العدد 5374 - الخميس 25 مايو 2017م الموافق 29 شعبان 1438هـ

قصة قصيرة... الدَّرويــش

ظل معروفاً بين الناس باسم الدرويش دون أن يعرف أحدهم أسمه الحقيقي... ومن أي بلاد الله جاء؟
مررنا عليه يوماً وقد كان مُلطـَّخاً بالطـَّين، أثناء بنائه إحدى المصاطب على قارعة الطريق، ألقى والدي عليه السلام ثم نظر إليه طويلاً وهو يمسح عرقه بخرقة قديمة كانت معه.
قال له أبي وهو ينظر إليه: إنك حقاً رجل عظيم.
فنظر إلى أبي وقال له: بل هباءة في كوْن العظيم.
دعاه أبي يوماً للغداء فسلَّم عليَّ ثم قال لي: هل وَعيْتَ كثيراً من القرآن؟
فقلت له: أحد عشر جزءاً.
فمسح على رأسي قائلا: بالعلم تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد.
جلس مع أبي يأكلان سوياً، فاستاء أبي لطريقتهِ في تناول الطعام فتوقف عن تناول الطعام معه وتركه يأكل بمفرده.
فقال الدرويش لأبي: أخبرك أمراً؟ قال أبي: كما تحب.
فقال الدرويش: دعا أحدُهم رجلاً فقيراً ليأكل عنده وجلس يشاركه الطعام ابتغاء مرضاة الله، فبني الله له قصراً في الجنة، فلمّا أكل معه عاف طريقته في تناول الطعام واستاء منه فتركه يأكل وحده... فَهـُدِمَ القصر!
سمع أبي كلام الدرويش فلم ينطق بكلمة واحدة، بل ظل يُتمتم: أستغفر الله وأتوب إليه... أستغفر الله وأتوب إليه.
كان الدرويش يمرُّ بطريق القرية متوجهاً ناحية المقابر كعادته، فرأى باباً مفتوحاً وصوت النسوة في صحن الدار مرتفع، يسمعه كل من يمر بالطريق فتوجه ناحية الباب ووجهه في الأرض حياء ثم أغلق الباب بإحكام ومضى.
راح يطوف حول المقابر يتأملها في سكون وصمت مهيب، ثم عاد وقد اخضلّت لحيته بدموعه يمسحها بيده ويقول: لقاء قريب... لقاء قريب ثم يدعو... اللهم شهيداً شهيداً.
كان دائم الحضور بسُرادقات العزاء لقراءة القرآن دون مقابل، ثم يمضي لحال سبيله.
ذات يوم... خرج إلى عزاء بقرية مجاورة لقراءة القرآن كعادته.
انتهي العزاء وتوجه الدرويش إلى طريق العودة لقريتنا، فكان لابد من عبور الطريق السريع ليصل إلى الجانب الآخر من القرية، وأثناء عبوره للطريق السريع عاجلته إحدى السيارات المُسرعة فطرحته إلى جانب الطريق غارقاً في دمائه.
أقبلَ الناسُ عليه من كل مكان، ولكنّه كان على موعد مع الموت فقد فارق الحياة، بينما كانت مسبحته الخشبية في يده ومصحفه الصغير في جيبه.
حمله الناس في جنازة مهيبة وصلّوا عليه، ثم توجهوا به إلى المقابر فوسدوه التراب.
مات الدرويش وبَقيت المصاطبُ التي بناها تحكي قصته، يجلس الناس عليها في ذهابهم وإيابهم حتى تعارفوا عليها باسم (مصاطب الدرويش).
كبرت أشجارُ الكافور التي غرسها بيده فأصبحت الملاذ الآمن لعابري السبيل من حـرِّ الشمس وهجير الصيف.
كلما مررت على المقابر لاحت لي صورته وهو يطوف حولها وعيناه باكيتين، وكلـَّما جلست تحت شجر الكافور شعرت بيده تمسح على رأسي وهو يقول لي: بالعلم تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد.
مات الدرويش ولم تمت الأشجار التي غرسها، لازالت تهتف باسمه كل صباح ومساء كلما جلس تحتها مُستظل أو مـرَّ بها عابرُ سبيل.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً