العدد 4963 - الجمعة 08 أبريل 2016م الموافق 30 جمادى الآخرة 1437هـ

القطان: رسائل وأفلام ومقاطع ممنوعة يستغلها البعض للفجور في الخصومات في مجتمعاتنا

الشيخ عدنان القطان
الشيخ عدنان القطان

قال الشيخ عدنان القطان في خطبته بجامع الفاتح الإسلامي، أمس الجمعة (8 أبريل/ نيسان 2016): «إن مما يظهر الفجور في الخصومات والعداوات جلياً في مجتمعاتنا اليوم، بعض وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي، عبر الرسائل والأفلام والمقاطع المنوعة، واستغلالها من قبل البعض للفجور في الخصومات، والتنكيل بالخصوم بالكذب والتضليل والتحريض وعدم التثبت ونشر التهم والشائعات».

وبعنوان «التحذير من الفجور في الخصومة»، قال القطان: «لقد اقتضت سنة الله سبحانه وتعالى عندما خلق البشر، أن يكون بينهم اختلاف وتنوع وتباين في كثير من أمور حياتهم، في الأفكار والرؤى، والطبائع والسلوكيات، والأفهام والعقول وغير ذلك، يقول تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (هود: 118 - 119)، ويقول سبحانه «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (المائدة: 48)، وإن مما ينتج عن هذا الاختلاف والتباين، ظهور الخصومات والعداوات بين البشر، وذلك عندما تفسد الأخلاق والقيم في نفوسهم، وتغيب أوامر الدين وتوجيهاته من حياتهم، واتباع الأهواء وتزيين إبليس وخطواته».

وذكر أن «الإسلام عالج الخصومات والاختلافات والنزاعات والعداوات بين الناس إذا وقعت بينهم، بالرجوع إلى الحق ومراقبة الله، وتذكر الثواب والعقاب المترتب على ذلك في الدنيا والآخرة، والعفو والتسامح والصلح بين الناس وإقامة العدل، وحذر من الفجور في الخصومة، وهي على نوعين أحدهما: أن يدَّعي المخاصم ما ليس له، والثاني: أن ينكر المخاصم ما يجب عليه، إلى جانب الميل عن الحق والاحتيال في رده، وفعل كل السبل غير المشروعة، ليحتال على خصمه، ويتمنى له الأذى في نفسه وماله، ويتعمد الكذب عليه وتشويه صورته، والإسلام قد أمر المسلمين بالعدل حتى في حال الخصومة والاختلاف والعداوة، وعدم تجاوز الحق والشرع، يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة: 8) ويقول سبحانه: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النحل: 90)... وكان النبي (ص) يسأل ربه دائماً أن يوفقه للحق والعدل حتى في حال الغضب، لكي لا يظلم أحداً، وهو بذلك يعلم أمته ويربيها على هذه القيم والأخلاق حتى لا تنحرف على الصراط المستقيم، فكان يقول في دعائه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ). ولذلك لما عاد رسول الله (ص) من بدر منتصراً لقيه نَفرٌ مِن المُسلِمين يُهَنئونَهُ بِما فَتَحَ الله عَلَيه في بَدر، فَقَالَ لهَم سلمة بن سلامة (رض): مَا الذي تُهنئوننا بهِ؟ فَو الله إن لَقَينَا إلا عَجَائِز صَلعاً كَالبدن المُعَقلَة، فَنَحرنَاهَا، (وهي الإبل التي تهدى إلى مكة) فَتَبَسمَ رَسول الله (ص) ثمَ قَال: أي ابن أخي، أولئك الملأ... يقول ابن هشام في السيرة: «الملأ الأشراف والرؤساء»... فَقد أقَر رسولنا الكَريم (ص) شَرَفهم وَسيادَتهم على رغم خُصومَتِهِ لهم، فَهذا مِن عدل وإنصاف أفضَل البَشر مُحمد (ص)».

وتساءل القطان «كم من خصومة بلغت حد الفجور، وقعت بين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، والوالدين مع الأبناء، والصديق مع صديقه، والجار وجاره، والمدير وموظفيه، تحولت تلك الخصومات إلى فجور، فهدمت أسر وقطعت أرحام، وفقدت الثقة، وتعطل الإنتاج، واختفى الحق، وظهر الظلم، وكثر الجدال والسجال... وكم من خصومة واختلاف وتباغض بسبب آراء أو وجهات نظر أو موقف سياسي بين أبناء الوطن الواحد، تحولت إلى أحقاد وضغائن وعداوات، وكيد ومكر من هذا وذاك، عصفت بالأوطان، وهدت من قواها، وسفكت الدماء، وذهب الأمن، وحل الخوف، وتعطل العمل والبناء والإنتاج... وكم من خصومة بلغت حد الفجور، تحولت إلى قطيعة وهجران ليس لأيام، بل لسنوات طوال بين الأقرباء والزملاء والأصدقاء والأهل والجيران (...) ونتج عن هذه الخصومات والمجادلات، تحول العلاقات بين الناس، إلى سب وشتم وغيبة ونميمة وكذب وبهتان، واستغلال للفرص والأحداث، إلى جانب عدم ترك فرصة أو طريق للصلح وحل النزاع والخلاف، وهذه ليست من صفات المؤمنين».

وأشار القطان إلى أن «سنة الله تعالى تقتضي أن تحدث بين الناس خصومات وعداوات في هذه الدنيا بسبب أهوائهم ورغباتهم ومشاكلهم ومعاملاتهم، لكن من غير المقبول شرعاً أن يتجاوز الفرد في خصومته الحق والعدل والإنصاف... فأنا مختلف مع أخي وخاصمني في قضية ما، لكن هذا لا يجعلني أكذب عليه، أو أظلمه أو أقول عليه ما ليس فيه، وإن كان له الحق تنازلت واعتذرت من دون كبر أو عجب أو فجور في الخصومة».

ونبه إلى أن «الفاجر في الخصومة هو من يعلم أن الحق ليس معه فيجادل بالباطل، يسبق لسانه عقله، وطيشه حلمه، وظلمه عدله، لسانه بذيء، وقلبه دنيء، يتلذذ بالتهم والتطاول والخروج عن المقصود، والفاجر في الخصومة قلبه مليء بالحقد والحسد وسوء الظن بمن حوله، ويحرم صاحبه راحة البال، إلى جانب أنه صفة من صفات المنافقين، وبسببه ينال مقت الله وغضبه وسخطه في الدنيا قبل الآخرة (...) إنه لا بأس أن يدافع المرء عن حقوقه المشروعة بطريقة مشروعة، واضعاً نصب عينيه العدالة مع الخصم حتى لا يفقد توازنه ويخرج عن الأدب الشرعي الذي أمره الله به».

ورأى القطان أن «مما يظهر الفجور في الخصومات والعداوات جلياً في مجتمعاتنا اليوم، بعض وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي، عبر الرسائل والأفلام والمقاطع المنوعة، واستغلالها من قبل البعض للفجور في الخصومات، والتنكيل بالخصوم بالكذب والتضليل والتحريض وعدم التثبت ونشر التهم والشائعات حتى وصل الأمر إلى الاستهانة بالدماء والأموال والأعراض، وتعريض الأوطان للفتن والخراب والدمار، والعبث بالسلم الأهلي والاجتماعي، انتصاراً لقضايا شخصية، أو عداوة دنيوية، أو هوىً متبع، من دون مراعاة للمفاسد والمصالح والخير والشر والحق والباطل والصح والخطأ».

وأشار إلى أن «الفاجر في الخصومة ليس لديه حدٌّ ولا ضابط فيها، غايته تبرر وسيلته سواء أكان هذا الفاجر في الخصومة في باب الحقوق أو العقائد أو الأخلاق، ومن نظر إلى واقع المسلمين اليوم وما يكون فيه من التراشق المقروء والمرئي والمسموع لَيجد لذلك أشكالاً وألواناً، ويسمع رجع صدى لهذا الأذى والسوء والمكروه، لتصبح ثقافة طالب العلم أو الصحافي أو الإعلامي، أن الخصومة تبيح له التطاول على الأفراد والجماعات والمسئولين، وتصنيف الناس والدعاة والعلماء وتجريحهم والوقيعة فيهم، وإشعال نار الفتن بالصالحين وغيرهم، ليصل بذلك إلى النوايا ولينشر المستور والفضائح، ويصبح الحاكم الوحيد على مثل هذه القلوب المريضة هو عين الرضا التي تستر القبيح، أو عين العداوة التي تستقبح الإحسان، فاحذروا رحمكم الله من الخصومات واحذروا من الفجور في الخصومات، وراقبوا الله في أعمالكم وأقوالكم وكونوا عباد الله إخواناً، وتطلعوا إلى ما عند الله من أجر وثواب، لمن صفت قلوبهم، وحسنت سريرتهم، واستقامت نفوسهم، واعلموا أن الخصومات في الدنيا ستعرض مرة ثانية يوم القيامة أمام جبار السموات والأرض، وسيطلب منك أن تعيد الكلام نفسه الذي قلته في الدنيا، فإن كان حقاً نجوت وإن كان باطلاً خُصِمت... عندها لن تجد حجة أو عمل تدفع به غضب الله وسخطه وعقابه».

العدد 4963 - الجمعة 08 أبريل 2016م الموافق 30 جمادى الآخرة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 11:47 م

      اااقولهااا

      احسنت يا شيخ عدنان بارك الله فيك
      هذه المواضيع الي المفروض تنطرح
      لتوعية الشباب الضائع
      الله يهدينا جميعًا لطريق الحق

    • زائر 2 زائر 1 | 4:00 ص

      ونعمة بالله

      بس ياأخي الكريم الشيخ يتكلم عن أفلام و الاجهزة الذكية أش رايك انت ويا الشيخ أويدكم فرة الليلة او شوفوا على الطبيعة او سؤالي لك او لشيخ ليش مايتكلم عن المصايب إلي عندنة

اقرأ ايضاً