العدد 5377 - السبت 27 مايو 2017م الموافق 01 رمضان 1438هـ

قصة قصيرة... لم آتِ لألقي خطاباً! *

هذا هو الحفل السنوي الذي تقيمه الشركة فتوجّه الدعوة لزبائننا لتكريمهم أو رشوتهم (لا فرق)! ولعرض أحدث ما يمكن ان تقدّمه الشركة من خدمات.
كالعادة، فإن صغار الموظفين أمثالنا يُلقى بهم في نهاية صالة الحفل، بمحاذاة أبواب الدخول، على كراسي بلاستيكية وأمام طاولات فارغة مغطاة بشرشف مبقّع، عليه منافض السجائر السوداء وقنينة صلصة الطماطم منتهية الصلاحية! يسمعون أصوات قرع الكؤوس وخشخشة الملاعق في الخارج، يعثر بهم الداخل ويرمقهم العابر باستخفاف.

ليس هذا ذا شأن أو أهمية، غير انني حرصت طوال 25 دقيقة من زمن الإعداد والتجهيز للحفل، على أن ابقى واقفاً أتصنّع انشغالي بمكالمة هاتفية، على رغم أن بطارية الجوّال فارغة! كل ذلك الوقوف كان، حتى يمرّ المدير العام ويراني، لأعرف ما إذا كان رضيَ عني، أو ما يزال مستاءً من تصرّفي يوم الأحد الفائت. نسيت أن أخبركم أنني في ذلك اليوم المشؤوم كنت أحمل أوراق القرض لأحصل على توقيعه.

تلك كانت المرة الثالثة التي أقصده فيها، ولكن السكرتيرة (زينب) أخبرتني أنه في اجتماع، فما كان مني إلا أن قلت بصوت مرتفع "ألا تنتهي اجتماعات هذا المدير التعِس!"، وإذا به يخرج من مكتبه!، فتبيّنت أنه كان بجانب الباب عندما أقدمت على حماقتي تلك... شعرت بامتقاع وجهي وتسارع دقات قلبي، وآلام في معدتي، حتى أن الأوراق سقطت من يدي، حدجني بنظرة لم أفهم معناها، ولكن ما تفوّهت به يكفي ليعطيني تفسيراً لنظرته وبأنّ عامي سيكون عصيباً... جداً. مذ ذاك لم أره ولم أسمع منه. وها أنا منذ ليال أربع والوساوس تقضّ مضجعي وتحرمني طيب الرقاد.

لهذا حرصت على الحضور قبل الجميع مرتدياً بذلة الزواج السوداء، بياقتها الباهتة وربطة عنق بألوان فاقعة، حتى لحيتي التي كنت أحلقها كل أسبوعين اضطررت لحلقها اليوم قبل أوانها، أعرف انه سيسرّ عنما يرى مني حرصاً على المشاركة في هذه الفعالية المهمة بالنسبة له وقد ينسى أو يتسامح معي فيما قلته.

كان برنامج الحفل هو أن يلقي المدير الكلمة الرئيسة، تليها كلمات موجزة لرؤساء أهم أقسام الشركة، انتصف وقت الحفل، وبحثوا عن رئيس قسم اللوجستك والنقل... وقاموا بالنداء عليه عبر مكبّرات الصوت، ولكن اتضح انه لم يحضر، ثم نادوا على مساعده، فالمنسّق، فمن يليه... ولكن أحداً من القسم الذي أعمل به لم يحضر!، فسأل عريف الحفل، من يتواجد من القسم، فرفعت يدي على وجل واستحياء، فإذا بالمدير يشير إليّ أن انهض لتقديم كلمة... المفترض أن تكون  كلمة عن طبيعة عملنا ودقته ومدى أهميته بالنسبة لزبائننا الجالسين الضجرين من تلك الكلمات الجوفاء.

انا من سيقدّم خطاباً! ... أنا الذي لا يستطيع رفع رأسه للحديث لثلاثة أشخاص يُراد مني أن أقف لأحاضر في مئة أو يزيدون... دون تحضير وإعداد، وماذا يمكن لمثلي أن يقول... وإن أنا إلا "مُدخّل بيانات" ومتابع لتحديث الملفات... تسمّرت في مكاني متحيراً غير قادر على اتخاذ أي قرار.
عاد مرة أخرى المدير العام ليناديني... Oh man, hurry up!"، فجأة تذكّرت أن مديرنا أجنبي، وهو لا يفقه كلمة عربية واحدة!، وهو حتى لا يعرف اسمي، وأنه لاشك ليس غاضباً مني فلا سبب يدعوه لذلك، ولكنه قد يفعل عندما اعتذر الآن وانسحب من الحفل، لأنني لم آتِ لألقي خطاباً!
العنوان: رواية للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز.




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2:04 م

      جميلة القصة و خفيفة الظل، بالتوفيق... أخوك من المغرب

اقرأ ايضاً