العدد 4708 - الثلثاء 28 يوليو 2015م الموافق 12 شوال 1436هـ

هل لدى الفلسفة مُشكِلة مع النساء؟... سؤال في الغرب لم تنْتَهِ الإجابة عنه

«من الصعب أن تجد مكاناً في الفلسفة ليس مُعادياً للنساء والأقليات»...

ينتهى المقال المشترك الذي تخلَّله ما يشبه الحوار في بعض من مساحته، بين الفيلسوفة والكاتبة البريطانية ماري وارنوك، التي عملت رئيساً لعدد من لجان التحقيق التي ترفع تقاريرها إلى جهات تعليمية ورسمية، وخصوصاً في مجال الاحتياجات التعليمية الخاصة، وحق الانجاب، وصاحبة كتاب «الأخلاق منذ العام 1900»، الذي أصدرته في مطلع ستينيات القرن الماضي، والفيلسوف والكاتب البريطاني جوليان باغيني (صدر له هذا العام «إمكانية الإرادة الحرُّة»)، الذي نشر في صحيفة «الغارديان» يوم السبت (25 يوليو/ تموز 2015)، وجاء تحت عنوان «هل لدى الفلسفة مُشكِلة مع النساء؟»، بالإشارة إلى ما كتبته الفيلسوفة سالي هاسلانغر: «ضمن تجربتي فإنه من الصعب جداً أن تجد مكاناً في الفلسفة ليس مُعادياً بفاعلية للنساء والأقليات، أو على الأقل أفترض أن الفيلسوف الناجح يجب أن يبدو ويتصرف مثل (رجل أبيض تقليدي)».

قال عنها جوليان باغيني إن هاسلانغر ثابرت من أجل التغيير، ولكن بعض النساء الموهوبات الأخريات؛ إما استسْلمن أو جرى التغاضي عنهن.

هذا التناول الذي يخمد أحياناً، ويظهر بقوة ونشاط أحياناً أخرى في الدوائر المعرفية المتخصِّصة والجامعات الغربية، بات إشكالياً في التعاطي مع المرأة في دوائر الفلسفة خصوصاً، وفي الغرب تحديداً، بكل مساحات التنوير، ومشروعات المساواة التي تبدو متقدِّمة بسنوات ضوئية على هذا الجزء من العالم (الشرق). ثمة تمييز ملحوظ - في هذا المجال تحديداً - وإن لم تخلُ المجالات الأخرى منه. هناك من يخفِّف هذا الوضع ضمن هذا المجال بالاكتفاء بما يسمِّيه «التحيُّز».

قبل الشروع في تقديم المقال والحوار في جانب منه، نُضيء هنا جانباً من سيرة هاسلانغر التي تعمل أستاذاً للفلسفة في قسم اللغويات والفلسفة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وتشغل كرسي سبينوزا في الفلسفة بجامعة أمستردام. فمنذ العام 2009، عملت مديراً لبرنامج المرأة وبرنامج دراسات النوع الاجتماعي. نشرت أعمالاً في الميتافيزيقيا، والميتافيزيقيا النسوية، نظرية المعرفة، والنظرية النسوية، والفلسفة القديمة والفلسفة الاجتماعية والسياسية. ركَّزت معظم عملها على المثابرة والقدرة على التحمل من خلال التغيير. تخرَّجت من كلية ريد في العام 1977، وحصلت على شهادة الدكتوراه في العام 1985 من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، كما درست في جامعة برنستون، وجامعة بنسلفانيا وجامعة ميتشيغان. هنا فحوى ما نشرته «الغارديان»، والذي يبدأ بما كتبته ماري وارنوك.

كيف يُمكن تدارك التوازن؟

نوقش هذا السؤال (هل لدى الفلسفة مُشكِلة مع النساء؟) من قِبَل النساء والرجال في الفلسفة لسنوات عديدة، وأصبح في الأسبوع الماضي قصة الغلاف في المُلحق الأدبي لصحيفة «التايمز». جميع دوائر العلوم الإنسانية في الجامعات البريطانية - باستثناء أقسام الفلسفة - لديها فقط 25 في المئة من النساء الأعضاء. لماذا يجب أن يكون الأمر على هذا النحْو؟ كيف يُمكن تدارك التوازن؟ أنا كثيراً ما أكون ضد التدخُّل، من خلال نظام الحصص أو غير ذلك، لزيادة فُرص المرأة في العمل، أياً كان المجال، لاعتقادي بأنه ليس هناك شيء ضار في جوهره يرتبط بهذا الخلل. بالتأكيد لا أعتقد بأن ذلك يُظهر التحيُّز المقصود ضدّ المرأة. ولا يُمكن تفسيره من خلال افتراض أن الفلسفة معنيَّة في المقام الأول بالحجج لأن النساء بطبيعة الحال أقل مهارة في هذا المجال.

قد تُوجد نساء من اللائي يُفكِّرن عاطفياً بدلاً من التفكير بشكل عقلاني؛ ولكن هناك بعض الرجال من الذين يُفكِّرون بالطريقة نفسها. لا أعتقد أن المرأة تكره فكرة الفلسفة بسبب أسلوبها (الفلسفة) المُفترَض في الخصومة والحِجاج، والتفاني من أجل الظَفَر بالحجَّة، بدلاً من البحث عن الحقيقة أو الآراء. لأنني لا أعتقد أن هذا الأسلوب غريب عن الفلسفة، عندما تم اعتماده في النزاع الأكاديمي. ما أعتقده هو أن الفلسفة الأكاديمية أصبحت موضوعاً غير عادي في مظهره الداخلي (مضمونه)، مُكرِّساً عدم فضح ودراسة الآثار المترتِّبة على الطريقة التي نُفكِّر بها حول العالم، ولكن بدلاً من ذلك، يتم فضح أوْجُه القصور في حجج الفلاسفة الآخرين. إذا كنت تلتقط صحيفة يومية مهنيَّة الآن، ستجد القليل، ومن بينه ردود حمقاء تتعلَّق بالمقالات السابقة. تتعرَّض النساء إلى مزيد من الضجر بسهولة، مقارنة بالرجال في الموضوع نفسه، ويبدو أن الفلسفة كفَّت عن أن تكون موضع اهتمام، فقط عندما تبدأ بمهنيتها من خلال الدور الذي من المفترض أن تقوم به.

باغيني: التحيُّز غير المقصود

أنا أتفق على أن هناك القليل؛ أو لا يوجد أي تمييز مقصود ضد المرأة في مجال الفلسفة. ولكن هذا لا يعني عدم وجود قدر كبير من التحيُّز غير المقصود. اللغز يكمن في: لماذا ينبغي أن يكون ذلك أقوى في الفلسفة منه في تخصُّصات أخرى؟ الجواب، كما أعتقد، يمكن العثور عليه في صورة الفلسفة نفسها. مالَ الفلاسفة إلى أن يكون إحساسهم مُتضخِّماً بقدراتهم والطاقات التي يملكونها «اتبع الحجَّة أينما أدَّت إليه»، كما رأى أفلاطون قديماً. ما يُهم هو الحجَّة، وليس المجادِل؛ ما يعني أنه ليست هناك حاجة حتى للتفكير في الجنس أو العرق.

هكذا رأى الفلاسفة المأمن والحصانة من الآثار المشوّهة للتحيُّز ضد المرأة. المنطق محايد بين الجنسين، الفلسفة منطقية. شغْل الفلسفة محايد تجاه النوع الاجتماعي. وأظن أن ذلك أدَّى إلى التراخي، والعمى تجاه جميع الطرق التي تحيَّزت - واقعاً - بين الجنسين. إنه استنتاج راسخ في علم النفس: بإيمانك أنك حكَم وقاضٍ موضوعي يجعل ذلك - واقعاً - من أحكامك أقل موضوعية. وأنا على يقين من أن الفلسفة تُعاني من هذا الأمر. وأعترف بأن هذا التفسير المتعلِّق - على الأقل - بجانب من ضعف تمثيل المرأة في الفلسفة، هو تأمليٌّ إلى حدٍّ ما، ولكنني سأكون مهتمّاً لسماع ما تقومين به.

ماري وارنوك: أنا لا أقبل أن يكون كل تفكيرنا هو عبارة عن تخلّل أو اختراق للنوع، وبالتالي نفشل في ملاحظة التحيّز لدينا. أعتقد أن واحدة من المزايا الكبيرة للفلسفة الأكاديمية، هي أن موضوعاتها مركزية، مثلها مثل الفيزياء والرياضيات واللغويات. كلها مُحايدة بين الجنسين. ولكن أوافق على أن النساء قد تكون لهنَّ آمال مختلفة بنتائج دراسة هذه الموضوعات، وأنهنَّ - عموماً - أقل عرضة من الرجال لـ «متابعة الحجَّة أينما أدَّت إليه»، وتغيير الاتجاه إذا كان يؤدِّي إلى اللامعقول أو المفارقة والتناقض. هذه طريقة أخرى للقول، إن النساء أكثر تقييداً من الرجال من خلال ما تُمليه الفطرة السليمة. وهذا يسير جنباً إلى جنب مع؛ أو هو جزء من الرغبة في وجوب أن تكون الفلسفة واضحة لغير الفلاسفة، إذا كانوا على استعداد لمنح عقولهم لها. طبعاً، هذه الرغبة ليست غريبة على النساء (كما تثبتُ ذلك كتاباتك). النفور بالتخلِّي عن الحسِّ السليم قد يبدو مثل الإفراط في التبسيط، على رغم أنه قد يكون من الأفضل وصْفُه بأنه التمسُّك الشديد بالتعاليم التقليدية، وهذا يعني بالتأكيد أنه في مقابلات العمل، تبدو النساء مبتذلات بدلاً من كونهن رائعات، وهذا قد يؤدِّي إلى ضرر ينتاب فرصهن في النجاح.

الفروق ليست ثابتة

جوليان باغيني: قد يكون جيداً أن النساء يمِلْنَ أكثر من الرجال إلى أن تكون لديهن أولويات فكرية مختلفة. ولكن بما أننا لا نعرف المقدار الثقافي أو البيولوجي، لا ينبغي لنا أن نفترض أن أياً من هذه الفروق ثابتة. الأهم من ذلك، سيكون هذا سبباً إضافياً لسعي النساء للحصول على مزيد من المناصب العليا في الفلسفة، بما أنه ليس هنالك سبب لنفترض بأن الأولويات التقليدية متفوِّقة.

من الأهمية بمكان التمييز بين فكرة أن كل الأفكار الفلسفية «متخلِّله ومخترقة بين الجنسين»، ونحن نرفض الاثنين على حد سواء، وفكرة أن التحيُّز للنوع يؤثِّر على طرق التفكير والعمل لدى جميع الفلاسفة. على سبيل المثال، جادل راي لانغتون وجنيفر هورنسبي بشكل مقنع بأن المعايير الثقافية والقوالب النمطية يمكن أن تؤثر تأثيراً ضاراً على قدرة النساء في أن يتم الإصغاء لهن، ويؤخذن على محمل الجد. أنا متأكد - إلى حد ما - أن ذلك يعيق النساء في الفلسفة، تماماً كما يفعل إلى حدٍّ كبير في أي مجال آخر. كنتِ (الكلام مُوجَّه إلى ماري وارنوك) ضد المحاصصة وأشكال أخرى من التدخل. هل هذا يعني أنكِ تعتقدين بألاَّ شيء يمكن، أو يجب فعله؟

ماري وارنوك: أجدني متفقة مع ما قلتَه سابقاً، أن الرجال راضون عن أنفسهم، في الاعتقاد بأن أولوياتهم الفكرية هي الأفضل. وهذا ما يجعل من الصعب على النساء إسماع أصواتهن. لكنني ما زلت هنا ضد التدخل الإيجابي؛ لأن ذلك يحمل دائماً خطر النظر إلى أن امرأة ما تم تعيينها تحت، مثلاً، نظام الحصص، وسيُنظر إليها على أنها ليست بالضرورة أفضل مرشح، وسيكون في ذلك المزيد من التقويض لإمكاناتها وقدراتها. أعتقد أن - في الفلسفة إن لم يكن في التخصُّصات الأخرى - الأمور آخذة في التغير تدريجياً. جزئياً بسبب عمل وإنجازات بعض النساء، مثل أونورا أونيل، وبعض الرجال، كما هو الحال معك. أصبح تطبيق الأساليب الفلسفية على مواضيع أخرى أمراً مُسلَّماً به على نطاق واسع. على سبيل المثال، العلاقة بين الفلسفة الأخلاقية والطب، هي أمر أيضاً من المُسلَّم به على نطاق واسع، وربما الأهم من ذلك، يجري استكشاف الصلة بين الفلسفة والطب النفسي على نحو متزايد. وهذا التوسيع لنطاق الفلسفة سيكون لا محالة - إذا كان تدريجياً - جاذباً لمزيد من النساء إلى هذا الموضوع.

كتبت الفيلسوفة سالي هاسلانغر: «ضمن تجربتي فإنه من الصعب جداً أن تجد مكاناً في الفلسفة ليس مُعادياً بفاعلية للنساء والأقليات، أو على الأقل أفترض أن الفيلسوف الناجح يجب أن يبدو ويتصرف مثل (رجل أبيض تقليدي)».


ضوء ثانٍ... جوليان باغيني

فيلسوف بريطاني، ومُؤلف عديد من الكُتب حول الفلسفة التي تم صوغها كي تتناسب مع القُرَّاء عموماً. من مواليد العام 1968. مُؤسِّس ورئيس تحرير مجلة «الفلاسفة».

حصل على درجة الدكتوراه في العام 1996 من كلية لندن، عن أطروحة حول فلسفة الهوية الشخصية. له مجموعة من المشاركات المتنوعة في الصحف والمجلات وهيئة الإذاعة البريطانية.

من بين إصداراته «إمكانية الإرادة الحرة» (2015)، «خدعة الأنا: ماذا يعني أن تكون أنت؟» (2011)، «هل يجب أن تحكم على هذا الكتاب من غلافه؟» (2009)، «البطة التي فازت في اليانصيب: و 99 حجَّة سيئة أخرى» ونشر في كتاب ورقي في المملكة المتحدة بعنوان «هل يعتقدون أنك غبي؟» (2008)، «رحلة في العقل الانجليزي» (2007)، «الخنزير الذي يُريد أن يُؤكَل» و «99 تجربة فكرية» (2005). «الإلحاد: مقدمة قصيرة جداً» (2003)، «أدوات الفيلسوف: مجموعة من المفاهيم الفلسفية والأساليب»، وشاركه الكتابة بيتر إس فوسل (2002)، «ما يعتقده الفلاسفة» (2003)، «الفلسفة البريطانية الجديدة: المقابلات» (2002).


ضوء أول... ماري وارنوك

فيلسوفة بريطانية أخلاقية. وُلدت في 14 أبريل/ نيسان 1924 في مدينة وينشستر (مدينة كاتدرائية تاريخية وعاصمة سابقة لإنجلترا، وهي عاصمة مقاطعة هامبشاير، في جنوب شرق إنجلترا). كانت الأصغر من بين سبعة أطفال. والدتها ابنة مصرفي ناجح وأحد المموِّلين، ويُدْعى فيليكس شوستر. والدها آرشي ويلسون، اسكتلندي، درّس اللغة الألمانية في كلية وينشستر. عانى من الدفتيريا في العام 1923، ومات نتيجة قصور في وظائف القلب.

درست في «مارغريت هول» بجامعة أوكسفورد، وحظيت برتبة زميل فخري في العام 1984. في الفترة ما بين العام 1949 - 1966، كانت زميلة ومُدرِّسة للفلسفة في كلية سانت هيو بجامعة أكسفورد. عملت رئيساً لعدد من لجان التحقيق التي ترفع تقاريرها إلى جهات تعليمية ورسمية، وأصدرت في هذا المجال: «تقرير وارنوك (1978): الاحتياجات التعليمية الخاصة»، وهو عبارة عن تقرير أعدَّته لجنة للتحقيق في تعليم الأطفال المعوَّقين والشباب، «تقرير وارنوك (1984): تقرير لجنة للتحقيق في الخصوبة وعلم الأجنة»، «وارنوك، ماري (1978). تلبية الاحتياجات التعليمية الخاصة: دليل مُوجز من ماري وارنوك إلى تقرير لجنة التحقيق في تعليم الأطفال المعوَّقين والشباب».

من إصداراتها: «الأخلاق منذ العام 1900»، وصدر في العام 1960، «الوجودية»، وصدر في العام 1970، «الخيال» (1976)، «مذاهب الفكر» (1977)، «الذاكرة» (1987)، «الخيال والوقت» (1994)، «ماري وارنوك: مذكرات... الناس والأماكن» (2001)، «موت مُريح»، كتبته بالاشتراك مع إليزابيث ماكدونالد (2008)، وغيرها من الإصدارات.

ماري وارنوك - سالي هاسلانغر - جوليان باغيني
ماري وارنوك - سالي هاسلانغر - جوليان باغيني

العدد 4708 - الثلثاء 28 يوليو 2015م الموافق 12 شوال 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً