العدد 49 - الخميس 24 أكتوبر 2002م الموافق 17 شعبان 1423هـ

واشنطن تنفق مليار دولار يوميا على التسلح وتملـك خبرة قتالية واسـتراتيجية هجوميـة

البعد العسكري للخطر الأميركي

إلياس حنا comments [at] alwasatnews.com

كاتب لبناني، عميد ركن متقاعد

على رغم انها لا تحتل مركز صدارة الدول في الترتيب العالمي للشفافية، تعتبر أميركا الدولة الأكثر شفافية في العالم على صعيد إعلان الأهداف، وفي كيفية تنفيذ السياسة الخارجية. هي دولة تُعلم أعداءها مسبقا عن مخططاتها وعن أهدافها.

فهل يعقل ان تتخلى الدولة الأقوى في العالم عن مبدأ الاحتفاظ بزمام المبادرة؟ هل يعقل ان تتخلى أميركا عن عنصر المفاجأة؟ هل من المعقول ألا يخلو أي تصريح أميركي يومي، صادر عن الجهات الرسمية، من الحديث عن الحرب؟ هل من المعقول ان تتحول أميركا كلها إلى غرفة عمليات حربية؟ هل يحق للكونغرس الأميركي ان يختصر كل البرلمانات ومجلس الشيوخ الأخرى في العالم والمؤسسات العالمية؟ وهل يحق للرئيس جورج بوش الاستحصال على مباركة الكونغرس لضرب العراق، واستعمالها لحث الأمم المتحدة لإصدار قرار يريده هو؟ هل انعكست الأدوار؟ هل من المعقول ان تخالف أميركا مقولة كلوزفيتز عن خضوع العسكر للسياسة، فتتحول كلها إلى بُعد عسكري واحد؟

في أميركا الآن، يتقدم المنظرون الاستراتيجيون المدنيون على العسكر في التحليل والتنظير، وهم الذين قضوا معظم حياتهم ضمن الجامعات ومؤسسات الأبحاث. هل تبدلت الأدوار في أميركا بين العسكر والمدنيين بسبب الثورة في الشئون العسكرية؟ هل تقلص الفارق بين المجتمعين، أم ان العسكر تماهوا مع المدنيين؟ هل إن الحرب المزمع خوضها ضد العراق هي مكملة للحرب على الارهاب؟ أم انها حرب لها أسبابها وأهدافها الخاصة بها؟ لماذا اختارت أميركا الحرب بديلا للدبلوماسية، أو للاحتواء؟ لماذا أعلنت أميركا عقيدتها مسبقا؟ باختصار، وجوابا عن كل الأسئلة الآنفة الذكر، لأنها الأقوى، ولأن الآخرين ضعفاء. هكذا هي التركيبة والساحة العالميتين.

لماذا أميركا هي الأقوى؟

في العام 2003، ستنفق أميركا مليار دولار أميركي يوميا. إن موازنة البنتاغون تساوي 40 - 50 في المئة من مجموع موازنات الدول المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة والبالغ عددها 189 دولة. وإن موازنة البنتاغون في مجالات الأبحاث والتطوير (R & D) تساوي 70 - 80 في المئة من موازنات كل الدول في العالم في هذا المجال. هل هذا يكفي؟ طبعا لا. إذا أين يكمن مركز ثقل القوة الأميركية؟

يكمن مركز ثقل القوة الأميركية في ثورة المعلومات في الشئون العسكرية. فهي استغلت التكنولوجيا المتوافرة لديها بكثرة في المجال العسكري. وهي رائدة في هذا المجال. وقد يقول البعض، لماذا لا تحذو أوروبا حذو الولايات المتحدة في الشئون العسكرية، وخصوصا انها - أي الدول الأوروبية - تملك أنواع التكنولوجيا نفسها؟ الجواب عن هذا السؤال كالآتي: لا يكفي ان تملك دولة ما التكنولوجيا، المهم في الاستعمال. والاستعمال يتطلب ادماج هذه التكنولوجيا في الشئون العسكرية بهدف تطوير العقائد العسكرية والمفاهيم، وهذه عملية طويلة ومعقدة تستلزم وقتا يتراوح ما بين عشر وعشرين سنة.

كيف يتم الخرق

في المجال التكنولوجي؟

إن اختراعا مهما في مجال الأسلحة يعتبر خرقا في الشئون العسكرية. ويؤدي هذا الخرق إلى خلل في موازنة القوى، فتتقدم دولة على أخرى في ترتيب القوى. بعد هذا الخرق، تسعى الدول الأخرى للحاق بالركب. فتسرّع عملية البحث للحصول على السلاح الجديد. عند حصولها عليه، تتوازن القوى وينكسر الاحتكار. بعد هذه المرحلة تبدأ عملية التكديس، التطوير والتحديث. أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة الانتشار لهذا السلاح. تنتج عن هذا السلاح عقائد استراتيجية جديدة، تؤدي في معظم الأحيان إلى المزيد من صرف المال من دون وعي. هكذا كانت الأوضاع، ولاتزال. في الحرب الثانية كانت أميركا الرائدة في المجال النووي. كسر الاتحاد السوفياتي هذا الاحتكار فتوازنت القوى. بعدها بدأ التكديس والتطوير، ومن ثم بدأت مرحلة الانتشار.

أين أميركا من كل هذا؟

إن الوضع الأميركي حاليا، هو مشابه لمرحلة الخرق خلال الحرب الثانية. فهي الدولة الرائدة في المجال التكنولوجي. وهي التي أدخلت هذه التكنولوجيا في المجال العسكري. فحربها هي الحرب من الموجة الثالثة (أي التكنولوجية) كما يقول عنها الكاتب الأميركي الفن توفلر. وهي فعلا لديها تجربة في هذا المجال. فمنذ حرب الخليج الثانية (1990 - 1991)، التي اعتبرت الأولى من نوعها، خاضت أميركا حربين بعدها. فمن كوسوفو إلى أفغانستان كانت أميركا تجرّب وتجرب حتى وصلت إلى ان تتفرد بخبرة فريدة في نوع جديد من الحروب. إذا هي الأولى في مجال الخرق، وهي حققته. وهي مرت في مجال التجربة لأكثر من عشر سنوات. وهي ابتكرت عقائد قتالية جديدة تقوم على مفاهيم جديدة. فمن الحرب التي تعتمد على العدد والكمية، خاضت أميركا الحرب الأفغانية بطريقة فريدة من نوعها قامت على: قوات خاصة قليلة العدد، مدعومة بقوى الجو التي تستعمل الأسلحة الذكية. كل هذا مربوط بشبكة متقدمة من القيادة، السيطرة والاستعلام.

هل هناك من منافسين

لأميركا كي ترتدع؟

المنافسون المحتملون لأميركا هم: أوروبا (تحديدا قواها العظمى)، روسيا، اليابان، الهند والصين. لكن الفرق الأساسي بين أميركا وهؤلاء يكمن في انهم يملكون التكنولوجيا الحديثة، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة العسكرية.

كما يفتقرون إلى العقائد العسكرية العملانية الجديدة التي تتناسب مع الخرق التكنولوجي الجديد. وقد يستلزم هذا التعديل على صعيد المنافسين المحتملين، على الأقل عقدا من الزمن، شرط ان تتوافر المسارح العسكرية للتجربة والتعديل على صعيد أرض الواقع. لكنه وفي الوقت نفسه، تكون أميركا قطعت شوطا أبعد في هذا المجال لتحافظ على صدارتها، إلا إذا سقطت سقوط روما العظيمة. وقد يبدو في هذا الإطار، ان روسيا هي الوحيدة المرشحة للحاق بأميركا، لأنها تملك التكنولوجيا كما تملك حقول الاختبار (الشيشان). لكن الاختبار والتعديل يستلزمان الانفاق الكبير، وهذا ما تعاني منه روسيا مع اقتصاد يعاني صعوبات، ومثقل بديون خارجية كبيرة.

إذا أين تكمن خطورة

أميركا في البُعد العسكري؟

تعودت أميركا ان تستعمل وسائل أربع لسياستها الخارجية. السياسة، الاقتصاد، التكنولوجيا والمعلومات والقوة العسكرية. وتعودنا على أميركا ألا تذهب إلى الحرب إلا من ضمن نمط يشتمل على: ان تكون الحرب مهمة للأمن القومي الأميركي، وللأهداف الأساسية. ان تكون من ضمن المؤسسات الدولية وبرعايتها حتى ولو كان التنفيذ أميركيا بامتياز. ان تكون الحرب قصيرة مع أقل عدد ممكن من الأميركيين ومن المدنيين في الدول العدوة. ان يكون هناك اتفاق داخلي بين القوى السياسية في الداخل الأميركي (الحزبان). كذلك الأمر، كانت تعتبر أميركا ان القوة العسكرية هي آخر الوسائل المذكورة أعلاه.

على سبيل المثال، فاوضت أميركا كوريا الشمالية على مشروعها النووي، وفي الوقت نفسه ساعدتها بالتكنولوجيا على بناء مفاعل نووي. كذلك الأمر وبعد ان ضربت العراق في حرب الخليج، عادت لتحتويه مع إيران فارضة عليهما تدابير اقتصادية قاسية.

بعد 11 سبتمبر/ أيلول تقدمت القوة العسكرية على باقي الأبعاد لتحتل مركز الصدارة. وعدنا بالتاريخ آلاف السنين إلى الوراء عندما كان الملوك يسيطرون على القرارات العسكرية والسياسية. فأصبح بوش كالاسكندر المقدوني، يخطط للحرب، ويبني الاسكندريات، ويخوض الحملات العسكرية من وراء شاشته الخاصة. لكن الفارق الأساسي بينهما هو ان امبراطورية الاسكندر كان لها حدود، أما امبراطورية بوش فهي تشمل العالم كله. اتبع الاسكندر في امبراطوريته استراتيجية دمج الشعوب. ويتبع بوش في امبراطوريته استراتيجية ضرب الشعوب.

تحاول أميركا ترتيب الأوضاع العالمية والاقليمية بواسطة القوة فقط. وهي تريد توازنا للقوى في المناطق الاقليمية ترعاه هي وتحت سيطرتها. تساعد تايوان لتقف بوجه الصين. وتوازن بين الصين واليابان. وتدخل استراليا في لعبة الشرق الأقصى، وتحتوي الصين في الوقت نفسه. تسيطر على الأمن الأوروبي من خلال الأطلسي (الناتو). لأن أوروبا عاجزة حتى عن حل الأزمة البسيطة في كوسوفو. ترتب أوضاع الشرق الأوسط عبر ضرب الأنظمة المعادية، واحتواء وتهديد الأنظمة الممانعة. تسيطر بطريقة مباشرة على آسيا الوسطى وعلى نفطها. تنتقل بعدها إلى افريقيا لترتب أوضاعها، وتسيطر على نفطها أيضا في الشق الغربي منها.

إذا، وبواسطة القوة العسكرية وحدها، تعمد أميركا بعد 11 سبتمبر إلى تثبيت هيمنتها، تحت شعار المصالح الحيوية، على رغم ان هذا المفهوم هو غير مفهوم. فكيف يمكن تحديد المصالح الحيوية؟ وعلى أي أساس؟ وهي مستعدة للتدخل في أي مكان من العالم بقوة حتى ولو كان الموضوع يتعلق بعنصر واحد من «القاعدة»... من هنا يمكننا الاستنتاج ان التكتيكي يحدد الاستراتيجي في السلوك الأميركي الحالي.

لكن الخطير في الأمر يكمن في ان هذا الانتشار الأميركي قد يؤدي إلى ما يسمى بـ «الامتداد الأقصى» للقوة الأميركية، أو نقطة الذروة بحسب تعبير كلوزفيتز. والمقصود في هذا التعريف، انه وإذا ما تجاوزت أميركا هذه النقطة قد تكون وبحسب التعبير العربي اقتربت من مقولة «القشة التي قصمت ظهر البعير». لكن كيف؟

إن أي تراجع لأميركا أو سقوط في أية منطقة قد يعني انسحابها وتراجعها من هذه المنطقة. والانسحاب أو التراجع، قد يؤدي إلى فوضى واستعمال القوة من قبل القوى الاقليمية لإعادة ترتيب موازين القوى. وتكمن الخطورة في هذا الوضع، في ان القوة والعنف كانا استعملا من قبل أميركا لتأكيد الهيمنة. وهما أيضا سيكونان الوسيلتين الوحيدتين لمرحلة ما بعد السقوط الأميركي. فالانسحاب الأميركي من الشرق الأقصى قد يؤدي إلى الأمر الآتي: استعادة الصين لتايوان بالقوة. تسريع عملية التسلح في اليابان، وتسريع النووي. انفجار الوضع الكوري... الخ. والانسحاب الأميركي من آسيا الوسطى، قد يعيد الفوضى إلى أفغانستان، ويفتح شهية روسيا لاستعادة مناطق نفوذها.

أما الشرق الأوسط فقط يصبح على كف عفريت بسبب الصراع العربي - الإسرائيلي، وخصوصا ان إسرائيل تمتلك النووي، التكتيكي منه والاستراتيجي. من هنا تبدو أميركا خطيرة جدا

العدد 49 - الخميس 24 أكتوبر 2002م الموافق 17 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً