العدد 4924 - الإثنين 29 فبراير 2016م الموافق 21 جمادى الأولى 1437هـ

بين الأغاني الوطنية... والأغاني «الإرهابية»

رضي السماك

كاتب بحريني

لعبت الأغاني الوطنية والقومية دوراً كبيراً في شحذ همم ومعنويات المناضلين في حركات التحرر الوطني بكل البلدان العربية، ولاسيما إبان الحقبة الناصرية، وكذلك خلال نضالاتهم من أجل الإصلاحات الديمقراطية، وكانت في سني المقاومة الفلسطينية المسلحة أشبه بالسلاح الخطير الثاني بعد البندقية أو الكلاشينكوف، وعلى سبيل المثال فلعلَّ جيلنا الذي عاصر في شبابه الحرب الأهلية اللبنانية يتذكر جيداً الدور المؤثر الذي مارسته أغاني مارسيل خليفة في إشعال جذوة حماس مقاتلي القوى الوطنية والفلسطينية على السواء، إن في مواجهة اسرائيل، وإن في مجابهة القوات اليمينية اللبنانية التي تحظى بدعم الأولى، ومازال أبناء جيلي يتذكرون جيداً ما كان لأشعار وأغاني أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام خلال السبعينات في مصر من تأثيرٍ كبيرٍ في منتهى الأهمية في شحن الروح الثورية لطلبة الجامعات المصرية، والحركة الوطنية المصرية عامة في مواجهة ارتداد الرئيس الراحل السادات عن خط سلفه الرئيس جمال عبدالناصر، وتوجههه للانفتاح على الغرب بقيادة الولايات المتحدة والتصالح مع «إسرائيل» باتفاقيات مُجحفة واتباعه سياسة القبضة الحديدية في مواجهة معارضيه من التيارين الناصري واليساري، ولم ينجُ من هذه القبضة في مرحلة لاحقة حتى التيار الإسلامي.

ولعل آخر تجليات الدور المحوري الملهم والخطير الذي تلعبه الأغنية الوطنية تبيّن في انتفاضة السكاكين الحالية للشباب الفلسطيني ضد جنود الاحتلال الاسرائيلي، فلم تتورع حكومة نتنياهو في اتهام من يزوّد هؤلاء الشباب بالأغاني الثورية الحماسية في تحريضهم على ما تصفه بـ « الارهاب «، حتى أن سلطات الاحتلال أغلقت بعض الإذاعات المحلية الفلسطينية بهذه الحجة تحديداً.

لكن ما أشد الفارق بين الدور الملهم الذي تؤديه الأغاني الوطنية والقومية والاسلامية الجهادية الحقة من أجل أوطانها وشعوبها وبين الأغاني أوالأناشيد التي تشحذ الهمم لارتكاب الجرائم الارهابية باسم «الاسلام»، فهذه تلعب دوراً مدمراً في منتهى الخطورة في حفز «الانتحاري» أو المقاتل الإرهابي للمضي قُدُماً كالصاروخ نحو هدفه سواء في ميدان القتال، أو بحق الأبرياء في الأسواق أو المساجد والذين يختص بهم عادة الانتحاريون أو كما يسميهم تنظيمهم الشيطاني «الانغماسيين».

ينقل الكاتب العراقي فاضل السلطاني عن دراسة مشتركة مطوّلة نُشرت في مجلة «نيويوركر» الأميركية للباحثَين الغربيَّين المتخصصين في الأدب العربي، كل من روبن كروسويل، وبيرنارد هيكل، يُحللان فيها الدور الخطير الذي تلعبه الأشعار والأغاني «الداعشية» التي تُنشر وتذاع في وسائل التواصل الاجتماعي في إلهاب روح الحماسة لدى المراهقين الداعشيين الجُدد والقدامى، على رغم أن الناقل يعتبر أشعارهم لا تمتُّ إلى قواعد وفنون الشعر العربي بصلة، ومن ذلك ما كتبته شاعرة «داعش» أحلام النصر (زوجة أحد قادة التنظيم في الرقة): «أخيراً ربنا كتب السماحا.. وقد صافحت يا صبحي السلاحا / وقد عشت الخلافة والمعالي... وأحسنت الهناء والانشراحا/ ستبقى دولة الإسلام... بفضل الله تمتشق النجاحا»، ولها قصيدة أخرى تعبر فيها عن شوقها لجز رأس كافر: «وحسناً أن أنحر علجاً مرتداً... يا للروعة والحماس» .

ونظراً إلى الدور الخطير الذي تلعبه مثل هذه الأشعار والأغاني في جذب المراهقين وتلغيم عقولهم وأفئدتهم بالفكر الإرهابي المدمر حكمت محكمة في نيويورك في (اغسطس / آب الماضي) على شاب نيجيري (22 عاماً) بتهمة كتابة أغاني «راب « لجذب عشاق هذا النوع من الاغاني العاطفية من الشباب المسلم لإلحاقهم بتنظيم «القاعدة» في اليمن.

وبصرف النظر عن خروج أشعار التنظيمات الارهابية كـ «داعش» و»القاعدة» عن القواعد والمستلزمات اللغوية والفنية، إلا أنها تلقى رواجاً وجاذبية لدى الشباب الغر، وفي حين تهتم دراسات غربية برصد وتحليل هذا النوع من القصائد وتأثيرها السحري «المُلهم» في خطف عقول وقلوب الناشئة تغيب مراكز الدراسات العربية عن مثل تلك الدراسات والتي يفترض أنها الأكثر قدرة واختصاصاً في الاضطلاع بها من المراكز الغربية.

إقرأ أيضا لـ "رضي السماك"

العدد 4924 - الإثنين 29 فبراير 2016م الموافق 21 جمادى الأولى 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 12:41 ص

      الإمارات

      احي دولة الإمارات لاهتمامها بهذا الموضوع لان لها الكثير من الأغاني الوطنية التي تربط المواطنين بالدولة و القيادة و طبعا هذا بفضل الشعراء و المعنيين المبدعين في الإمارات. طبعا سابقا كانت الكويت

اقرأ ايضاً