العدد 4726 - السبت 15 أغسطس 2015م الموافق 30 شوال 1436هـ

متى يلبس إبليس لباس الحق؟

عباس المغني abbas.almughanni [at] alwasatnews.com

سأل سائلٌ إبليس: متى تلبس لباس الحق؟ فأجاب: عندما تنعدم فرص التسامح فيصبح العدل الذي يريد الطرف الأول تطبيقه على الطرف الثاني، هو نفسه العدل الذي يريد الطرف الثاني تطبيقه على الطرف الأول. فحرّك السائل رأسه، وشفتاه منحنية للأسفل، فأدرك إبليس أن السائل لم يفهم شيئاً، فقال له: حسناً، سأريك الشيء على أرض الواقع. انظر إلى سلمان، فقد دخل مزرعة عامر، وأخذ كمية من المحصول من دون موافقة أو أذن، فشاهد كيف سألبس لباس الحق.

فذهب إبليس إلى عامر فأخبره أن سلمان أخذ المحصول من مزرعته، فنشب شجار باللسان، ورغم ذلك كادا أن يتوصلا إلى حل. فذهب إبليس إلى ابن عامر المراهق، وقال له: كيف تقبل بإهانة كرامتكم، يسرق محصولكم، ويرفع صوته على أبيك... لا لا لا، أين شرفك وكرامتك.

فغضب ابن عامر، فوسوس له الشيطان، بوضع السم في بئر الماء الذي تشرب منه عائلة سلمان، وعندما شرب 3 أبناء من عائلة سلمان ماتوا. عندها قال إبليس: الآن تورط الابن، وبهذا التورط لبست لباس الحق، فقد قضيت على أي أمل للتسامح والتصالح.

فغضب سلمان على موت أبنائه، فأخذ سكيناً وقتل ابن عامر، فغضب عامر وقتل سلمان، فغضب ابن سلمان، وقتل عامر، ثم انتقل القتل للأحفاد، واستمرت الكارثة هكذا. فكل حفيد يعتقد أن العدل هو أن يقتل قاتل أبيه، أي أن الابن الأول يعتقد أن العدل هو أن يقتل أب الثاني، والثاني يعتقد أن العدل هو أن يقتل أب الأول، فالسن بالسن والعين بالعين.

هنا قال إبليس لسائله: هل عرفت الآن كيف ألبس لباس العدل؟ فقال السائل: «نعم، القتل من الشر وليس من العدل، وأصبح الناس يرون منك (القتل) من العدل».

ثم سأل السائل سؤالاً آخر هؤلاء دخلوا في دوامة من القتل لا نهاية لها، فكيف سيخرجون منها؟ فقال إبليس: كسر هذه الدوامة بسيط جداً، هذه الدوامة تتحرك على عجلة التشدّد والكراهية والحقد، ولا يوقفها وينهي دورانها إلا التسامح، ورغم بساطة التسامح إلا أنه صعب على النفس البشرية التي أصيبت بداء التشدد والكراهية، ويحتاج إلى قوة الحب وهي قوة لا يصلها إلا قليل من البشر. ولهذا أنا مطمئن أن أغلب الناس لا يستطيعون أن يخلعوا لباس الحق مني عندما ألبسه.

فالعملية التي يرتدي فيها إبليس لباس الحق، تبدأ بنشر سوء تفاهم، ثم خلاف، ثم تشدد، ثم توريط في عمل يقضي على فرص التسامح والتصالح، ثم تعظيم «الأنا» بحيث ترى أنها تمثل العدل بالطرف الثاني، والعكس، وفي هذه الحالة يتحول المجتمع إلى جحيم، وتتوقف فيه الحياة والتطور، ويحرم من رؤية الجمال وروعة الوجود.

إقرأ أيضا لـ "عباس المغني"

العدد 4726 - السبت 15 أغسطس 2015م الموافق 30 شوال 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 3:32 ص

      هذه بالضبط الدوامة التي تعيشها المنطقة من الأحزاب الاسلامية

      التي كل واحدة تدعي الحق لهذا انتشر التكفير والإرهاب والكراهية للاخر

    • زائر 3 | 1:45 ص

      مثال ..

      أو أمثلة مع إبليس لكنها واقعية حيث الأخذ بالثأر عادة متوارثة في بعض الدول العربية والاسيوية وحتى الغربية ..

    • زائر 2 | 1:37 ص

      اهلًا بالعودة

      افتقدنا مقالاتك الفكرية. ما جاء في المقال هو ما كان و يكون و سيكون. لا امل في التغيير.

    • زائر 1 | 12:33 ص

      الغفران يصنع المعجزات

      دونتها في مقال فالغفران هو الحق ...مقال رائع

اقرأ ايضاً