باتجاه الغرب) الذي عقد لمدة ثلاثة أيام باشراف قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق وذلك في القطاع الجغرافي من جبال النوبة التي تبلغ عدتها تسعا وتسعين جبلا، سبق لحركة قرنق أن اقتسمتها مع حكومة الانقاذ بموجب اتفاق بينهما عقد في سويسرا برعاية أميركية بتاريخ 19 يناير/ كانون الثاني 2002. وقعه عن حركة قرنق قائد عملياتها في هذا القطاع عبدالعزيز الحلو فيما وقعه عن الانقاذ وكيل وزارة الخارجية مطرف صديق نميري، ومن يومها جرى «وقف اطلاق النار» بينهما.

أصدر المؤتمرون قرارات تنص على «حق تقرير المصير» لمنطقة جبال النوبة، وبحيثيات دستورية مماثلة لتلك التي ستطبق في جنوب السودان بعد الاتفاق المنتظر وبرعاية أميركية أيضا في مشاكوس (كينيا) أو واشنطن.

ولتأمين «شرعية» هذه القرارات وشعبيتها تم توحيد الأحزاب الأربعة الرئيسية في جبال النوبة، وهي الحزب القومي الحر، والحزب السوداني الحر، والحزب القومي السوداني - القيادة الجماعية، واتحاد جبال النوبة في حزب جديد «جامع» أطلقوا عليه «الحزب القومي السوداني المتحد» وتولى رئاسته الأسقف السوداني لجبال النوبة الأب فيليب عباس غبوش.

من هو الأب غبوش؟

يحلو لي أن أسميه «العم» فيليب لتقدمه في السن فهو من مواليد الأول من يناير 1924 حيث سيحتفل في مطلع يناير العام 2003 ببلوغه سن التاسعة والسبعين.

يعيش في جبال النوبة وينتمي إلى قبيلة «حجر سلطان»، ونال تعليمه الأولي في الجبال في مدرسة «سلارا - الدبخ» ثم كلية «موندري» في جنوب السودان. سمي راعيا للكنائس الأسقفية في السودان في الفترة (57 - 1962) ثم للكنائس الأسقفية في غرب السودان في الفترة (63 - 1964).

بدأ انتماؤه للنشاط السياسي في العام 1946 حين انتسب «للكتلة» السوداء التي أسسها آدم أدهم التي تأسست بعدها «المنظمة الاجتماعية لجبال النوبة» العام 1945، وانتخب نائبا في البرلمان السوداني في دورتي 1965 و1968، من الجبال، ثم عضوا في مجلس الشعب في فترة نميري (1980/1981)، حاليا هو نائب في مجلس الانقاذ عن احدى دوائر الخرطوم (منطقة الحاج يوسف).

الأب فيليب من انصار بعث الثقافات الافريقية «المحلية»، وله رأي/ موقف نشر في «المجلد العاشر - العدد السابع - مجلة تراث - تاريخ 18 فبراير/ شباط 1986) اذ يرى أن بعث ثقافة النوبة هو احدى أكبر المشكلات. فتطوير الثقافة الافريقية يبدو خارج متناول اليد، وأنها تتطلب مزيدا من تركيز الشباب عليها بهدف تجميع/ تراث الاسلاف/ الذي بقي في الحوزة، مع تطبيقه على الحياة المعاصرة ومع دعوة الحاكمين «لتقدير هذا التراث واعتباره».

اختيار «العم فيليب» على رأس الأحزاب النوبية الموحدة لا يعدو كونه «رمزا» بحكم عامل السن المتقدم ولكن التعامل معه يرتبط أيضا بمكانته الاسقفية العالية في السلك الكهنوتي، ولكن الأهم من ذلك أن اختياره لهذا المركز هو «مصيدة سياسية نصبها له جون قرنق بالذات.

فما من أحد يستطيع أن يعطي «قضية» جبال النوبة «بعدا عالميا مسيحيا» كالأب فيليب وانطلاقا من بابوية الفاتيكان بالذات، والأصولية المسيحية من الولايات المتحدة والكتلة السوداء في الكونغرس... و.... و.

ويحتاج قرنق «العم فيليب» لأبعد من الفضاء المسيحي العالمي، وذلك لتعزيز مخططه الذي يتطلع لربط مصير «جبال النوبة» كما منطقة «آبيبى» و«جبال الأنقسنا» بخريطة الجنوب بعد التسوية في مشاكوس وواشنطن.

جبال النوبة وازدواجية الانتماء

مبعث قرنق للاستعانة بالأب فيليب ناتج عن «ازدواجية انتماء» جبال النوبة للشمال وللجنوب في آن واحد، فانتماء جبال النوبة للجنوب هو «انتماء سياسي» منذ أن الحق البريطانيون هذه الجبال وسكانها بقانون المناطق المغلقة في العام 1922 والقاضي بعزل الجنوب وجبال النوبة عن الاتصال والتفاعل مع الشماليين (منشور السياسة العامة للجنوب - 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1921).

احتج قادة الحركة الوطنية على تلك السياسات في مذكرتهم للحاكم البريطاني العام بتاريخ 3 ابريل/نيسان 1942 وبالذات «منع الانتقال» و«فصل مناهج التعليم» في البندين (5) و(12) غير أن الحال استمر على ما هو عليه إلى انعقاد مؤتمر «جوبا» الذي أعاد توحيد هذه المناطق مع شمال السودان في 12 يونيو/حزيران 1947.

أما من ناحية الارتباط الجغرافي والحضاري والتاريخي فإن جبال النوبة وسكانها يعادلون 5 في المئة من سكان السودان البالغ عددهم 30 مليونا هم أقرب للارتباط بالشمال - إذ يرجع أصل قبائلهم الرئيسية وهي الهيبان (HEIBAN) والبورام (BURAM) والكاتشا (KATSHA) والمورو (MORU) إلى حضارة «وسط» السودان التي سادت حوالي منطقة التقاء النيلين وعرفت بحضارة «مروى» في الفترة ما بين 590 ق.الميلاد إلى 350م وانعزلوا بعدها في جبالهم في جنوب وسط السودان باتجاه الغرب، ولم يعايشوا فترة الممالك المسيحية في السودان التي امتدت مدى ألف عام بعد سقوط «مروى» ثم فوجئوا بحملات الاسترقاق التركي الخديوي المصري بحيث توسعت سلالة محمد علي باشا باتجاه السودان بداية من العام 1821.

وهي حملات شنها منذ العام 1831 حاكم كروفان رستم بك واسترق فيها 1400 من صغار السن ثم في العام 1832 استرق 1500 آخرين، فالبالغون سن الحلم منهم وضع حول أعناقهم «وتد خشبي مدبب». وقيد الأطفال بأربطة جلدية، وهرع المسنون لقمم الجبال وشقوا أحشاء زوجاتهم وذبحوا أطفالهم ثم عمد كثير منهم للانتحار.

في سنوات العزلة، أو «قرون العزلة» لم يتسرب إلا قليل من العرب - ابناء وسط السودان وشماله - إلى جبال النوبة في القرن الثامن عشر، وساهم هؤلاء أيضا في الاسترقاق. إلى أن جاء الاسترقاق الكبير على يد الخديوية المصرية التركية.

ثم من بعد الحكم الثنائي البريطاني/ المصري بدأ استقرار بعض (الشماليين) في تلك الجبال قبل صدور قانون المناطق المغلقة، ثم أعقب ذلك القانون «الغاء الرق» في العام 1927.

ولم ترتبط المنطقة بما حولها إلا حين بوشر بإدخال زراعة القطن إليها العام 1940 حيث مدت إليها شبكات مواصلات «بدائية» وبدأت تحظى ببعض الخدمات الأولية.

غير أن بداية حرب الجنوب في السودان (أغسطس/ آب 1955) أثارت مخاوف ابناء جبال النوبة من جديد وذلك حين هرع التجار الشماليون الذين كانوا وفدوا إلى الجنوب بعد رفع قانون المناطق المغلقة إلى جبال النوبة بعد أن تدهورت أوضاعهم في الجنوب الثائر، وهم نوع من التجار يطلق عليهم «الجلابة» ولا يختلفون كثيرا في طباعهم عن «تجار الرقيق» السابقين.

مع ذلك تم تداخل ابناء جبال النوبة مع ابناء وسط السودان وشماله «سلبا وايجابا» واشتهروا بفروسيتهم الفائقة في «قوة دفاع السودان» ثم في الجيش السوداني بعد الاستقلال العام 1956، وكادوا في مرحلة من مراحل ثورة 1924 المسلحة ضد البريطانيين التي عمت معظم أنحاء السودان أن يستقلوا بجبالهم التسعة والتسعين حتى هزمتهم بريطانيا في 28 نوفمبر 1924.

ولكن مع ذلك ظل الصراع القبلي قائما ما بين قبائل النوبة والقبائل الرعوية العربية المحيطة بجبالهم وبشكل خاص «الحوازمة» و«المسيرية» الموالون تقليديا لطائفة الأنصار المهدويين.

لهذا طالب ابناء جيل النوبة بعد توقيع اتفاق أديس أبابا للحكم الذاتي الاقليمي للجنوب العام 1972 باعطاء منطقتهم «الحكم الذاتي» أيضا والعودة للترسيم الاداري وفق عامي 1918 و1927، يتقدمهم في هذا المطلب «الاتحاد العام لجبال النوبة» الذي انشئ العام 1965 طالب ذلك الاتحاد «بالحكم الذاتي» و«بحقوق المواطنية المتكافئة» وبالغاء أسخف ضريبة مذلة في التاريخ الانساني، وهي الضريبة على «وجود الانسان نفسه» وفرضها الحكم الخديوي وهي «الضريبة على الوجه أو الرأس» ويطلق عليها «الدقنية» نسبة إلى «الذقن».

عشرون عاما من 1965 وإلى 1985 ظلت الجبال على صراعاتها مع محيط القبائل الرعوية العربية، ولم يستجب أحد في الخرطوم لاوجاعها وأناتها حتى تحرك جون قرنق معلنا ثورته لتحرير (كل السودان) في العام 1983 في حين كان نميري والجبهة الإسلامية بزعامة الشيخ حسن الترابي يعلنون فرض قوانين سبتمبر 1983 ووصل «الكرباج» إلى مسيحيي النوبة أيضا. فتوحد هناك ما هو «نوبي» له أناته الذاتية بما هو «مسيحي» فلا عجب أن ينهض منهم لمناصرة حركة قرنق المرحوم يوسف كوة غير أن نميري ومن معه جيشوا القبائل العربية الرعوية ضدهم فكان أول مطلب نوبي بعد سقوط نميري في 1985 هو نزع سلاح القبائل التي تحولت إلى ميليشيات ضدهم. وجاءت المطالبة من اتحاد جبال النوبة (MNGO) ولم تستجب حكومة سوار الذهب ثم عززت حكومة السيد الصادق المهدي تسليح تلك القبائل/ الميليشيات طوال فترة حكمها النيابي (1986/1989).

حين أعلن نميري والاسلاميون قوانينهم في العام 1983 أعلن أعضاء الاتحاد الاشتراكي في جبال النوبة وعلى رأسهم «رئيس اللجنة» يوسف كوة رفضهم التام وبدأ الاتجاه نحو حركة قرنق التي سرعان ما استوعبت الكثير من ابناء النوبة الاشداء ثم مدت عملياتها لجبالهم في 1985 وفي الخامس من يونيو بقيادة يوسف كوّه ودانيال كودي.

شهدت المنطقة في فترة رئاسة الصادق المهدي لمجلس الوزراء النيابي (86/1989) اعنف الاشتباكات الدموية فاراد المهدي شرعنة دعم القبائل الموالية لطائفته عسكريا ضد النوبة فطرح في فبراير/ شباط 1989، وقبل انقلاب الانقاذ بأربعة اشهر مشروع (قوات الدفاع الشعبي) ويقصد المليشيات القبلية ثم تبنى انقلاب الانقاذ ومشروع المهدي نفسه واصدر به مرسوما بتاريخ 6 نوفمبر 1989 فاشتعلت المعارك الدموية وكان اقساها معارك الفترة ما بين 22 إلى 26 يناير/ كانون الثاني 1990 حين شهدت نزوح اعداد كبيرة من ابناء النوبة مع تفشي المجاعات والاوبئة. واستمر الوضع حتى ابرام اتفاق سويسرا بين حكومة الانقاذ وحركة تحرير (كل شعب السودان) في 19 يناير 2002.

ترشيح الاب غبوش نائبا أولا للرئيس البشير

كان لابد من وضع حد «لغباء» الشماليين في عهودهم النيابية والعسكرية معا، واقصد الحاكمين منهم، فطرحت اثناء مشاركتي في الخرطوم في مداولات «اللجنة التحضيرية» التي شكلها النظام تمهيدا لما اعلنوه وقتها عن «الوفاق الوطني» بأن تتضمن خطة التجديد لرئاسة البشير الثانية الاعلان عن اختيار الاب فيليب عباس غبوش نائبا اولا لرئيس الجمهورية محاولا بذلك «قطع الطريق» على تحالف حركة قرنق مع قوى النوبة في الجبال.

وكان تاريخ اقتراحي هو يوم السبت 8 يوليو/تموز 2000 (الموافق 6 ربيع الثاني 1421هـ) وترأس الجلسة البروفسور ابراهيم احمد عمر الذي اصبح فيما بعد الامين العام لحزب النظام «المؤتمر الوطني».

ثم نشرت رأي ودوافعي بالتفصيل في صحيفة «الصحافي الدولي عدد 225 - السنة الاولى - تاريخ 11 يوليو 2000). وبقيت ادافع عن رأيي هذا طوال جلسات اللجنة التحضيرية التي ترأس بعضها النائب الاول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمود طه ثم المشير سوار الذهب من 31 يوليو إلى 20 اكتوبر/ تشرين الاول 2000 وبح صوتي وتقلصت امكاناتي ولم اجد غير السخرية والتهكم.

والادهى والامر ان الذين انشقوا عن حركة قرنق من قادة النوبة وهم محمد هارون كافي واسماعيل علي سعد الدين وعبدالباقي حميدان كبير والذين حاولت التنسيق معهم منذ لقائي بهم في الخرطوم في فبراير 1997 وكانوا قد انشقوا قبل عام واحد.

هؤلاء «همشت» الانقاذ دورهم واستهلكتهم في انظمة «الولايات»، وحين بدأ الضغط الاميركي السويسري للتفاهم على اوضاع جبال النوبة فاوض الانقاذ عن «نفسه» في مقابل ممثل قرنق من ابناء النوبة وهو عبدالعزيز آدم الحلو عوضا عن ان يفاوض الانقاذ عبر ممثل له من جبال النوبة نفسها وهو محمد هارون كافي. علما بأني كنت على علم بتحركات سويسرا والترويج في الخرطوم منذ يوليو 2000. ووجهت ببعض الصحف سؤالا عن هذه التحركات للاستاذ مطرف صديق نميري بتاريخ 14 يوليو 2000 (الصحافي الدولي) فاجاب «الاطروحات السويسرية!! ليس لديّ اي علم بهذه الافكار». وقد كان مطرف وكيلا لوزارة الخارجية وهو الذي وقع عن الانقاذ اتفاق سويسرا في 19/1/2002.

والادهى والامر ان ما حدث لقيادات النوبة مع «الانقاذ» بعد قدومهم إلى الخرطوم اثر انشقاقهم عن حركة قرنق العام 1996، هو عين ما حدث للقيادات الجنوبية كرياك مشار وتعبان قاي واخرين من الذين وقعوا اتفاق السلام من الداخل في 21 ابريل 1997، إذ خضعوا للتهميش فتقدم رياك مشار (رئيس مجلس تنسيق الجنوب) باستقالته في 31 يناير 2000 ثم أعلن في كينيا توحيد قواته مع قرنق في 8 يناير 2002. وكذلك استقالة تعبان قاي من وزارة الدولة للطرق في 6 ديسمبر 2000 وأخيرا استقالة لام اكول الذي سبق ان وقع اتفاق سلام «فاشودة» في 20 سبتمبر/ايلول 1997 وانسحابه هو وبعض القيادات الجنوبية اثر مذكرة احتجاج على التهميش قدموها بتاريخ 27 اكتوبر 2001 ومازال الحبل على الجرار.

اذن اهنئ «العم فيليب غبوش» على اختيار ابناء جبال النوبة وقرنق له «شريكا ثالثا» في تسوية اوضاع السودان، واتوجه بالعزاء لاهلي في شمال السودان ولاصدقائي من قيادات جبال النوبة ناصحا لهم بتقديم التهنئة... فمن هم في الخرطوم «غير مؤهلين» لقيادة هذا البلد

العدد 94 - الأحد 08 ديسمبر 2002م الموافق 03 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً