العدد 5260 - الإثنين 30 يناير 2017م الموافق 02 جمادى الأولى 1438هـ

الشأن المغاربيّ... تأنيث الجهاد

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

لعلّ من أبرز ما يلفت الانتباه، ويحتاج إلى التحليل العميق والدراسة العلميّة والموضوعيّة، ظاهرة تأنيث الجهاد لدى الجماعات الإسلامية المقاتلة بشتى أصنافها ومرجعياتها. وقد اعتبر بعض الدارسين المتسرّعين مشاركة المرأة في «الجهاد» متزامنةً مع الأزمة السورية وما رافقها من اقتتال بين التنظيمات السلفية الجهادية من جهة والنظام السوري من جهة أخرى، أو ربما قبلها بقليلٍ مع الحرب الطاحنة في العراق. لكن المتعمّق في ظاهرة تأنيث الجهاد يلحظ خلاف ذلك.

يحكي التاريخ الحديث والمعاصر مشاركة المرأة بأعمال قتالية في أغلب حركات التحرر الوطني ضد المستعمر في إفريقيا وآسيا، ولا تزال المرأة تلعب دوراً مهماً في القتال، خصوصاً النساء الكرديات في العراق، مع قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. لذا فإنّ مشاركة المرأة في النزاعات العنيفة والمسلّحة أمر غير طارئ، ولكنّ مشاركة المرأة المسلمة في مطلع الألفية الثالثة في القتال إلى جانب الرجل في حروب ونزاعات، لم يسوّغها كبار علماء الأمة هو ما يبدو أمراً غريباً.

لقد نأى الجيل الأول من السلفية الجهادية بالمرأة عن الأعمال القتالية، باعتباره فرض كفاية يسقط عن المرأة والصبي طالما يقوم به الرجل؛ فقد تحفّظ زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري عن مشاركتها، ودعت زوجته النساء إلى عدم الالتحاق بالجهاد؛ لأن ذلك ليس سهلاً، فضلاً عن كونه يتطلب مَحرماً. ثمّ اختلف الأمر نسبياً مع قادة التنظيم في العراق، فدعا أبو مصعب الزرقاوي المرأة إلى القيام بعمليات انتحارية انتقامية، وكانت أول عملية انتحارية قامت بها امرأة مسلمة في العراق سنة 2005 ثم تلتها عمليات أخرى.

لكن المنعرج الحقيقي جاء مع موجة التنظيمات السلفية التكفيرية الجديدة التي تعاملت مع المسألة من زاوية فقه الضرورة نتيجة غياب الرجل، زوجاً كان أو أباً أو أخاً، بحكم وجودهم في السجون أو معتقلات الأسرى. ولقد كان لبعض «الفتاوى» التي تصدرها هذه التنظيمات تأثير كبير في المرأة؛ فعلى سبيل المثال كان للفتوى التي أصدرها أبو جعفر الحطّاب، عضو اللجنة الشرعية لأنصار الشريعة في تونس (كتيبة عقبة بن نافع) تأثير كبير ودور بارز في عمليات توظيف المرأة في القتال. وقد أوجب على النساء في فتواه التي جاءت في إصدار له بعنوان «أحكام الهجرة والجهاد عند المرأة»، الهجرة والنفير من «بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وإن كان بلا محرم..»، كما أجاز «السفر مع غير ذي محرم، كما ساوى النساء المقاتلات بالرجال بتأكيد نصيبهن من أسهم الغنائم».

بمثل هذه الآراء تمّ تجنيد المرأة، لكن الأكيد أنّه ليس تجنيداً قسرياً؛ بل إنّه اختياريّ، ما يضع المسألة في نطاق آخر من البحث؛ إذ ليست الدوافع دينيةً بالأساس، وإنّما هذا الجانب جاء ليعطي المسوغات الشرعية لمشاركتها، بل تكمن وراء مشاركتها عوامل كثيرة أخرى لعل أبرزها الحالة الاجتماعية والثقافية.

وفي هذا آراء مختلفة أيضاً؛ فقد اعتبر البعض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية لبعض الفتيات والنساء دافعاً لانخراطهن في العمل الجهادي، ضمن هذه التنظيمات حيث تنحدر الكثير من المقاتلات وخاصةً من شمال إفريقيا وآسيا من أوساط اجتماعية فقيرة بل معدمة، وتكون أغلبهن ذات مستويات تعليمية متدنية أو منعدمة، ممّا يسهل عملية التغرير بهن. والحقيقة أنّ الكثير من النساء المنخرطات في هذه التنظيمات جاءت، ليس فقط من دول شمال إفريقيا (المغرب وتونس تحديداً)، وإنّما أيضاً من أوروبا وبعض الدول الآسيوية، بل ومن بيئات اجتماعية ميسورة ومستويات تعليمية متوسطة وحتى عالية، فالكثير منهن يحملن شهادات جامعية.

وعلى سبيل المثال يذكر زعيم تنظيم أنصار المهدي في المغرب، الحسن الخطاب، أنه تمكّن في 2006 من استقطاب أربع نساء ينحدرن من أوساط ثرية في الدار البيضاء، ساهمن في تمويل مخططاته الإرهابية. كما أن أم آدم المجاطي (فتيحة محمد طاهر حسني) كانت ميسورة الحال، ودرست الحقوق وعاشت لفترات في فرنسا، وعاشت حياة التحرر في الدار البيضاء وحياة الأرستقراطيين عندما كانت في باريس، وانقلبت حياتها رأساً على عقب بعد ارتباطها بكريم المجاطي أحد أتباع زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن.

كما لوحظ في العمليات الأمنية الناجحة للقوات التونسية وخاصةً بعد العام 2014، أنّ الكثير من الموقوفات في قضايا إرهابية ذات مستوى تعليمي يمكّنهن من توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، بل ومن إدارته؛ فعلى سبيل المثال ألقت «الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب» القبض على طالبة جامعية في مقتبل العمر تنتمي إلى كتيبة «عقبة بن نافع»، أنشأت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي «الفايس بوك» و»تويتر»، وبيّنت الأبحاث أن هذه الفتاة حرّضت على استهداف رجال أعمال وسياسيين وأمنيين عسكريين وسياح لبثّ الفوضى في البلاد التونسية، وفسح المجال أمام «داعش» للسيطرة عليها. كما تم الكشف عن كتيبة نسائية كانت تحمل اسم «حفيدات عقبة»، وهي كتيبة تتكوّن من سبع فتيات بينهن طالبة ومطلقة وثالثة متزوجة وعاملة بشركة، وقد تبنين جميعاً الفكر السلفي التكفيري وخطّطن للقيام بأعمال إرهابية.

قد يبدو من الغريب أن نجد المرأة التونسية أو المغربية في صفوف هذه التنظيمات، وهي التي قادت عملية التحديث الاجتماعي والسياسي في بلادها طيلة عقود من الزمن. لذا لا تبدو المسألة من الوضوح بحيث يمكن تصنيف هؤلاء المقاتلات ضمن هذه الفئة الاجتماعية أو تلك، ولا ضمن هذا المستوى التعليمي أو ذاك، ولا من هذا البلد أو ذاك. إنّ المسألة معقدة جداً، تحتاج إلى نظر عميق وبحث دقيق من زوايا مختلفة قصد الإحاطة بالظاهرة من جوانبها المختلفة، لإيجاد الحلول المناسبة العاجلة والآجلة، لا فقط من أجل تجنيب المرأة ويلات هذه الظاهرة؛ وإنّما من أجل تفادي أخطار كثيرة نظراً لدور المرأة الكبير في الدفع أو الحدّ من الحروب ونشر ثقافة السلام.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 5260 - الإثنين 30 يناير 2017م الموافق 02 جمادى الأولى 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 8:21 ص

      غياب ثقافة السلام والنموذج المعتدل في عالمنا العربي قاد إلى الانزلاقات الخطيرة .
      مشكور أستاذ مقال يستحق الإشادة

    • زائر 3 | 8:10 ص

      مقال رائع كما اعتدنا

    • زائر 2 | 1:02 ص

      تأنيث "الجهاد"
      للأسف دور المرأة الأساسي بدأ في الاضمحلال
      على الدعاة والأئمة للتذكير بالجهاد الأكبر و التأكيد عليه، فلننظر الدور الذي لعبه "مدرّبو التنمية البشرية" و النتائج المحترمة، إذ منذ عقد من الزمن وأزيد، تعلق الكثير من المتابعين ببرامج التنمية البشرية،وغالبية المتابعين نساء، بينما القليل من الدعاة الذين اهتموا بالتنمية البشرية-النفسية من باب مجاهدة النفس (الجهاد الأكبر) ودفعها إلى الأفضل. قلةمن أحدثوا ظاهرة مثل "عمرو خالد" وغيره ثم أفَلت، والواقع أن تلك التجارب قد حصّنت نسبةمن النساء

    • زائر 1 | 11:44 م

      دور المرأة كبير في الدفع أو الحدّ من الحروب ونشر ثقافة السلام.

اقرأ ايضاً