العدد 5087 - الأربعاء 10 أغسطس 2016م الموافق 07 ذي القعدة 1437هـ

لعن الجنائز

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل أيام، ودَّعت البشرية بألمٍ مخترعاً بارعاً وخلاقاً. إنه العالِم العربي البارز أحمد زويل الذي ارتحل عنا عن عمر ناهز السبعين عاماً بعد فشل في وظائف الجهاز التنفسي. وقد أقِيمَت للرجل في مسقط رأسه مصر جنازتان، الأولى عسكرية، والثانية شعبية تكريماً له ولمنجزه العلمي.

وإلى جانب الإطراء والكلمات التي قِيلَت في تأبين الراحل، سُمِعَت أصوات غريبة أطلقها أحد الدعاة حين ظهر في لقاء تلفزيوني وهو يشتم الدكتور أحمد زويل ويتعدّى عليه بعد أن وصفه بالمجرم والهالِك والكافر، قائلاً بعدم جواز الترحّم عليه بل وجواز لعنه، بتهمة إعانته للكفار! لقد قيل ذلك الكلام والرجل لم يُدفَن بعد.

والحقيقة أن ذلك الخطاب «الغريب» ليس مؤلماً فقط لزوجة الراحل المكلومة السيدة ديما الفحَّام أو لشقيقاته هانم وسهام ونانا، أو لعائلته الصغيرة والمركّبة وطلبته (الذين نُعزّيهم جميعاً في هذا المصاب الجلل)، بل إن ذلك الكلام كان صعباً على كل مَنْ أحبّ الراحل وانتفع من علمه، ووجده قيمة لهذه البشرية، التي ما فتئت وهي تكابد من أجل حياة أفضل عبر التطور.

لذلك، فإن الدفاع عنه ليس وظيفة خاصة بمَنْ يَلونَه نسباً في الدَّم، بل وظيفة كل محبّيه، في وجه ذلك الخطاب التحريضي النابت على التكاره. وللعلم، فإنني كنتُ بصدد إكمال الحديث عما تبقّي من العلماء «المسلمين» العشرة الذين كُفِّروا في زمانهم، واليوم يُحتفى بهم كعباس بن فرناس وابن سينا، إلاّ أن ما سمعته في حق زويل جعلني أكتب عنه وأنا أرمق ذات الساقية البائسة.

ومن حسن الحظ أن الرجل كُرِّمَ في حياته، ولَقِيَ حفاوةً في بلاده وفي مهجره كذلك قبل أن يترجّل ويستعجل الرحيل. لذلك، لن ينتظر أحدٌ أن يأتي ذَهَبيٌّ في المستقبل أو خوارزمي وابن وردي آخر كي يُحدِّث الأجيال القادمة عما حلَّ بزويل من ظلم وشتم وتشريد كما حصل لأقرانه من العلماء السابقين، الذين أبدعوا في الطب والفلك والاختراع والفلسفة لكنهم قوبلوا بالعداء كما ذكرت.

فهذا العالِم الذي حازَ على 100 جائزة علمية، كلَّلها بنوبل قبل أزيد من عقد ونصف، قد نَفَعَ الإنسانية بما يزيد عن الـ350 بحثاً علمياً، تحمِل من الأوزان التي «قد» لا يتحسَّسها أحد من أولئك ممن هم لا يفقهون في معاني العلوم، فضلاً عن أن يُدركوا معنى للـ»فيمتوثانية» الذي أبدع فيها زويل ونال جائزة نوبل عليها.

إن المشكلة التي جمعت أحمد زويل بمن سبقوه من علماء رَجمَهم خصومهم بالانحراف والتكفير وغير ذلك من الأوصاف هي واحدة. ففي اللحظة التي أتى ابن سينا أو ابن رشد أو بن فرناس بما أتوا به، سواءً في العلوم الفلسفية أو الطبية وغيرها، ولم تتحملها عقول البعض، كانت المواقف تترى عليهم من خلال ذلك الفهم الناقص لما جاءوا به، الأمر الذي دفع أولئك لأن يقولوا فيهم الأقاويل.

أحمد زويل هو أيضاً كذلك، أو بصورةٍ أدق مَنْ كانوا يستمعون له كانوا هم كذلك من حيث عدم الإدراك الكامل لما كان يقول، الأمر الذي جعلهم يُكفِّرونه ويشتمونه. فعندما كنتُ أقرأ كتاب زويل «عصر العلم» أو أستمع إليه وهو يشرح بعض النظريات الدقيقة، وجدتُ نفسي تائهاً في تفاصيل يقف العقل حائراً أمامها، وبالتالي عدم فهم على كل ما يترتب عليها من أمور.

فحين كان يشرح مقدار الفيمتوثانية إلى الثانية على سبيل المثال كان يُرقّمه بمثل مقدار الثانية من 32 مليون سنة. وحين كان يقول عن الضوء لحظة قَطْعِه لسُمْك شعرة واحدة لدى الإنسان كان يشير إلى أن مقياس سرعتها هي بمقاس الـ»فيمتوثانية»، ثم يقيس ذلك على قطع الضوء للمسافة ما بين الأرض والقمر.

وهو حين يتحدث عن ذلك، فهو ينقلنا من الخيال الصعب للـ»نانوثانية» التي هي جزء من مليار جزء من الثانية، إلى الخيال الأصعب وهو «الفيمتوثانية» التي هي جزء من ألف تريليون جزء من الثانية، أو جزء من مليون مليار جزء من الثانية. وهو يطرح ذلك في إطار الميكروسكوب الرباعي الأبعاد، لتحديد مسائل الجينات، التي تشهد تفاعلات كيميائية مقدار زمن جزء من ألف تريليون جزء من الثانية.

وزويل لحظة حديثه عن الجينوم الملتوي والمنضوي في خليّة واحدة، يُبيّن بأن كل فصل من فصول الجينوم يضم ثلاثة مليارات حرف. وتتوزّع التأثيرات التي تتحكم في أشكال البشر في أجزاء محددة من ذلك الجين. وفي أمراض السرطان، يمكن تشخيص الأجزاء المتعللة كي تُزال أو تُعالَج.

مثل هذه التفاصيل تعتبر دقيقة، وقد يتوقف العقل أمامها ليُحال إلى فهم ولكن بسوء نية. وهذا الأمر حصل على ما يبدو مع زويل وغيره. ولكن للأسف، كثير من أولئك الذي يقفون مثل تلك المواقف السلبية من العلماء والمخترعين، لا يترددون في طلب العلاج في ذات المراكز العلمية المرموقة التي تعتمد على تلك العقول الجبارة في إنجازاتها.

ليس ذلك فحسب، بل إن بعض رجال الدِّين والدعاة يستخدمون مثل تلك الأبحاث العلمية التي أنتجها أحمد زويل رحمه الله وغيره، في الاستدلال على شئون دينية يُروّجون لها، ولم يكونوا بقادرين على فعل ذلك لولا أولئك العلماء وأبحاثهم الذي يُكقِّرونهم أصلاً، وهنا تأتي المفارقة العجيبة.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5087 - الأربعاء 10 أغسطس 2016م الموافق 07 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً