العدد 5136 - الأربعاء 28 سبتمبر 2016م الموافق 26 ذي الحجة 1437هـ

نجم سهيل

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

مرّ علينا هذا الصيف بدرجات حرارة «متميزة». تميزها الذي أعنيه هو في حرارتها العالية المصحوبة برطوبة خانقة أكثر من السنوات الماضية. وقد جعلتنا تلك الأجواء نؤمّل في أي نسمة هواء تمر على مناخيرنا كي نعتقد «خطأً» بأن حاقَّة الصيف قد بدأت تهدأ قليلاً، لنكتشف أن ذلك ما هو إلاّ سراب متكرر.

ومُذ كنا صغاراً كانوا يُحدِّثوننا بأن الخلاص من الصيف في كل عام هو في خروج نجم «سْهَيْل» كما كانوا ينطقونه لنا. وقد كبرنا على ذلك القول الذي تبيّن أنه لم يعد مقتصراً على «المحكي الشعبي» بل امتدّ إلى حيث مراكز دراسات الأنواء والكتابات، سواء في الأسفار أو وسائل الإعلام.

هل تتذكرون المانشيتات الصحافية في البحرين والخليج التي تشير إلى أن الحرارة تنخفض مع طلوع نجم سُهَيْل (هكذا ذُكِرَ ولُفِظَ في المصادر)، وأن الأخير يأذن باعتدال الطقس، أو يكسره؟ لقد بتنا نظن أن لا أحد يعرف نجم سُهَيْل إلاّ نحن البحرينيين أو الخليجيين؛ نظراً لما تعانيه منطقتنا من أجواء حارة جداً خلال فترة الصيف.

الحقيقة، أنني جِلْتُ في مصادر تاريخية كثيرة كي أقف على جذور هذا الاعتقاد. فظهر أن الموضوع لا يتعلق بماضٍ عمره 100 سنة خلت، بل ولا 1000 سنة حتى. وإنما هو اعتقاد قديم، أصّل لحقيقته علماء الفلك القدماء، وشخّص لفظه علماء اللغة، بل وكان جزءًا من حالة مقدسة لدى أقوام.

فما جاء به التاريخ بشأن ديانات العرب قبل الإسلام ما قاله الكلبي من أن حِمْيَر كانوا يعبدون الشمس، وأهل كنانة عبدوا القمر، وأن قيساً كانت تَعْبد الشِّعْرى، في حين تَعبَّد قوم لخم بالمشتري، وطيء بنجمة السُّهَيْل، وأسد بعطارد، وتميم بالدبران، وبنو مليح بالجن، بينما كان أكثر العرب يعبدون الأوثان والأصنام كما نقل اليوسفي. ونحن هنا تعنينا من كل ذلك لفظة: سُهَيْل المذكورة.

وقد فسَّر الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير الآية رقم 49 من سورة النجم: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى» أن الشِّعْرَى هو اسم نجم من نجوم برج الجوزاء شديد الضياء. ثم يقول: «وتوصف الشِّعْرَى باليمانية لأنها إلى جهة اليمن. وتوصف بالعَبُورِ لأنهم يزعمون أنها زوج كوكب سُهَيْل وأنهما كانا متصلين وأن سُهَيْلاً انحَدَرَ نحو اليمن فتبعته الشِّعْرَى وعبرت نهر المجرّة».

وبالمناسبة، لم يختص أمر سُهَيْل بالعرب فقط بل كان معروفاً عند الأقوام الأخرى أيضاً. فقد أشار المقري التلمساني في نفح الطيب حين يُعرِّف بمنطقة ما في الأندلس أن «بغربي مالقة (مدينة إسبانية تقع في الجنوب) عمل سهيلٍ، وهو عمل عظيم كثير الضياع، وفيه جبل سهيل لا يرى نجم سُهَيْل بالأندلس إلاّ منه».

وقد استدلّ بعض المؤرخين بنجم سُهَيْل في تتبعهم تنقلات نبي الله سليمان. فقد أشار الثعلبي في تفسيره إلى أن سليمان «لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم» إلى أن يقول: «ثم أحب أن يسعى إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً وسار نحو اليمن يوم نجم سُهَيْل».

وخلال فترة الإسلام بقي الحال كما كان في حضور ذلك النجم. فالمقريزي في المواعظ والاعتبار وحين تحدث عن أسباب اختلاف محاريب مصر، أشار أن من بينها هو «الاعتذار بنجم سُهَيْل». بمعنى أن «أن دائرة سُهَيْل مطلعها جنوب مشرق الشتاء قليلاً، وتوسّطها في أوسط الجنوب، وغروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلاً، فلعل من تقدّم من السلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سُهَيْل، ومطلعه في سمت قبلة مصر تقريباً، فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سُهَيْل وتوسطه وغروبه، وتساهل فوضع المحراب على مقابلة توسط سُهَيْل، وهو أوسط الجنوب، فجاء المحراب حينئذ منحرفاً عن السمت الصحيح انحرافاً لا يسوغ التوجه إليه ألبتة» كما قال.

وقد كان الجدل قائماً منذ تلك الفترة بشأن مواضع رؤيته. فنرى الزبيدي يشير نقلاً عن الأزهري وابن كُنَاسَة بشأن سُهَيْل أنه كوكب لا يُرَى بخراسان، ويُرَى بالعراق» و»يُرَى بالحجاز وفي جميع أرض العرب ولا يُرى في أرمينية»، وأن «بين رؤية أهل الحجاز سُهَيلاً وبين رؤية أهل العراق إيّاه 20 يوماً.

كما بقي ذلك النجم حاضراً حتى في اللغة العربية واستشهاداتها الشعرية. فنجد قاضي القضاة بهاء الدين عبدالله بن عقيل الهمداني في شرحه ألفية ابن مالك، وحين يمر على لزوم الإضافة ومواضع استخدام «حيث» في الجملتين الاسمية والفعلية وشذوذ إضافتها في المفرد يذكر هذا البيت: «أما ترى حيث سُهَيْل طالعا نجماً يضيء كالشّهاب لامعا».

وقد ذكر النويري في نهايه الأرب عدداً من الاستشهادات الشعرية الأخرى التي ذكرت نجم سُهَيْل. فقد قال عبدالله بن المعتز:

وقد لاح للسّارى سهيل كأنّه

على كلّ نجم في السّماء رقيب!

وقال أبو عبادة البحتري:

كأنّ سهيلاً شخص ظمآن جانح

من اللّيل في نهر من الماء يكرع

وقول ابن طباطبا:

كأنّ سهيلاً، والنّجوم أمامه

يعارضها، راع أمام قطيع

هذا جزء من ارتباط موروثنا الشعبي بحقائق تاريخية ولغوية مضى عليها زمن بعيد. وربما البحث في أشياء أخرى في ذلك الموروث يصلنا بذات النتيجة، وهي أمور ثبتت للكثير من المهتمين.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 5136 - الأربعاء 28 سبتمبر 2016م الموافق 26 ذي الحجة 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 5:58 ص

      شكرا أستاذي الرائع

    • زائر 3 | 3:59 ص

      سهيل يرى في منطقة الخليج العربي من جهة الجنوب وهو موجود في مكانه على طول السنة لكن ميلان الارض في دورتها حول الشمس والتي بسببها تنتج فصول السنة هي سبب ظهوره في في 24 اغسطس من كل سنة فى منطقتنا وتستمر رؤيته الليلية حتى بداية الصيف تقريباً ونظراً لميلان الارض كما ذكرنا تنعدم رؤيته الليلية او تظهر لكنه موجود في مكانه في النهار.ونظراً لموقعه في الجنوب فهو يرى على طول السنة كلما اتجهت جنوباً والعكس في المناطق الشمالية حيث يظهر ايام قليلة في كل سنة. كان الانسان القديم يعتمد على النجوم لمعرفة الفصول

    • زائر 2 | 3:37 ص

      شكراً أستاذ محمد على الموضوع الشيّق.

    • زائر 1 | 3:09 ص

      تحقيق متميز وجديد علينا

اقرأ ايضاً