العدد 4681 - الأربعاء 01 يوليو 2015م الموافق 14 رمضان 1436هـ

مواجهة التطرف عبر فكر تنويري

آن الكندي

كاتبة عمانية

«إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني»... هذا ما قاله الفيلسوف والفقيه الأندلسي إبن رشد (توفي العام 1198 م)، وهذا ما نراه يحدث في عصرنا الحالي.

تونس الخضراء التي قطعت أشواطاً نحو الديمقراطية، يباغتها الإرهاب مرةً أخرى بعد مجزرة متحف باردو الشهير، بمجزرة أكثر شناعة في منتجع سوسة، فإذا لم تسلم تونس من فظائع الإرهاب، فمن هو اليوم بمنأى عن معضلة التطرف؟.

ها هو الإرهاب يختطف أمن الخليج، مسجد في المملكة العربية السعودية، ومسجد آخر في دولة الكويت. نعيش مع أهل الكويت صدمتهم متوجسين أين سيفجّر الداعشي نفسه هذه المرة؟

لا يمر علينا يوم إلا وتطالعنا أجهزة الإعلام بأهوال الفكر المتطرف، ومن المؤسف أن منطقتنا صارت تستأثر بالنصيب الأكبر. ومن هنا لا أملك إلا أن أتأمل في تجربة عمان عبر العقود الأربعة الماضية، فلقد نجا بنا جلالة السلطان قابوس بن سعيد من أيدلوجيات وأفكار متطرفة بدأت منذ السبعينيات بالحزم الذي لا هوادة فيه بالقضاء على فكر متطرف، وثم إرساء دعائم مجتمع لا يفرز التطرف. وكان من السهل أن تنزلق عمان إلى مستنقع يشبه ما وصلت إليه اليوم اليمن من صراع قبلي ديني لا آخر له، فالهدم دائماً أسهل من البناء.

نحن اليوم في العقد الثاني من الألفية الثالثة، ومفتي عام السلطنة الشيخ أحمد الخليلي يعلن عن الحاجة إلى خطة إنقاذ. يُفهم من ذلك أننا في معضلة فكرية من وجهة نظره «الواجب يحتم استئصال الحمية الجاهلية والتحزب العنصري»، ونحن حقاً في حاجة إلى خطة إنقاذ، فالإعلان عن خطة إنقاذ لا يكون إلا عند وقوع كارثة ما.

نخرج من كابوس تنظيم «القاعدة» ليخرج لنا التنظيم الداعشي الذي قد لا يكون الأخير، فيبدو أن الأسباب التي هيأت إلى ظهور هذه التنظيمات الإرهابية ما زالت موجودة. دائماً ما تُلهينا عوارض المشكلة عن النظر في جذورها. لماذا لا تظهر هذه التنظيمات المتطرفة المتغطية بغطاء ديني إلا في الدول العربية؟ أو أنها تظهر في دول آسيوية بوجود قيادات لها من العرب؟

من السهل جداً اللجوء إلى نظرية المؤامرة، والقول بأن الدول الغربية تتربص بنا، وأنها من تموّل تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، وهذه الدول إنما تخدم مصالحها. فإذا كان تنظيم «القاعدة» يُسهل لها الوصول إلى منابع النفط في آسيا الوسطى فلن تتردد في تغذية فكر متطرف ومن ثم القضاء عليه بانقضاء مصالحها. إن نظرية المؤامرة سهلة الفهم والإقناع وهي وسيلة نفسية للعب دور الضحية، إلا أنها السبب الأبرز في تخلف من يتبناها، إذ أنها نظرية لا تحث على البحث عن جذور المشكلة.

لن ينفعنا اليوم إلا تحصين البيت من الداخل، ضد تحديات غير مسبوقة، فهذه التنظيمات لا ترحم وتحاول إيجاد الثغرات في أنظمة الحكم للتأثير على الشباب. علينا أن نعي أن العولمة جعلت من العالم قرية صغيرة، والتكنولوجيا أتاحت كل شيء، والسياج الإسمنتي بين الدول لن يمنع من تصدير الفكر المتطرف.

إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، بل برامج متكاملة تحتوي فكر الشباب وتستغل طاقاته. فلا يمكن في القرن الحادي والعشرين تخيّل عدد من الشباب يتحلق حول شيخ الدين ليلقي عليهم المواعظ كما في القرون الماضية، وفور خروجهم من المسجد لا يجدون شيئاً سوى ما يدعو إلى الانحراف. فما هو الحل البديل؟

لا بديل عن مشروع فكري تنويري يمشي على قدمين، أحدهما فكري عماده العدالة الاجتماعية، والآخر اقتصادي عماده التشغيل، فمما لا شك فيه أن البطالة هي أحد الأسباب الحاضنة للفكر المتطرف. كذلك يجب أن نتنبه إلى أن التنظيمات المتغطية بغطاء ديني في أفغانستان واليمن ترتبط بتجارة المخدرات، وهذه مصيبة لا يمكن علاجها إلا بالتصدي لها علمياً. فالإدمان آفة لا يمكن أن نحاربها إلا بالعلاج الطبي والنفسي.

لابد من الوقوف والتأمل في كيفية تحصين البيت من الداخل، ولا يمكن ذلك إلا بتبني فكر جديد مبني على التحليل العلمي، وأهمية الأخذ بالأسباب. أننا بحاجة إلى نقد كُل ما نُقل إلينا فقد آن الأوان لأن نفتح عيوننا ونقرأ التاريخ في ضوء جديد، آخذين ما فيه بعين فاحصة لنستلهم منه عبرة الإنسانية الخالدة.

إن طرح حلول غير تقليدية حتماً سيُقابل بالرفض والاستنكار، فلا يسعني أن أقول أن التمسك بالماضي لن يجدي نفعاً في التصدي لتحديات الحاضر والمستقبل. كما يجب أن ندرس التطور الحضاري للشعوب التي تعدت هذه المراحل، والتي تأسس فكرها التنويري على يد ابن رشد الذي خلّده الغرب، والذيتنويري تنبأ منذ أكثر من 800 عام بظهور تطرف فكري بغطاء ديني.

علينا أن لا نكابر برفض أي فكر جديد يكون فيه قارب النجاة، فهذه الدول لم تحل مشكلة التطرف بإعدام المتطرفين دينياً كما يحصل اليوم في بلدان عربية عجزت عن الخروج من دوامة التطرف الديني منذ عشرات العقود.

قد يعتقد البعض أن التصدّي الأمني هو الحل الوحيد، ولكن هذا وحده غير كافٍ، فلابد أن يكون لدينا فكر استباقي ولا ننتظر ظهور بوادر التطرف في المجتمع، وإنما القضاء على الأسباب المغذّية للتطرف. ينبغي الاستفادة من تجارب الدول الإسلامية الواقعة في فخ التعويل على المؤسسات الدينية للخروج من التطرف عبر حثها على تشجيع الخطاب الديني المتسامح، إلا أنه غير كافٍ على الإطلاق لاقتلاع فكر متأصل في التاريخ أوصلنا إلى هذا التطرف.

إقرأ أيضا لـ "آن الكندي"

العدد 4681 - الأربعاء 01 يوليو 2015م الموافق 14 رمضان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 5:48 ص

      خوش

      الموضوع سوف يحتاج الى وقت لكى يتلااشاء وجتياز هذة الحقبه سوف يطول لعده اسباب منها السياسه و الطائفيه و التعليم المنحرف ربماء يستغرق الاامر الى مئات السنسن

    • زائر 1 | 10:08 م

      super

      مقال جميل جدا

    • زائر 2 زائر 1 | 2:08 ص

      مقال ممتاز

      مقال يسلط الضوء على اسباب ظاهرة التطرف ونتائجه المتمثلة في الارهاب واقتراح الكاتبة "لابديل عن مشروع فكري تنويري"صحيح لكنه بحاجة الى الحرية بالاضافة الى ما ذكرته الكاتبة العدالة الاجتماعية واقتصادي عماده التشغيل .مع العلم ان البطالة ليست سببا كافيا للتطرف او الارهاب . ولكن السبب يكمن في ممارسات الانظمة المشجعة بشكل مباشر وغير مباشر على الارهاب من خلال تخلف المناهج المدرسية مثلا من خلال المحطات الفضائية المثيرة للفكر المتطرف وهلم جرا المشكلة مركبة . يوسف مكي

اقرأ ايضاً