العدد 4972 - الأحد 17 أبريل 2016م الموافق 10 رجب 1437هـ

نظرية بورديو والرأسمال الثقافي والتعليم

يوسف مكي (كاتب بحريني) comments [at] alwasatnews.com

كاتب وباحث بحريني

يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002) من بين علماء الاجتماع المهمين في دراسة القضايا الاجتماعية والثقافية. وقد استطاع من خلال دراساته الميدانية في المجتمع الجزائري، وبعض المجتمعات الريفية في المجتمع الفرنسي أن يطوّر بعض المفاهيم النظرية، وخاصة فيما يتعلق بنظرية الممارسة الاجتماعية.

وفي تفسيره للممارسة، فإنه يعتبرها نتاج علاقة جانبين مهمين هما الجانب الذاتي والجانب الموضوعي، وأن طابع هذه العلاقة جدلي، وفي سبيل ذلك استطاع بورديو أن يقدّم مفهوم المجال من جهة والهابيتوس (الاستعدادات والقيم والإمكانيات) من جهة أخرى. ووفقاً لنظريته، فإن الممارسة هي من نتاج العلاقة بين الهابيتوس والمجال.

ولمعرفة المواقع الاجتماعية للأفراد والطبقات والفئات، قسّم البنية الاجتماعية لأي مجتمع إلى مجالات، وذلك لأن الأفراد لا يتعاملون مع المجتمع ككل؛ بل مع أجزاء أو مجالات منه ينتمون إليها. دون أن يمنع ذلك من انتماء الفرد إلى أكثر من مجال في وقت واحد.

والهابيتوس يتم اكتسابه من خلال محورين هما التنشئة الإجتماعية الأسرية، وعن طريق التعليم المؤسسي. وبذلك يصبح لكل طبقة أو فئة هابيتوس خاص بها، ويعبّر عن واقعها وتطلعاتها بل عن أيدلوجيتها.

وفيما يتعلق بالمجال، فيعتبره بورديو أداةً وسيطةً بين الفاعلين والبناء الاجتماعي العام، بحيث يترتب على تلك العلاقة نوع من الممارسة، تتناسب وهذا المجال دون ذاك. وأن لكل مجال رأسمال خاص به، والعلاقة فيما بين المجالات هي علاقات تنافسية وصراعية على صعيد المجال نفسه وفيما بين المجال والمجالات الأخرى.

الشيء المهم في نظرية بورديو أنه ابتكر مفاهيم من قبيل الرأسمال النوعي، وينقسم إلى أربعة أقسام وهي: الرأسمال الاجتماعي، الرأسمال الرمزي، الرأسمال الثقافي، وأخيراً الرأسمال الاقتصادي. ولكل رأسمال من هذه الأشكال النوعية خصائصه النوعية، وفيما يتعلق بعلاقة الأشخاص بهذه الأشكال الأربعة أنه يمكن للمرء أن يكون لديه رأسمال ثقافي دون أن يكون لديه رأسمال اقتصادي، أو يكون لديه رأسمال ثقافي دون أن يكون لديه رأسمال اقتصادي، أو أن يكون لديه رأسمال اقتصادي دون أن يكون لديه رأسمال رمزي وثقافي، لا بل يمكن أن يكون لديه رأسمال اجتماعي لكن ليس لديه رأسمال ثقافي أو رمزي. ومع ذلك فإن هذه الأشكال من الرأسمال يمكن أن تتداخل ويؤدي بعضها إلى بعض، كأن يؤدي الرأسمال الثقافي إلى الحصول على رأسمال رمزي، وهذا بدوره يؤدي إلى الحصول على رأسمال اقتصادي، ومن ثمّ إلى الحصول على الرأسمال الاجتماعي.

ومن أجل تسليط مزيدٍ من الضوء على نظريته، أعطى بورديو اهتماماً بالغاً لأهمية التعليم، ودوره بالمعنيين السلبي والإيجابي. واعتبره داخلاً ضمن الرأسمال الثقافي، وهو شكل من أشكال التنشئة الاجتماعية المنظمة والممنهجة والمخطّطة.

ويرى أن نظام التعليم – وهو شكلٌ من أشكال الرأسمال الرمزي - في أي بلد وإن بدا أنه يقدّم حقائق علمية وتربوية حيادية، هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك، وأن ما يقدّمه نظام التعليم ليس إلا قيم وثقافة الطبقة الحاكمة، بحيث يتم إظهارها، وكأنها ثقافة المجتمع بكل مكوّناته، أي إخفاء محتواها الطبقي والمسيطر والأيدلوجي.

ومن منظور نظريته، اعتبر أن التعليم شكل من أشكال العنف الرمزي، بحيث يتم من خلاله تطويع العقول وغسل الأدمغة بما يتناسب وما يراه القائمون على الأمر؛ ولكن بشكل ناعم. وهنا خطورة التعليم بالمعنى السلبي؛ لأنه يسلب ممن يتعلمون ملكة التفكير والرؤية النقدية، وكأنه يقوم بغسيل مضبوط للأدمغة منذ الطفولة حتى الجامعة وعبر فترة زمنية طويلة نسبياً. وحسب نظرية بورديو، إذا كان السجن يقوم بتطويع الأجساد فإن التعليم يقوم بتطويع العقول. وفي الحالتين يعتبرهما شكلين من أشكال العنف، يختلفان في الشكل ويتفقان في الهدف. فقط الفرق أن التعليم عنف ولكنه رمزي، وتطويع الأجساد هو الآخر عنف ولكنه مادي، أو أكثر ملموسية ومباشرة وسريع النتيجة.

أفكار بورديو قيّمة وجديرة بأن يتم توظيفها في دراسة وتحليل أنظمتنا التعليمية في البلدان العربية، وهي تكاد تكون نظاماً تعليمياً واحداً من حيث المضمون، وتعبّر عن بنية الأنظمة أكثر مما تعبّر عن احتياجات المجتمعات العربية.

ويمكن القول إذا كانت نظرية بورديو تنطبق بهذه القدر أو ذاك على مختلف الأنظمة التعليمية، فإنها أكثر ما تنطبق على نظامنا التعليمي المترهل والعقيم في بلداننا العربية. نظرية يمكن الاستفادة منها في مقاربة النظام التعليمي العربي ومعرفة مقدار العنف الرمزي، الكمي والنوعي الذي يحتويه. فالنظام التعليمي العربي لا يفرق كثيراً عن النظام السياسي العربي والعلاقة بينهما علاقة تآزر وتعاون. لا بل إن النظام التعليمي يعكس واقع المأزق الذي وصلت إليه الأمور في بلداننا العربية.

إقرأ أيضا لـ "يوسف مكي (كاتب بحريني)"

العدد 4972 - الأحد 17 أبريل 2016م الموافق 10 رجب 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً