العدد 5365 - الإثنين 15 مايو 2017م الموافق 19 شعبان 1438هـ

رحيل الصحافي الكبير أحمد سلمان كمال

منصور محمد سرحان comments [at] alwasatnews.com

يمثل رحيل المغفور له بإذنه تعالى أحمد سلمان كمال صدمة لأبناء المجتمع البحريني بصفة خاصة والمجتمع الخليجي بصفة عامة. فقد أدى رسالته الصحافية والإعلامية على أكمل وجه. فهو المذيع والصحافي والكاتب والأديب والقاص، لم يتوقف قلمه منذ أن مسكه بأنامله في أوائل الخمسينات من القرن العشرين حتى السنوات الأخيرة من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث أقعده المرض عن الكتابة.

ولد رحمه الله في العام 1930م بمدينة المنامة، ودخل (الكتاب) لحفظ القرآن الكريم. وبعد ختمه القرآن التحق بالمدرسة الغربية الابتدائية بالمنامة وتخرج منها في العام 1944م.

تأثر بحياة والده كثيراً، فهو الطفل الذي كان يحلم أن يكون مثل والده ناجحاً في حياته العملية على رغم الصعوبات التي لاقاها. كان يرى والده يعيش بين الكتب، يتصفح هذا الكتاب ويمعن النظر في كتاب آخر. وكانت ظاهرة حب والده للكتاب دفعت به فيما بعد إلى تأسيس ثاني مكتبة تجارية في البحرين في العام 1921م أطلق عليها (المكتبة الكمالية).

أثرت سيرة حياة والده على حياته فقرر بعد إكمال دراسته في البحرين العمل بإحدى مجالات الإعلام، إلا أنه عمل كموظف في إدارة التموين على مدى عامين التحق بعد ذلك بالعمل في دائرة المعارف (وزارة التربية والتعليم حالياً) وقضى الفترة من (1955 و1956م) سكرتيراً بالمدرسة الشرقية الابتدائية بالمنامة، والتحق في عام 1957م بإذاعة البحرين، مذيعاً، ومقدم برامج، ومؤلفاً إذاعياً ومنتجاً، واستمر في ذلك حتى عام 1963. وعمل في الفترة من عام 1963م إلى عام 1966م مدير مطبعة جريدة الأضواء، إلا أنه وجد أن هذا العمل لا يناسبه ولا يتماشى ورغباته الإعلامية والصحافية، ما جعله يتصل بسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة المسئول عن الإعلام آنذاك والذي عرض عليه أن يعود إلى عمله بالإعلام وبمرتبه السابق. انتقل إلى عمله بالإعلام من جديد في عام 1966م والتحق بالعمل بقسم المطبوعات، وهو عبارة عن غرفة واحدة في بناية الزياني الواقعة في باب البحرين. وكان يعمل في تلك الغرفة إبراهيم علي إبراهيم المسئول عن إصدار وتحرير مجلة «هنا البحرين» الشهرية، وعن إصدار «الجريدة الرسمية». كما كان يعمل معهما الفنان عبدالله المحرقي حيث يعمل على الإخراج الفني.

وعندما تم نقل إبراهيم علي إبراهيم للعمل في وزارة الخارجية، حل أحمد سلمان كمال محله وتحمل مسئولية إصدار وتحرير مجلة البحرين في الفترة من عام 1970م إلى عام 1973م كما تولى مهمة إصدار الجريدة الرسمية. وعمل على تطوير مجلة «هنا البحرين» من خلال استكتابه لمجموعة من البحرينيين في مجالات مختلفة.

تولى مسئولية الإعلام بعد الشيخ محمد بن مبارك محمد جابر الأنصاري وذلك في عام 1969م حين عين عضواً في مجلس الدولة وأصبح رئيساً للإعلام، غير أنه لم يستمر في هذا المنصب وتركه في السابع من ديسمبر/ كانون الأول العام 1970، وأصبح الشيخ محمد بن مبارك وزير الخارجية والإعلام إلى أن عين طارق المؤيد وزيراً للإعلام سنة 1979م.

استمر الأستاذ أحمد كمال في عمله في الإعلام، وأصبح المسئول المباشر عن المطبوعات والنشر. ونظراً لضيق المساحة المخصصة لهذه المراقبة في مبنى دار الحكومة، فقد تم نقلها إلى مقرها الجديد بالجفير، وهو مقر مؤسسة الأيام الحالي. وفي هذا المقر تأسست إدارة المطبوعات والنشر بشكلها الصحيح وعين الأستاذ أحمد كمال في مسمى وظيفته الجديدة مدير إدارة المطبوعات والنشر.

عمل على تطوير إدارته فأسس أول أرشيف بوزارة الإعلام، وعين مسئولاً عنه يقوم بجمع المادة وتنظيمها، وقسم إدارة المطبوعات إلى قسمين هما قسم (الجريدة الرسمية)، وقسم (مجلة البحرين) أو هنا البحرين، وعين علي صالح رئيساً لتحريرها. وكان من بين كتاب المجلة: طفلة الخليفة، وسلوى المؤيد، وسلمان تقي. كما كان يعمل على إخراجها الفنان عبدالله المحرقي.

ومن بين الأمور التطويرية التي عمل على تنفيذها تأسيسه نشرة «الأخبار اليومية» والتي كانت توزع على الصحف والإدارات بمختلف وزارات الدولة.

نال الأستاذ أحمد كمال شهرة واسعة في مجال الإعلام على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. وعندما تأسست وكالة أنباء الخليج تسلم ملف الوكالة من وزير الإعلام آنذاك المرحوم طارق المؤيد وعقد الاجتماع الذي حضره وزراء الإعلام بدول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى وزير الإعلام العراقي.

نجح أحمد كمال كسكرتير للاجتماع، ورشحه جميع وزراء الإعلام ليترأس وكالة أنباء الخليج، إلا أن ذلك لم يحدث نظراً لاعتراض وزير الإعلام طارق المؤيد حينذاك مبيناً سبب رفضه حاجة وزارة الإعلام في البحرين للأستاذ أحمد كمال، وأن البلاد بحاجة إلى أن يبقى في منصبه كمدير للمطبوعات والنشر.

يعد عام 1979م عام تحول كبير في حياته الصحافية عندما تم اختياره ليرأس تحرير جريدة «أخبار الخليج» وقد جاء هذا الاختيار موفقاً بامتياز، وكما يقال «الرجل المناسب في المكان المناسب». وقد أثبتت الأيام مهارته الصحافية، وقلمه الرصين وقدرته على متابعة الحوادث والأخبار العالمية وتحليلها بنظرة ثاقبة تنم عن ثقافة واسعة وحصيلة تجارب مختلفة.

لقد آمن بأن الكلمة المطبوعة لم تكن ترفاً، ولم تكن من أجل الإشادة والإطناب والمديح، ولم تكن هدفاً في حد ذاته إنما وسيلة من أجل العمل الجاد المثمر، وطريق وعر للوصول إلى الحقيقة، وسيلة من أجل الإصلاح ومن أجل رتق الثقوب، ومن أجل المسيرة الخيرة، ومن أجل الإصلاح والبناء والتعمير.

عندما غادر رئاسة تحرير جريدة (أخبار الخليج) واصل كتابة مقالاته في جريدة (الأيام) فأخذ برفدها بمقالات يومية تطالب بالإصلاح على مختلف الصعد، مركزاً على القضايا التي تهم المواطن.

كانت له نظرته الخاصة بشأن الصحافة في الخليج، ودورها الفاعل الذي تلعبه على مختلف الأصعدة لخدمة أبناء المجتمع الخليجي. وفي مقابلة مع «جريدة الوطن» الكويتية في عام 1981م عبر عن مستوى الصحافة في الخليج بقوله: «إن الصحافة في الخليج تطورت ووصلت إلى مرحلة كبيرة في التعبير عن تطلعات وطموحات المجتمع الخليجي والعربي بشكل عام، وأكد أن لديها القدرة على التنبيه إلى قضايا تهم مستقبل المنطقة. كما أنها تتنبه إلى الأخطار، ولو أن البعض يتهمها بالتشاؤم ولكنها مع ذلك تبقى واضحة وتنير الدرب إلى مستقبل أفضل.

كانت مقالاته الصحافية تلقى استحسان الجميع. وقد استجاب لمطالب القراء والمثقفين الذين طالبوه بجمع مقالاته التي كان يكتبها في جريدة «أخبار الخليج» أثناء ترأسه تحريرها في الفترة من العام 1979م إلى 1995م باعتبارها تمثل سجلاً ثقافياً وسياسياً يحفظ ذاكرة الزمن في فترة من أشد الفترات التي عانت منها الأمة العربية من مصاعب ومشاكل سياسية وتحديات لا حصر لها. استطاع بقلمه المعتدل والمتنور أن يسجل أسطراً أصبحت تعد من بين أهم ما تمت كتابته عن تلك الأزمات والمشاكل التي عصفت بالأمة العربية في تلك الفترة من الزمن. كما أنه تناول بدقة وموضوعية المشاكل التي كان يعاني منها المجتمع البحريني آنذاك، وأصبحت مقالاته يتداولها القراء وكانت حديث الساعة لحساسيتها، وقلة من يملكون الخبرة الصحافية المحنكة لتناولها بالصورة التي قدمها لجمهور القراء الذين تعودوا على قراءة جريدة «أخبار الخليج» بدءاً من مقالاته أولاً ثم تصفح الجريدة ثانياً.

أمام إلحاح القراء والمثقفين في البحرين استجاب لمطلبهم وأخذ يبحر في ملفاته التي جمعت مقالاته المختلفة، فأصدرها ونشرها في عام 1998م في كتاب عنوانه «أوراق صحافية» يتكون من أربعة أجزاء. وقسم مقالاته إلى مجموعة مواضيع محددة هي : لقاءات سمو الأمير الراحل طيب الله ثراه منارات مشعة للعطاء والوفاء، مجلس الشورى مشاركة إيجابية، لقاءات سمو رئيس الوزراء محطات مضيئة في طريق الخير والازدهار، قضايا عربية، قضايا عالمية، سمو ولي العهد الثوابت العربية ومصنع الرجال، البحرين واجتماعات القمم، شئون بحرينية، وشئون وشجون مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والإعلام والصحافة.

يعد أحمد سلمان كمال رائد كتابة القصة القصيرة بلا منازع. فقد كتب مجموعة من القصص القصيرة، في وقت مبكر من خمسينات القرن الماضي نشرت في الصحف وأذيعت من إذاعة البحرين. وتعد تجربته بكتابة القصة القصيرة من التجارب الرائدة في مجال الثقافة في البحرين. ويمكن القول إن القصة القصيرة بدأت بشكل مقوماتها الصحيحة في عقد الخمسينات من القرن العشرين، وتزعم كتابتها دون منازع. فقد نجح في كتابة قصص اجتماعية تدعو إلى الحد من الطلاق، كما تناولت قصصه مواضيع مختلفة منها: الزواج المبكر والمطالبة بعدم شرب الخمر أو لعب الميسر.

وقد ألف مجموعة قصص تميل إلى الأدوار المأساوية الحزينة ومنها «المجنونة»، و «جناية أب» و «الكأس الأخيرة» حيث تتخلل أسطر قصصه شعور بالموت، والتشريد والاضطهاد وكان يهدف من وراء ذلك حل مشكلة اجتماعية.

ربط تأليفه القصص القصيرة بوسائل الإعلام المتوافرة حينذاك ومنها الإذاعة والجرائد المحلية، ورفد إذاعة البحرين بمجموعة قصص قصيرة وفق برنامجه الأسبوعي (قصة الأسبوع) الذي نال اهتمام أبناء البحرين وحرصوا على سماع القصة.

بلغ عدد القصص القصيرة التي ألفها زهاء خمسين قصة معظمها أعدها لبرنامجه الخاص بإذاعة البحرين، وهو البرنامج الذي استمر قرابة سنة كاملة. ومع الأسف الشديد أنه لم يحتفظ بقصصه التي كتبها والتي تعد ثروة أدبية قيّمة تعكس خطاب البحرين الثقافي والأدبي في عقد خمسينات القرن العشرين. ويرجع سبب ضياع قصصه إلى ثلاثة أمور. الأمر الأول يتمثل في أنه لم يحتفظ شخصياً بنسخ من قصصه، أما الأمر الثاني فيتمثل في الإذاعة نفسها حيث فقدت الكثير من ملفات الإذاعة بما تحتويه من برامج مختلفة بسبب انتقال الإذاعة من مكان إلى آخر. ويتمثل الأمر الثالث في أنه قدم مجموعة من مخطوطات القصص التي كتبها إلى الباحث السعودي عبدالله المبارك الذي جاء يوماً بصدد كتابة بحث عن أدب شرق الجزيرة، فطلب جميع ما عنده من مخطوطات قصصية وسلمها إليه، مع وعد بإعادتها بعد فراغه من دراستها. ولكنها لم تعد، فإما أنها ضاعت في البريد كما يذكر، أو أنه نسي إرجاعها إليه.

رفد مجلة (صوت البحرين) بمجموعة من قصصه القصيرة، فقد تمكن من نشر أربع قصص بمجلة صوت البحرين التي صدرت في الفترة من 1950م إلى العام 1954م. ففي السنة الأولى في العام 1950م نشرت له قصتان هما: «جناية أب» التي نشرت في العدد الثامن الصادر في شعبان سنة 1370هـ، وقصة « المجنونة» ونشرت في العدد الحادي عشر الصادر في ذي القعدة سنة 1370هـ ونشرت له في السنة الثانية 1951م قصة «الطفل الرابع» حيث جاء نشرها في العدد الخامس الصادر في جمادي الأولى سنة 1371هـ.

ونشرت له قصة «الكأس الأخيرة» في العدد 87 من السنة الثالثة الصادر في رجب - شعبان سنة 1372هـ. وتعد قصصه القصيرة الأربع التي نشرها في صوت البحرين من روائع الأدب العربي لما تتمتع به قصصه من المعايير المطلوبة في بناء القصة القصيرة.

لقد أثبت أحمد سلمان كمال من خلال تأليفه القصص القصيرة التي راجت في خمسينات القرن العشرين، ومن خلال كتاباته الصحافية التي بدأها منذ العام 1950م، كما أثبت من خلال حديثه للجرائد والمجلات العربية التي أجرت حوارات مختلفة معه. أثبت أنه الأديب الصحافي المخضرم الذي يتمتع بذكاء حاد، وبُعد نظر، وغزارة في المعرفة وبخاصة في الشئون السياسية، انطلاقاً من خبرة متراكمة امتدت على مدى ستة عقود متواصلة، ما يعني أنه أحد أبرز رواد العمل الصحافي ورموزه في مملكة البحرين على امتداد تاريخها الثقافي.

إقرأ أيضا لـ "منصور محمد سرحان"

العدد 5365 - الإثنين 15 مايو 2017م الموافق 19 شعبان 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 4:11 ص

      نبي تكتب عن المكتبات العامه مته اول مكتبة في البحرين

اقرأ ايضاً