العدد 4678 - الأحد 28 يونيو 2015م الموافق 11 رمضان 1436هـ

مخاوف الموحّدين الدروز في سوريا تضعهم في حالتي انقسام وترقّب

الوسط - المحرر السياسي 

تحديث: 12 مايو 2017

أثارت المذبحة التي ذهب ضحيتها أكثر من 20 قرويًا من الموحِّدين الدروز في شمال محافظة إدلب، بأقصى شمال غربي سوريا، على يد أحد القادة الميدانيين في «جبهة النصرة» ونفر من أتباعه، مخاوف من وقوع مزيد من أعمال القتل المشابهة تستهدف الأقلية الدرزية السورية، وفق ما قالت صحيفة الشرق الأوسط اليوم الإثنين (29 يونيو/ حزيران 2015).

ووفق مراقبين جيّدي الاطلاع، أدى تسارع وتيرة الأحداث إلى إثارة جو من التوتر حتى داخل طائفة الموحِّدين الدروز أنفسهم. علما بأنه منذ بداية الأحداث في سوريا حاولت الطائفة أن تنأى بنفسها عن التشنّج الطائفي الذي تحوّل بمرور الوقت، ووفق مخطّط النظام، إلى مواجهات تخوضها قوى وميليشيات طائفية. ومن ثَم، وجد الموحِّدون الدروز أنفسهم على نحو متزايد ما بين مطرقة نظام يزعم أنه «مدافع عن الأقليات» وسندان الثوار الذين أخذت تبرز في صفوفهم جماعات راديكالية مثل «جبهة النصرة» وغيرها، بينما اقتطع تنظيم داعش لنفسه أجزاء واسعة من البلاد.

في مطلع يونيو (حزيران) الحالي سمعت أصوات إطلاق النار في قرية قلب لوزة، بجبل السُّمّاق (أو الجبل الأعلى) في أقصى شمال محافظة إدلب السورية. وكان وراء هذه الاشتباكات محاولة أحد أعضاء «جبهة النصرة» مصادرة منزل قروي درزي متهم بولائه لنظام بشار الأسد. وبعدها اضطرت المعارضة السورية لوقف هجومها المُعدّ لتحرير مطار الثعلة العسكري، بمحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب البلاد، درءًا للتفاعلات الطائفية بعدما حدث في ريف إدلب. وفي الأسبوع الماضي، ادّعت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أن مقاتلي المعارضة السورية، بمن فيهم «جبهة النصرة»، هاجموا قرية حَضَر الدرزية في الجزء السوري - غير المحتلّ إسرائيليًا - من هضبة الجولان حيث يعيش نحو 25 ألف درزي.

أحداث الأسابيع الأخيرة وضعت الموحِّدين الدروز السوريين، رغمًا عنهم، في بؤرة الأحداث. الوزير أكرم شُهيّب، وهو عضو في الحزب التقدّمي الاشتراكي، الفصيل السياسي الرئيسي للدروز في لبنان، شرح لـ«الشرق الأوسط» الوضع قائلاً بأنه يعيش نحو 500 ألف من الموحِّدين في سوريا، ويقطن الجزء الأكبر منهم في محافظة السويداء التي تغطّي الجزء الجَبلي من حوران الطبيعية، متاخمة سهل حوران الذي تغطيه محافظة درعا المجاورة، كذلك تعيش مجموعات صغيرة من الموحّدين الدروز في مناطق أخرى من جنوب سوريا أبرزها منطقة إقليم البلان (الجولان)، وضواحي دمشق الجنوبية والجنوبية الغربية، هذا بالإضافة إلى الوجود الدرزي في محافظة إدلب بشمال سوريا. وتابع الوزير شُهيّب أن الموحِّدين الدروز جماعة عرقية عربية تنتشر في لبنان وسوريا وإسرائيل والأردن.

وفي حين يعلِّق جَبر الشوفي، العضو القيادي في المعارضة السورية، في حديث مع «الشرق الأوسط» على مذبحة إدلب التي تُعد الحادثة الأولى من نوعها التي تلحق بالدروز منذ بداية الصراع السوري، بالقول: «إن ما حدث في ريف إدلب عدوان صارخ يعبر عن عنف (جبهة النصرة) وممارسات واعتقادات معينة تعود إلى الماضي»، شدّد شُهيّب على أن «حادثة قلب لوزة حادثة فردية أخذت طابعًا عنيفًا، علما بأن دروز جبل السُّمَّاق انضموا منذ اليوم الأول إلى الثوار وانسجموا مع جيرانهم».

ويعتقد الكثير من الموحِّدين الدروز في لبنان أن النظام استغلّ التوتّرات الطائفية ليعزّز من مخاوف الطائفة ويبتزّها لكي تبقى إلى جانبه. فتاريخيًا، اعتمد النظام سياسة القضاء على العائلات السياسية كما على العمل الحزبي والسياسي، كذلك كان للنظام تأثير كبير على مشايخ العقل الثلاث لدى الطائفة - كحال علاقته بالقيادات الدينية المُسلمة والمسيحية في سوريا - ومن ثم حاول جرّ أهل السويداء إلى أزمة مع محيطهم. وفي هذا الصّدد يقول شُهيّب: «لدينا عتَب على البعض من إخواننا في جبل العرب (السويداء) لأن حاضرهم لا يبدي صورة حقيقية عن ماضيهم الذي كان مشرفًا وتميّز بالتعاون ما بين سهل درعا وأهل جبل العرب».

أما جبر الشوفي، فيشير إلى أن النظام بدأ يستخدم بطاقة «داعش» لصالحه، معتبرًا أنه «يمكن للسويداء أن تتعرّض للخطر من مقاتلي «داعش» أو سِواهم؛ إذ سبق للنظام أن سهّل وصول «داعش» إلى تدمر نظرًا لأهمية المدينة التي تحتوي على آثار كثيرة، ليتمكن بالتالي من أن يطرح نفسه محاربًا للإرهاب. وللعلم، لا تبعد تدمر إلا ساعتين فقط عن السويداء وجنوب سوريا التي تقع تحت سيطرة الثوار.

إن التخوّف من «داعش»، وكذلك الأحداث الأخيرة مع «جبهة النصرة»، التي استنكرت في الواقع حادثة قلب لوزة وتعهّدت بمعاقبة من تسبب بها، فضلاً عن سَعي النظام إلى إظهار نفسه حاميًا للأقليات، عوامل تركت الدروز في سوريا في حالة انقسام كبير. فالكثير منهم يعتبر أن الخيار الأضمن يتمثل في حماية مناطقهم عسكريًا مع محاولة الإحجام عن الدخول في الصراع قدر الإمكان. وفي حين تدخّل بعض الدروز في معركة مطار الثعلة بجانب حامية النظام، رفض آلاف منهم (نحو 28 ألفا) الانضمام إلى صفوف الجيش.

وفي هذا الصدد يشير الشوفي إلى «أن أكثرية الشباب الدرزي لا تريد الانخراط في هذه الحرب وتفضل البقاء على الحياد». كذلك يرى شُهيّب أن موقف دروز سوريا «تطوّر من داعم للنظام إلى التوقف عن الالتحاق بالجيش، فنحو 4 آلاف درزي كانوا يلتحقون بالجيش سنويًا، وذلك توقف لأن إيمانهم بالدولة تزعزع، فضلاً عن إيوائهم أعدادا كبيرة من جيرانهم من درعا ومحيط دمشق، وهو ما أدى إلى تغيير موقفهم من دعم نظام الأسد إلى النأي بالنفس».

وبالتالي، فإن الموحِّدين الدروز هم اليوم في وضع انتظار وترقب، وخوفا من وقوع مزيد من الأحداث، أرسل وليد جنبلاط، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان، مبعوثين إلى كل من الأردن وتركيا محاولا الحصول على ضمانات. وهنا يعتبر الوزير شهيب أن «الدول المجاورة تلعب دورًا أساسيًا في إعطاء هذه الضمانات من خلال الواقع الجغرافي والسياسي. ولقد سعينا إلى تأكيد هذه العلاقة (الحسنة)، لكن الضمانة الرئيسية تبقى العلاقة بين الموحِّدين الدروز وجيرانهم، ولو أن تدخل الدول الأخرى سيساعد بالتأكيد. نحن مع الشعب السوري، والاتصالات تلعب دورًا أساسيًا في تذليل العقبات، لكن الضمانات لا تأتي فقط من الخارج؛ لأن الضمانة الأساسية هي العلاقة الجيدة التي يجب أن تكون وتبقى بين الدروز وجيرانهم. الدروز جزء من النسيج السوري الذي يعاني من نظام لم يترك وسيلة لم يمارسها، وللتذكير فإن الثورة بدأت سلمية».

ويضيف الوزير اللبناني أن التواصل مستمر في الداخل السوري مع كل من له تأثير على الأحداث الحالية مثل «الجيش السوري الحر» في الجبهة الجنوبية (محافظات درعا والسويداء والقنيطرة وريف دمشق)، وكذلك مع «جبهة النصرة» من خلال «الائتلاف الوطني السوري» أو بعض القيادات السورية الموجودة في الخارج، مؤكدًا أيضا «أن التواصل دائم مع تركيا التي بسبب موقعها الجغرافي والسياسي لها تأثير كبير على مجرى الأحداث».

وحول البحث الإسرائيلي في منطقة عازلة للدروز في جنوب سوريا، قال شُهيّب أن «المشكلات مع النظام كافية من دون تدخل إسرائيلي، فالنظام وإسرائيل يريدان تفتيت سوريا». ومن ناحية ثانية، نفى وجود أي مخطط لإخراج دروز إدلب من منطقتهم إلى تركيا المجاورة، مؤكدا أن ارتباط الدروز بأرضهم وثيق «ففي الجليل ارتبطنا بأرضنا، وفي لبنان ارتبطنا بأرضنا، كما سنرتبط بأرضنا في سوريا». واختتم كلامه بالقول: «في الوقت الذي نجد فيه الاصطفافات الشعبية اليوم في أوجها، يبقى أن الحل السياسي في النهاية هو الذي سينتصر. كذلك سينتصر الشعب السوري، ونحن مع التوصل إلى تسوية سياسية؛ لأننا نؤمن بأنه من غير الممكن لأي فئة أن تنتصر على فئة أخرى؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التقسيم. نحن نحبذ اليوم انخراط الموحِّدين الدروز مع جيرانهم لأخذ النظام إلى الزوال».

وحقًا، يؤيد معظم الموحِّدين الدروز الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» موقف شُهيّب هذا، معتبرين أنه لو كانت حادثة قلب لوزة حادثة مقلقة، فسيبقى الدروز في أرضهم معتبرين أن الميزة الديموغرافية لديهم يعززها انتشار السلاح في الجبل، كما أن علاقاتهم الجيدة مع بعض فصائل المعارضة ستحول دون وقوع مجازر أخرى في منطقتهم.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً