العدد 2493 - الجمعة 03 يوليو 2009م الموافق 10 رجب 1430هـ

أفغانستان والعراق... خطوتان أميركيتان متعاكستان

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هجوم في أفغانستان وإعادة تموضع في العراق. خطوتان عسكريتان أميركيتان متعاكستان في منطقتين تشكلان جوهر المأزق السياسي لإدارة واشنطن في عهد باراك أوباما. المشكلتان موروثتان عن فترة جورج بوش في اعتبار أن أفغانستان كانت البداية في انزلاق الإدارة الأميركية في مشروع التقويض و«الحروب الدائمة» بذريعة تسديد ضربات استباقية للعدو حتى لا يكرر تلك الهجمات في 11 سبتمبر/ أيلول 2001. والعراق شكل نهاية لهجوم راهن عليه بوش بوصفه يشكل فاتحة انقلاب في منطقة «الشرق الأوسط» يعيد ترسيم الخريطة السياسية في دائرة استراتيجية وغنية بالثروات.

البداية كانت في أفغانستان والنهاية في العراق وبينهما سقطت الولايات المتحدة في تجربة مؤلمة أضعفت موقعها الدولي وأدت إلى انهيار معسكر «تيار المحافظين الجدد» وخروجه منهزما من البيت الأبيض.

بارك أوباما الآن أمام تحد كبير إذ عليه أن يختار بين تكرار تجربة بوش الفاشلة ميدانيا أو أن يعدل السياسة باتجاه التأقلم مع الأمر الواقع والذهاب نحو ابتكار آليات ذكية للتطبيع مع تكوينات المنطقة الجغرافية وتضاريسها البشرية والثقافية.

الخطوتان المتعاكستان في أفغانستان والعراق تشيران إلى أن الإدارة الأميركية لاتزال تتراوح في منطقة وسطى بين الخروج من دائرة بوش أو الاضطرار إلى الاستمرار فيها.

أوباما حتى الآن لم يحسم خياراته النهائية على رغم ما أظهره من اختلافات في الرؤية والنهج مقارنة بسلفه بوش. فالرئيس الديمقراطي تورط خلال معركة التنافس الانتخابية في مجموعة وعود بالغة الصعوبة ميدانيا فهو من جهة أكد التزامه بالانسحاب من العراق في أقرب فرصة وأسرع وقت وهو من جهة أخرى اعتبر أفغانستان هي بؤرة العنف ومنها يجب أن تحتوي أميركا معركتها الدولية مع «الإرهاب».

وعود أوباما الانتخابية انطلقت من قاعدتين متخالفتين الأولى (العراق) انسحابية إلى قواعد عسكرية وثكنات محصنة ومهابط طيران والثانية (أفغانستان) هجومية تنفلش في البراري والأودية والمرتفعات. فالوعود انطلقت من فكرة «فك الارتباط» بين الملفين لأن فريق أوباما الرئاسي اعتبر أن المشكلة بدأت في أفغانستان ومعها ويجب أن تنتهي هناك ولا تتخطى حدودها. بينما المشكلة مع العراق فهي كانت مختلقة ومن إنتاج «تيار المحافظين الجدد» وكان بإمكان أميركا أن تتجنب الوقوع بها لو لم يدفع أصحاب «الرؤوس الحامية» في واشنطن الرئيس بوش إلى السقوط بشباكها. «فك الارتباط» بين الملفين بدأ ميدانيا في الأسبوع الأول من يوليو/ تموز. ففي العراق أخذت قوات الاحتلال الأميركية تتموضع بناء على ذاك الاتفاق الأمني مع الحكومة العراقية فأقدمت على تسليمها حتى الآن 168 معسكرا وموقعا توزعت على 20 في محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى و86 في بغداد و46 في محافظة الأنبار و16 في محافظات الفرات الأوسط. أما في أفغانستان فقد بدأت قوات الاحتلال الأميركية بشن هجوم معاكس في ولاية هلمند الجنوبية في محاولة للسيطرة على مواقع «طالبان» بقصد تمهيد الأجواء السياسية لإجراء انتخابات رئاسية مضمونة النتائج في 20 أغسطس/ آب المقبل.


هروب إلى الأمام

خطوتان ميدانيتان متعاكستان. والتعاكس العسكري يعطي فكرة عن صورة سياسية متضاربة في النتائج. فإعادة التموضع في العراق وسط مخاوف باتساع البؤر الأمنية لا يمكن أن يعطي مفعوله السياسي إلا إذا استقر الوضع في بلاد الرافدين وبدأت الدولة تأخذ موقعها المركزي بين دوائر مناطقية يسيطر عليها أمراء الطوائف والمذاهب وزعماء أقوام وعشائر. والتموضع الأميركي الذي يرجح أن يمتد زمنيا إلى نهاية العام 2010 قبل الانسحاب نهائيا في العام 2011 يشترط مجموعة تحولات حتى تستقر المنطقة على معادلة جديدة في التوازنات الإقليمية وتحالفات الدول الجوارية التي تحيط ببلاد الرافدين. وهذه المعادلة لم تتوضح معالمها وربما تحتاج إلى فترة سماح للتعرف على خطاب إيران السياسي بعد تنصيب محمود أحمدي نجاد في ولاية ثانية تمتد إلى صيف 2013.

هذا في الجانب العراقي. أما من ناحية أفغانستان تبدو الصورة مخالفة باعتبار أن أوباما اختار سياسة الهجوم في ساحة متعرجة جغرافيا وتكثر فيها التعارضات المناطقية والقبائلية والأقوامية ما يفتح باب الصراع على مجموعة ملفات ساخنة وممتدة وعابرة للحدود. وانفتاح الأزمة الأفغانية على الأقاليم ودول الجوار يشكل ثغرة قد تتسع لإغراق أوباما في مستنقع صخري يصعب تكسيره من دون كلفة بشرية ومادية لا يمكن تقدير حجمها قبل إجراء حسابات تأخذ في الاعتبار المدة الزمنية لإنهاء المهمة الصعبة (الإعلان عن أول أسير أميركي منذ العام 2001) والمدى الجغرافي للهجمات العسكرية.

أفغانستان كانت المأزق في عهد بوش وهي شكلت ثغرة في جدار الاستراتيجية الأميركية تحت مظلة ايديولوجية «تيار المحافظين الجدد». وملف أزمة أفغانستان تم ترحيله إلى عهد أوباما الذي ورث عن سلفه أزمات متنوعة الإشكال والألوان وهي في مجموعها تربك إدارة البيت الأبيض وتضعها أمام مشكلة ترتيب الأولويات.

الهجوم في الداخل الأفغاني الذي ترافق مع إعادة التموضع في الداخل العراقي يمكن أن يساعد على إعادة قراءة برنامج الأولويات في عهد أوباما. أفغانستان قد تشكل ذاك المأزق الموروث عن العهد السابق ولكنها ربما توفر لأوباما ذاك الممر المطلوب للهروب إلى الأمام والتهرب من مواجهة العثرات والعقبات التي اعترضت واشنطن حين بدأت التعامل بجدية مع الملف الفلسطيني.

الهجوم على مواقع «طالبان» في ولاية هلمند يعطي إشارة سياسية عن أولويات أوباما ما يعني أن واشنطن قررت مؤقتا تجميد تحركاتها الدبلوماسية في مواجهة حكومة أقصى التطرف التي يتزعمها بنيامين نتنياهو. وفي حال صح هذا التقدير تصبح المنطقة العربية في موقع الانتظار بسبب تضارب الأولويات. نتنياهو يضع الملف النووي الإيراني على رأس جدول أعماله. الدول العربية تضع الملف الفلسطيني على رأس جدول أعمالها. وأوباما يضع الملف الأفغاني على رأس قائمة أولوياته. ومحصلة الاختلاف في برنامج الأولويات قد تشكل خطوة تراجعية في خطة أوباما لإعادة تعويم المشروع الأميركي في المنطقة وإنقاذه من التفكك والانهيار.

إعادة التموضع في العراق وبدء الهجوم في أفغانستان يرسمان صورة متعارضة في لحظة انتقالية وسطى تمر بها الإدارة الأميركية في عهد أوباما. والفارق بين الخطوة الانسحابية في بلاد الرافدين والخطوة الهجومية في جبال تورابورا وولاية هلمند أن الأولى محدودة زمنيا ومسيطر عليها ضمن شروط اتفاق أمني أما الثانية فإنها مفتوحة زمنيا ولا يعرف من الآن أين ستستقر.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2493 - الجمعة 03 يوليو 2009م الموافق 10 رجب 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً