العدد 5108 - الأربعاء 31 أغسطس 2016م الموافق 28 ذي القعدة 1437هـ

علاج الشوكة بالشوكة

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كثيراً ما تظهر النقاشات في القضايا العامة على وسائل التواصل الاجتماعي، مستوى من الوعي يحتاج إلى الكثير من المراجعة والتطوير.

ولأن مجتمعاتنا العربية تعيش واقعاً راكداً، لا تغيير فيه ولا إصلاح؛ فإنها تهشّ وتبشّ لأي حركةٍ صغيرةٍ تتخذ شكلاً ملوناً من أشكال التغيير، حتى لو اتخذت مظهراً صارماً لا يحترم القانون. فيكفي خبر إقالة مجموعةٍ من الوزراء المعمّرين على مقاعدهم، مرةً واحدةً في أحد البلدان العربية، ليعيش الشعب شهوراً من الغبطة والاحتفالات! فسرعان ما ستأتي الآلة الحكومية بغيرهم ليلتصقوا بمقاعدهم لعشرات السنين. ويكفي انتشار مقطع فيديو لأحد المسئولين وهو يقيل مجموعة من الموظفين المقصّرين، ليتم تداوله بالملايين.

هذه الإجراءات الحاسمة السريعة، ستقتلع بعض المسئولين من مناصبهم، وتطوّح بهم ربما إلى المجهول، وستشيع جواً من الفرح العام، أقرب إلى روح التشفي، بسبب انتشار الفساد المالي والإداري والبيروقراطية والوصولية والعوائلية. لكنها في المقابل، ستشيع جواً من الخوف والرعب والتوجس الدائم، في أوساط الإدارات الحكومية، ولن تنجح في زرع ثقافة تقديس العمل واحترام الواجبات. سيلجأ الموظف للظهور في أعلى مستويات الانضباطية، لكنك لن تستطيع أن تلامس قناعته، وتغيّره من الداخل، ليكون موظفاً عمومياً مخلصاً ووفياً، يشعر بأن ما يستلمه من راتب ليس هبةً من حاكم أو منحةً من حكومة، وإنّما لقاء عمل وجهد يبذله طوال ساعات الدوام، «يخدم» خلالها المراجعين.

إن استبدالك تسجيل نظام الحضور من التوقيع الورقي إلى البصمة الالكترونية، سيزيد درجة الانضباط في وقت الحضور والانصراف، لكنه لن يغيّر من سلوك الموظف الذي ينظر للمراجعين باعتبارهم أصحاب حاجةٍ وقعوا بالصدفة تحت رحمته، فيستهين بأوقاتهم ولا يكترث بتأخيرهم، ويتشاغل عنهم بالعبث بالهاتف النقال عن إنجاز معاملاتهم، بينما تزداد طوابير انتظارهم. هذه العقلية غير المكترثة بالبشر، تحتاج إلى تربيةٍ على قواعد وقيم العمل، واحترام أوقات الآخرين، وهي من أبسط بديهيات الإدارة الحديثة، التي مايزال يفصلنا عن الالتزام بها عشرات إن لم يكن مئات السنين.

الجهاز الحكومي في مختلف البلدان العربية مصابٌ بالترهل ويعاني من أمراض الشيخوخة، ومقاومة التغيير. وربما تذكرون كيف استعاد هذا الجهاز سلطته في مصر، بعد عامٍ واحدٍ فقط على ثورة الشعب المصري، فيما تمت تسميته بـ»الدولة العميقة». وهي ظاهرةٌ لا تقتصر على الدولة المصرية -أو السورية أو العراقية...- التي يزيد عمرها على 5 آلاف عام، بل تراها راسخةً أيضاً في الدول العربية الفتية التي لايزيد عمرها على 50 عاماً.

قبل سنوات، استقال وزيرٌ بريطاني؛ بعدما كشفت الصحافة أخذه كميةً من السماد لمزرعة بيته، وقبل عام استقالت وزيرة أوروبية؛ لأنها شحنت خزان سيارتها بوقود عبر نظام دفع حكومي، لعدم توفرها على نقد، وسرعان ما قامت بتسديده، لكن الحرج الذي صادفته من الرأي العام، اضطرها للاستقالة. أما من ينتقد مظاهر الفساد في الدول العربية، ويدعو لإصلاح الخلل والحفاظ على المال العام والعدالة والإنصاف، فتثور عليه الصحافة وتتهمه بخيانة الوطن والتآمر مع العدو الصهيوني، وترفع في وجهه نظريات «إذا بليتم فاستتروا»! حتى علاجاتنا تحتاج إلى علاج... «كناقش الشوكة بالشوكة -لإزالتها- وهو يعلم أن ضلعها معها»!

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 5108 - الأربعاء 31 أغسطس 2016م الموافق 28 ذي القعدة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 17 | 6:26 ص

      للاسف حب الذات و الانانية متفشي في اصحاب المناصب متجردون من حب الوطن وإصلاح المجتمع لا يوجد حس وطني لرفع شان الوطن بين الامم و للاسف يبيعون اخرتهم بدنياهم اللهم نسألك حسن الخاتمة

    • زائر 16 | 5:30 ص

      اذا الشخص ماعنده ذمة و ضمير صعب انك تقدر تحكمه بقوانين لأنه يقدر ينفذ بجلده و لا بتصيد عليه اي غلطة ... كل اللي محتاجين اليه ان احنا نربي جيل عنده احساس بالمسؤولية ... حتى نضمن ان وضع البلاد يتغير للاحسن في السنوات القادمة

    • زائر 14 | 3:16 ص

      الحل أولاً في وجود مسؤول شريف و نزيه يتابع عمل موظفيه وسلوكياتهم في العمل ويحاسبهم عليها، مسؤول يتواجد مع الموظفين منذ الصباح وعلى فترات ليرى بنفسه طريقة تعاملهم مع المراجعين وأداءهم ليزرع الالتزام والاخلاص فيهم. ولكن أين هذا المسؤول؟؟؟ لا يوجد مع الاسف.

    • زائر 13 | 2:48 ص

      هذا الاقالات هي نفس البندول تخفيف للالام علاج المشكله هي في مشاركه الشعب في القرار السياسي عبر انتخايات شفافه ونزيهه وغير مفبركه او ملصقه بعلوج
      راح اجيب ابسط مثال عندنا المذيع التلفزيوني شخص محنط لو يصيده موقف بسيط غير متوقع تشوفه يتبهدل وما يعرف شلون يتصرف خوقا من الرقيب والمسؤوول
      وطالع موضه انك لمى تشتكي من وضع سيء يقول لم انتوا تدعون المظلوميه دائما

    • زائر 10 | 1:49 ص

      الفساد مثل الثعبان أذا قطعت الرأس أصبح الباقي حبل وفي الدول العربية لا نرى قطع رأس الفساد أنما نرى التضحية ببعض صغار الموظفين والمجيء بموظفين جدد ليحرسوا الفساد والمفسدين ويكونوا خير عون لهم

    • زائر 9 | 1:43 ص

      هي مسألة قانون وتطبيق جزاءات وخطوات فيها اجراءات قانونية متدرجة ام خذوه فغلوه؟
      لكن مع ذلك تجد هناك من يصفق لذلك.

    • زائر 7 | 1:33 ص

      هل ينص القانون على إقالة أي موظف مقصر؟ ام هو مزاج واستعراض إعلامي (شو)؟

    • زائر 6 | 1:22 ص

      استقال وزيرٌ بريطاني؛ بعدما كشفت الصحافة أخذه كميةً من السماد لمزرعة بيته.
      ضعوا الف خطّ تحت جملة أخذه كمية من السماد لمزرعة بيته، وانظروا الى حالنا فتقارير الفساد للسنوات الخمس السابقة اثبتت اختلاس أو فلنخففها ونقول هدر عشرات المليارات في بلد صغير كالبحرين. ولم يقل ولم يقف على منصة الاستجواب وزيرا واحدا ولا حتى مسؤولا واحدا.
      10 % من سواحل البحرين (65 كيلو متر) تبخّرت ولم يحاسب لا وزير ولا وكيل

    • زائر 5 | 12:19 ص

      صدقت يا سيد.. وجوهر القول يجري على دعاة الاصلاح والعدالة والانصاف ليخضعوا هم للقانون قبل غيرهم لتنحل معاناة أهالينا في الدراز.

    • زائر 8 زائر 5 | 1:36 ص

      وشدخل هذا بهذا؟
      مقال السيد يتكلم عن موظفي الحكومة وإقالتهم بهذه الطريقة وهل صحيح ذلك أم لا؟ وأنت تتكلم عن قضية أخرى ما لها دخل تتعلق بحرية التجمع والتعبير السلمي.

    • زائر 4 | 11:52 م

      من المؤسف حقا

      هذا الذي يحصل للشعوب مؤسف حقا ماذا نقول تعبنا تعبنا نستعين بك ياااااارب العالمين

    • زائر 3 | 11:11 م

      عجبني مصطلح العوائلية

    • زائر 2 | 10:35 م

      من قال إن البصمة تضبط حضور الموظفين؟ أعرف من الموظفين من يبصم في القسم القريب من مسكنه و يخرج لإنجاز أعماله الشخصية طوال اليوم. ثم يعود و يبصم مرة ثانية.

    • زائر 1 | 10:18 م

      مو اليوم من يتضاهر بمحاسبة المفسدين هو نفسه المفسد والجميع يعلم ذلك

اقرأ ايضاً