العدد 4679 - الإثنين 29 يونيو 2015م الموافق 12 رمضان 1436هـ

أعلام في التسامح والسلام... الكويت وتونس... شعبٌ مِن ذَهَب

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

لا شكّ أنّنا مررنا، من الخليج إلى المحيط، بيوم نرجو ألا يتكرر، ولولا أنه يوم جمعة وفي شهر رمضان الفضيل، لقلنا إنه يوم أسود على غرار الخميس الأسود، ولكنه يوم مرّ علقم يؤكّد مرّةً أخرى كوننا في الهمّ شرق، وكون الحرب على الإرهاب بمختلف ألوانه حرباً شاملة. فما الدروس المستفادة من تفجير الكويت في مسجد الإمام الصادق؟ وما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من العملية الإرهابية في المنتجع السياحي بمدينة سوسة التونسية؟

باختصار إنه الشعب، سواءً في الكويت أو في تونس، بما أظهره من روح إنسانية عالية تتحدّى كل محاولات نشر الفتنة الطائفية في الكويت، أو إرباك مسيرة بناء الجمهورية الثانية في تونس الجديدة. إنّه الشعب في الكويت وتونس أختاره اليوم، بعد هاتين الفاجعتين المؤلمتين، ليكون علَماً من أعلام السلام يبرهن بما أتاه من ردود فعل ناضجة ومتحضّرة على أنّ الشعب في البلدين الشقيقين أسمى وأرفع من أن ينزلق في تيار التقاتل ومستنقعات الفوضى الطائفية أو السياسية. فكيف ذلك؟

حين تابعنا ما حصل في مسجد الإمام الصادق الذي استهدفه انتحاري بتفجيرٍ ذهبَ ضحيته 27 شهيداً بينهم أطفال، و227 جريحاً، توجّسنا خيفةً من ردود فعل تحركها مشاعر الانتقام، خصوصاً أن المنطقة على صفيح ساخن من التفجيرات والحروب التي تلوّنت، أحببنا أم كرهنا، بلون طائفي سواء في اليمن أو سورية أو العراق، وما التفجيرات في السعودية والكويت والتهديدات التي قد تلحق مناطق أخرى، لا قدّر الله، إلاّ صدى لهذا التجييش الطائفي الذي حذّر منه العقلاء مراراً وتكراراً.

غير أنّ ما أثلج صدورنا وخفّف من مُصابنا في إخواننا وأشقائنا في الكويت، هو ما تداولته المواقع الاجتماعية حيث نشر نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لمصلين من الشيعة والسنة يصلّون معاً في مسجد الإمام الصادق الذي استهدفه الانتحاري بالتفجير، وهذه الصلاة هي رسالةٌ من الشعب الكويتي للعالم الإسلامي ولدعاة الفتنة والتفكك أنْ موتوا بغيظكم، فأبناء الكويت محافظون على الوحدة الوطنية ولن ينجروا وراء الفتنة الطائفية.

إنّ ما ميّز الشعب الكويتي في هذه المصيبة كونه وقف صفاً واحداً مع حكومته وأمير البلاد، بل شاهد القاصي والداني مظاهر التكاتف من خلال زيارة المصابين والجرحى في إيمان قوي بالقضاء والقدر. نعم لم تظهر على أبناء الكويت مظاهر الهلع أو الفوضى، وإنّما أظهروا للعالم صورةً جميلةً عن الاتحاد، فكانت صفوفهم كالبنيان المرصوص، وكان الجميع جسداً واحداً لا طائفية بينهم، وإنّما وحدة في الصف وصفاء في القلوب.

أمّا في تونس، فلقد نقلت القنوات التلفزيونية العديد من المشاهد التي تؤكد أن شعب الخضراء لم ولن يكون حاضنة للإرهاب. نعم لقد خرج أبناء مدينة سوسة وكل القوى الوطنية والسياسية والجمعيات المدنية وغيرها، مساء السبت في مسيرة ليليّة جابت شوارع المدينة، واتجهت نحو الفندق الذي حدثت فيه الفاجعة ووضعت أكاليل الورود وأشعلت الشموع ترحماً على أرواح السياح الأبرياء ضيوف تونس الخضراء. كما خرجت مسيرات في العاصمة تونس وغيرها من المدن تضامناً مع ضيوف تونس وتأكيداً على وحدة الصف الوطني في مواجهة الإرهاب. ولشدّ ما لفت انتباهي مشهد امرأة تونسية متحجّبة تحمل باقةً من الورود وتقدّمها لسائحةٍ على شاطئ البحر ثمّ تحتضنها ويتعانقان في مشهد يتجاوز كل الوصف، في مشهدٍ يؤكد أنّ سلاح مقاومة الإرهاب هو الحب بين البشر أينما كانوا. وكذا مشهد بعض السياح الذين آثروا البقاء في تونس وأكدوا تضامنهم مع أبناء الشعب التونسي لأنهم متأكدون من صفاء معدن هذا الشعب.

لقد أثبت التونسيون أنهم قادرون على التصدي للإرهابيين، وإرباك مخططاتهم عبر توحيد صفوفهم، وكذلك من خلال جملة من الإجراءات الأمنية والقانونية التي اتخذتها الحكومة للحيلولة دون تكرار هذه الفواجع، خصوصاً أن تونس تعتبر من الدول القلائل التي لم تستطع «داعش» ولا غيرها من أن يكون لها فيها موطئ قدم، وأنّ كل ما حصل إنما هو بعض العمليات المعزولة والمنفردة.

من جديد يؤكد الشعب التونسي مثل أخيه الكويتي أنه يبقى رمزاً وعَـلَماً من أعلام التسامح والسلام، حيث أكد الشعبان معاً، وهما يمرّان بهذه الخطوب الجليلة، أنّ مقاومة الإرهاب بالالتفاف حول الوطن ورصّ الصفوف واجب وطنيّ لأنّ النسيج الاجتماعيّ المتفكّك يمثّل البيئة الملائمة التي تنتشر فيها أفكار الإرهاب ويقوى فيها جانبه.

يبعث الشعبان، التونسيّ والكويتيّ، برسالة مضمونة الوصول لأشقّائهم العرب والمسلمين المهدّدين بالخطر الإرهابيّ أنِ اتّحدوا واجتمعوا على الإيمان بالله وحب الوطن، وانسوا ما بينكم من اختلافات سياسية ومذهبية، واتحدوا حكومات وشعوباً حتى ينجلي هذا الخطر المحدق بِنا.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4679 - الإثنين 29 يونيو 2015م الموافق 12 رمضان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 6:35 ص

      شكرا

      مشكور عل ثقتكم في الشعب الكويتي
      موش عارفين إلى الان كيف دخل علينا الإرهاب
      الله يستر بالمنطقة كلها

    • زائر 5 | 1:46 ص

      باختصار إنه الشعب،

      سواءً في الكويت أو في تونس، بما أظهره من روح إنسانية عالية تتحدّى كل محاولات نشر الفتنة الطائفية في الكويت، أو إرباك مسيرة بناء الجمهورية الثانية في تونس الجديدة.

    • زائر 4 | 6:18 م

      تونس والارهاب

      لقد أثبت التونسيون أنهم قادرون على التصدي للإرهابيين، وإرباك مخططاتهم عبر توحيد صفوفهم، وكذلك من خلال جملة من الإجراءات الأمنية والقانونية التي اتخذتها الحكومة للحيلولة دون تكرار هذه الفواجع، خصوصاً أن تونس تعتبر من الدول القلائل التي لم تستطع «داعش» ولا غيرها من أن يكون لها فيها موطئ قدم، وأنّ كل ما حصل إنما هو بعض العمليات المعزولة والمنفردة.

    • زائر 3 | 5:48 ص

      أعلام في التسامح والسلام... الكويت وتونس... شعبٌ مِن ذَهَب

      شعبان راقيان متحضران ...فكيف تسلل الإرهاب إليهما
      المسالة أمنية اساسا

    • زائر 2 | 4:28 ص

      شكرا لكم ...

      شكرا لك يا استاذنا الطيب
      انت اردت أن تقول: "أنا لست عدوك، أنت لست عدوّي، عدوّي وعوّك هو الذي استطاع ان يقنعنا بأنّنا أعداء.....
      هذه يدي افتح عقلك واعطني يدك."
      أرجو أن تصل الرسالة...

    • زائر 1 | 1:04 ص

      أحسنت...رائع

      يبعث الشعبان، التونسيّ والكويتيّ، برسالة مضمونة الوصول لأشقّائهم العرب والمسلمين المهدّدين بالخطر الإرهابيّ أنِ اتّحدوا واجتمعوا على الإيمان بالله وحب الوطن، وانسوا ما بينكم من اختلافات سياسية ومذهبية، واتحدوا حكومات وشعوباً حتى ينجلي هذا الخطر المحدق بِنا.

اقرأ ايضاً