العدد 5362 - الجمعة 12 مايو 2017م الموافق 16 شعبان 1438هـ

الإسباني أنطونيو باييخو: أستطيع أن أهزم الرقابة

في الذكرى السابعة عشرة لرحيله...

أنطونيو بويرو باييخو
أنطونيو بويرو باييخو

«الرقابة لا تستطيع أن تهزمني ككاتب، بل أنا الذي أستطيع أن أهزمها».

ذلك جزء من حوار أجرتْه بالإسبانية وترجمته إلى العربية الكاتبة المصرية سهير جابر عصفور، قبل 20 عاماً وتحديداً في صيف العام 1997، مع الكاتب المسرحي الشهير والرسَّام الإسباني أنطونيو بويرو باييخو، ونُشر في مجلة «الكرمل» في العدد 69 لشهر أكتوبر/ تشرين الأول 2001، والذي كشف عن كثير من حدَّة وصرامة وانتباهة الوعي الذي عاش ومات من أجله. ولعل أهم ما تناوله الحوار يتجلَّى في أكثر من سؤال يتعلّق بموضوعة الرقابة، تلك التي تعمل على تحجيم وسدّ المسارات التي تتوغّل في الوعي البشري، وتمنحه حصانة من الاستحواذ عليه والاستيلاء أو البرْمجة. تأتي الرقابة لتحُول دون تحقق تلك المسارات وسلاستها، والنتائج التي يمكن أن تتمخَّض عنها. لكن ثمة احتيال لا يخلو منه كاتب بالقفز على تلك الرقابة التي باتت واحدة من بؤر تشويه الوعي والوجود الإنساني. التحايل في القدرة على تمرير ما يُراد تمريره ترميزاً، من دون أن يحول ذلك الترميز دون الوصول إلى القيمة المتوخَّاة.

تمُرّ الذكرى السابعة عشرة لرحيل باييخو (ولد في 29 سبتمبر/ أيلول 1916م، وتوفي في 22 أبريل العام 2000م)؛ ما يتطلَّب الوقوف الطويل أمام باييخو الإنسان؛ لأنه على مدى 53 عاماً كتب 29 عملاً مسرحياً، لا يوجد من بينها عمل لم يكن فيه انحياز فاقع للإنسان. إنه كاتب المواقف، والمدافع عن الإنسان أينما كان.

ربما كان للحرب الأهلية الإسبانية التي استمرّت ما بين 1936 و 1939، دورها في تشكيل وعيه الأكبر، ومن ثم الثبات على مواقف لم يحِد عنها، وهو الذي واجه حكماً بالإعدام في عهد الجنرال فرانكو، وتم تخفيفه إلى 30 عاماً، ليخرج من السجن بعد سنوات قليلة، وكان قبل ذلك شهد إعدام والده الذي كان ضابطاً في الجيش، وكذلك شقيقه. ذلك الوعي لم يحبسه في دائرة الثأر والانتقام، بقدر ما أتاح له فضاء كي يرى العالم والبشر من منظور ما يؤكد قيمتهما، والعمل على إثراء تلك القيمة. ربّما حقق جانباً من الانتقام بقدرته المُدهشة على التعرية والفضْح، ووضع النماذج الدكتاتورية والقمعية في حجمها الطبيعي، ذلك الذي لا يُراد له أن يكون طبيعياً.

في الظلام الحارق

تكتب عصفور في تقديمها للحوار: «أعتقد أن إبداع بويرو، سواء كان بالرسم أو بالكتابة، كان دائماً عبارة عن تصوير لحالة ما، غالباً ما تكون أزَمة، يطرحها على المتلقي ليحثَّه على البحث عن حلٍّ لها. وهذه هي واحدة من القيم الكبرى لمسرح بويرو باييخو».

تلك هي الروح التي لم يتخلَّ عنها بويرو، بجعله القارئ شريكاً فعلياً في ما يطرحه من قضايا وأزمات في أعماله المسرحية. لا يريد قارئاً أو مُشاهِداً اتكالياً يتابع الأعمال بحثاً عن حلول لمشاكله وأزماته. كان يرى أن تلك ليست مهمّته. يكفي أن يشير إلى الأزمة... المشكلة التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات. تلك الإشارة كفيلة بإضاءة تطلع من ثنايا العمل، بتلك التواصلية الضرورية التي يكاد لا يخلو منها عمل من أعمال بويرو.

سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان ظل في الصميم مما يكتبه بويرو، لإيمانه بأنه المركز في هذا العالم. في المسرح خصوصاً تتجلَّى تلك التوجهات؛ إذ «تناول مسرحه هموم الإنسان المعاصر عموماً؛ فكتب عن الظلم الاجتماعي والفقر والجهل وتدنِّي الأخلاق، مثلما كتب عن أدقِّ تفاصيل النفس البشرية بهدف إبراز مدى عمق وتعقيد مشاعر الإنسان: كتب عن الشعور بالوحدة والوحشة والاحتياج والغيرة... إلخ». بحسب ما كتبت عصفور.

تشير عصفور في تقديمها للحوار إلى أن باييخو تجنَّب في كثير مما كتبه عن بعض الأسماء المهمة في مجال المسرح، والأدب عموماً، الوقوف على أعمالهم بالمعنى الاستنطاقي أو التأويلي، بقدر ما كان يركِّز على القيمة التي ظل منشغلاً بها في أعماله، ألا وهي القيمة الإنسانية والشخصية الحقيقة لهؤلاء الفنانين، ويمكن التأكد من ذلك المنحى الذي وسم تجربة باييخو من خلال كتابته عن جويا، وبيلاثكيت، على سبيل المثال لا الحصر. تضعنا عصفور أمام النتاج الذي يُعدُّ غزيراً، من حيث قيمته وأثره وفرادته وسط مئات من الأعمال المسرحية التي تقدِّمها المسارح، أو تضخّها المطابع سنوياً «على مدار ثلاثة وخمسين عاماً كتب بويرو تسعة وعشرين عملاً مسرحياً. أول أعماله كانت مسرحية: «في الظلام الحارق» في العام 1946، وآخرها كانت مسرحيته: «مهمة إلى القرية المهجورة» العام 1999».

بقدر ما عرف العالم باييخو كواحد من أهم المسرحيين في أوروبا والعالم، بقدر ما كان واقعياً مع وضعيته تلك، من الزاوية التي يراه فيها العالم، لم يكن متكلِّفاً، أو مُدعياً، في الوقت الذي لم يكن متواضعاً أيضاً. أن تتعامل مع العالم من حولك كما أنت، بطبيعتك، لا يعني ذلك تعالياً بقدر ما هو تقديم طبيعي لنفسك. في الحوار نفسه قال: «أنا لم أختر المسرح، المسرح هو الذي اختارني. كان أبي، مثل كثيرين من الناس أيام طفولتي، من أشد المعجبين بالمسرح. كانت لدية بعض الطبعات الشعبية التي كانت تنشر حينئذ بلا مقابل، وكان لها جمهورها العريض».

الرقابة لن تصل إلى حد قتل القدرة الإبداعية

وبالعودة إلى موضوع الرقابة، وهو المحور الرئيس في استعراض جوانب ثرية من الحوار، نقف أمام طاقة بشرية غير اعتيادية، وضمن أوضاع لم تكن طبيعية إطلاقاً، إذا ما تذكّرنا إسبانيا فرانكو في أربعينيات وخمسينيات وصولاً على سبعينيات القرن الماضي. يكفي ألَّا تتردد في الكتابة ضمن أوضاع كتلك. وكتابة هي على تماس مع الحال العامة للبلد، من دون أن يعني غضّ الطرْف عمَّا يدور في العالم، واستلهام جانب من رمزيته وقضاياه وإشكالياته.

في سؤال سهير عصفور الذي نصُّه:

فلنتحدث عن الرقابة: قرأت في مجلة «الفصل الأول» رأياً لك بشأن الرقابة، ذكرتَ فيه أنها منعت في فترة من الفترات عرض مسرحية «مغامرة في الظلام» ثم سمحتْ بعرضها، ثم منعتْها مرة أخرى، هل هذا صحيح؟ أجاب بالقول:

- نعم لأن الأحكام والآراء تتغيَّر مع مرور الوقت، فقد كانت هناك أحكام صارمة للغاية، من بين الرقباء من هو صارم متشدِّد ومن هو منفتح متفهِّم، وتجلَّى هذا التباين في تطبيق المعايير الرقابية ذاتها.

هل تعتقد بضرورة وجود رقابة أم لا؟

- أعتقد أن الرقابة شيء خطير، لكني أيضاً أعتقد أنه مهما بلغت صرامة وظلم وسوء الرقابة إلا أنها لا يمكن أن تتسبَّب في اندثار الفن القيِّم. صحيح أن الرقابة من الممكن أن تمنع في لحظة ما خروج عمل جيد للنور، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك مع كل الأعمال الجيدة، فهي لا تصل إلى حد قتل القدرة الإبداعية في بلد ما. بإمكانها أن تحدَّ من هذه القدرة قليلاً ولكن لا يمكنها أن تجبرها على الاختفاء.

قد يكون هذا صحيحاً في إسبانيا، لكن في بقية العالم ألا يختلف الأمر بعض الشيء؟

- أنا أتحدَّث عن أية دولة فيها حد أدنى من الوعي والثقافة؛ فالرقابة لا تستطيع أن تهزمني ككاتب، بل أنا الذي استطيع أن أهزمها.

الكفيف... الأزمات والترميز

لم يكن التنظير، أو الكتابة في الجانب النظري يحظى باهتمام لدى باييخو، ليس لأنه لم يكتب في هذا الجانب، ربما لأنه لم ينشر تأملاته - على أقل توصيف - في إصدار، إلا أن تلك التأملات تظل في صميم العملية الإبداعية، سواء رشح عنها نص مسرحي، أو حتى ذهبت عميقاً في التأصيل لعدد من القضايا والمفاهيم. هنا تسأل سهير عصفور:

لماذا لم تهتم بالجانب النظري للكتابة؟ لماذا لم نقرأ لك دراسات أو أبحاثاً تتعرّض فيها لصنْعة الكتابة المسرحية مثلما فعل ألفونسو ساستري (1) مثلاً؟ يجيب:

- أعتقد أنني انشغلت بكتابة المسرح أكثر من انشغالي بالكتابة عن المسرح. ولكن الحقيقة أنني كتبت في هذا الموضوع بعض المقالات، لكن ما حدث هو أنني أبداً لم أقرّر يوماً أن أجمع هذه التأملات حول الفعل المسرحي في كتاب مثلاً. علَّني أفعل ذلك يوماً ما، لأنني أعتقد أن ما كتبته عن الفن المسرحي عموماً وعن أعمالي خصوصاً، من الممكن أن يؤسس نظرية مسرحية متماسكة.

ما ميَّز عدداً من أعمال باييخو عن غيرها، هو اشتغاله على ثيمة العمى، على رغم أنه لم يمر بتجربة شخصية مع كفيف البصر، إلا أنه ظل يوظّف تلك الثيمة تعبيراً عن أزمات الإنسان المعاصر. بعض الأزمات التي لا تجد لها أفقاً من الحلول هي ضرب من ضروب العمى بامتياز. تخبُّط الإنسان، واستجلابه للأزمات أحياناً - بوعي أو من دون وعي - هو شكل من أشكال العمى. هنا تسأل عصفور:

تناولت في العديد من أعمالك شخصية الكفيف، وتعرّضت من خلال استعراضك هذه الشخصية، لطرح مفاهيم فلسفية عميقة تُعنى برؤية الإنسان للعالم وهموم البشر عموماً. لمَ كان اختيارك للكفيف تحديداً، للتطرق لهذه الأفكار؟

- لا أعلم تماماً لماذا اجتذبني هذا الموضوع أكثر من غيره. فأنا لم أمرّ في حياتي بخبرات شخصية مع كفيف البصر، ولكن مع ذلك استحوذ موضوع فقْد البصر على تفكيري، لا أدري لماذا، ربما بسبب قراءاتي أعمال كتّاب آخرين تم فيها تناول الموضوع ذاته بشكل لافت مثل: «مدينة المكفوفين» لولس أو «ماريانيلا» لجالدوس، وغيرهما.

إذاً فالسبب المباشر للتعرّض لهذا الموضوع لم يكن بهدف استخدام رمزية فقْد البصر للتحايل على الرقابة المفروضة حينئذ، فيما بين عامي 1946 و 1971م؛ أي بدءاً من الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية واستمرّت طوال عقود حكم الجنرال فرانكو؟

- بالطبع استخدمت مفهوم فقْد البصر بشكل رمزي في أعمالي، لكن ليس بالضرورة أن أكون وظّفْته لتصوير إنسان هذه الفترة بشكل مطلق كما تشيرين. أنا لم أحدّد لنفسي قواعد بخصوص هذا الشأن، ففي بعض الأعمال كنت أرسم ملامح شخصية الكفيف الحقيقي العادي.

مثل راوي الرومانث الكفيف في مسرحية «حالم من أجل الشعب»؟

- تماماً، هذا مثلاً كفيف عادي، ليست لشخصيته أية أبعاد رمزية. وفي أعمال أخرى كنت أرمز به لأزمات ومفاهيم أكثر عمقاً. لم تكن لديّ قواعد بخصوص هذا الأمر، على رغم ما لهذا المعنى من أهمية في أعمالي، لكن هذا لم يتم ابداً بشكل مُخطّط سلفاً.

تناول الحوار عدداً من الأسئلة المرتبطة بالإخراج المسرحي، ومدى تدخله في بعض الأحيان. نبقى مع ما يرتبط بهذا الجانب من التجربة، والمواقف الطريفة التي تعرَّض لها باييخو.

من المعروف عن بويرو باييخو تدخّله الشديد في الإخراج المسرحي لأعماله؛ هل هذا صحيح... لماذا؟

- نعم هذا صحيح، لأن كل جوانب الفن المسرحي تستحوذ على اهتمامي. وهناك الكثير من كتّاب المسرح كانوا يقومون بالتمثيل بل وبإخراج أعمالهم. لذا أحاول أن أتعاون مع المخرج: أعطيه أفكاراً، أوضح له بعض المعاني، مع أن أعمالي تخرج للناس ومعها بعض ملامح إخراجها بالفعل؛ فالهوامش والحواشي التي تتضمّنها هذه المسرحيات، يمكن أن تُعدّ بمثابة إخراج أوّلي للعمل، فهي ترشد الممثل وتوجّهه إلى الكيفية التي يؤدّي بها الدور، وإلى بعض الانطباعات والانفعالات التي يمكن أن تجسّدها ملامحه لخدمة الدور.

وهل يسمح لك المخرجون دائماً بهذا النوع من التعاون كما تسميه؟

- غالباً: نعم!

لكنني سمعت أن واحداً منهم رفض ذلك تماماً.

- نعم، اختلفت معه في الرأي، تجادلنا بشدّة فطردني من المسرح!

ألا تعتقد أن العمل المقدّم على المسرح ينبغي أن يعكس رؤية مخرجه، وأن العمل بعد انتهائك من كتابته ينتمي للقارئ وليس إليك أنت؟

- (يرد غاضباً): هذا انتماء خاطئ، فالعمل يظل ينتمي إليَّ أنا في الحقيقة.

هل تنزعج حين يتوصّل ناقد ما إلى تفسيرات ما أنت لم تقصدها في عملك؟

- في هذه اللحظة، عادة، أتمنى له الموت وأشعر بغبائه الشديد!!!

أعمال باييخو

كتب باييخو أعمالا مثل: «التاريخ القاسي» و»محاكمة أخرى لسالومون»، وهي أعمال تم إتلافها وتدميرها بعد ذلك، ونتيجة لذلك لم يتم الاحتفاظ بها. وفيما يأتي عرض للأعمال المسرحية لبايخو طبقاً لترتيب عرضها وهي:

«حكاية سُلّم»، 1949م، وقد حصلت على جائزة لوبى دى بيجا، وعرضت للمرة الأولى في المسرح الإسباني بمدريد في 14 أكتوبر 1949. في هذا العمل يُحلل المجتمع الإسباني بكل أكاذيبه وخداعه. وقد تم انتقاله إلى السينما عن طريق إجناثيو فارريس إكينو، «كلمات في الرمال»، 1949م، «في الظلام الحارق»، 1950م، ويُعدُّ أول عمل درامي لباييخو، قام بتأليفه في أسبوع من شهر أغسطس/ آب 1946م وكان عن العمى.

«خياطة الأحلام»، 1952م، «الدليل المنتظر» 1952م، «تقريباً حكاية جنيات»، 1953م، «الفجر» 1953م، «إيريني» أو «الكنز»، 1954م، «اليوم عيد»، 1955م، «الرسائل المنتهية»، 1957م، «حالم من أجل أمة»، 1958م، «الوصيفات»، 1960م، «حفل القديس أوفيديو»، 1962م، «مغامرة فيما هو مظلم»، 1963م، «المنور»، 1967م، «التاريخ الثنائي لدكتور فالمي»، 1968م، «حلم العقل»، 1970م، «وصول الآلهة»، 1971م، «المؤسسة»، 1974م، «الانفجار»، 1977م، «قضاة في المساء»، 1979م، «كايمان»، 1981م، «محادثة سرية»، 1984م، «لاثاروا في المتاهة»، 1986م، «موسيقى قريبة»، 1989م، «فخاخ العشوائية»، 1994م، «مهمة لقرية مهجورة» 1999م، ومقالة «مفصلة: في الظلام الحارق».

(1) ألفونسو ساستري (1926-): كاتب مسرحي إسباني ظهر في الوقت نفسه الذي ظهر فيه بويرو باييخو ككاتب مسرح. نشرت أول أعماله في العام 1949. له أعمال ذات طابع وجودي وأعمال أخرى ذات طابع واقعي اجتماعي. له دراسات وأبحاث في الأدب والفكر، وخاصة نظرية الكتابة.

مشهد من مسرحية «في الظلام الحارق»
مشهد من مسرحية «في الظلام الحارق»




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً