العدد 116 - الإثنين 30 ديسمبر 2002م الموافق 25 شوال 1423هـ

في وداع عام واستقبال آخر أي جديد في السنة الجديدة؟

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

يستقبل العالم عاما ميلاديا جديدا، وعادة ما يقف الناس في مثل هذه المناسبات مقيِّمين حوادث عام مضى، يفحصون فيه الصالح والطالح من الحوادث التي مرت، وينظرون إلى عام جديد يتمنون فيه الاماني الخيرة لأنفسهم وشعوبهم.

فإن نظرنا إلى عالمنا العربي، والبيت الخليجي جزء منه، في ما مر به العام الذي مضى نحاول سبر غوره، ونستخلص معاني من حوادثه، واستطردنا للنظر في توقعنا لعام جديد يكاد يطل. فماذا نرى؟

في قراءة الحوادث التي اصبحت وراءنا، ومد النظر لاستلهام توقعات تكاد تكون مكتوبة على الجدران من امامنا، نجد انها كثيرة غابرة وآتية، وجميعها عاتية صاخبة.

سنة مضت حافلة بالازمات. وسنة متوقع ان تكون حوادثها مترعة باحتمالات سلبية تصبح بجانبها الازمات السابقة من جملة الخفيف المعتدل، وليس في الامر تنجيم أو ضرب في الغيب، بل هي سلسلة تداعيات تمثل بعضها منذ فترة ولايزال الباقي يتمثل امامنا.

إذا كان عليّ ان اختار فقد شهد العام الماضي مؤتمر القمة الدولية العربية الاولى، ولم يتم في هذه القمة حل اي من الاشكالات العربية القائمة والمعروضة عليه، فقد قاطعه عدد من الرؤساء لأسباب مختلفة، كان على رأسها السبب الامني، كما صدرت قراراته كالعادة لتصبح حبرا على ورق، بعد ان كاد يفشل لتعثر التوافق بين اعضائه وشدة الخلاف والصراع بين من حضر، وما انقذه في اللحظة الاخيرة ان الجميع يريدون الخروج بشيء من التوافق المظهري... يعلمنا التاريخ وقوانين الطبيعة انه إذا فشل احد في سد الفراغ فسيسد هذا الفراغ احد آخر، وفي السياسة، إذا فشل العرب في حل مشكلاتهم سيحلها لهم آخرون.

سنة ماضية اصبح قتل الفلسطينيين جماعات ووحدان امرا يوميا لا يثير اية ردة فعل لا عربية ولا دولية، واصبح قتل الفلسطيني وتناثر اشلائه، مثل نحيب الثكالى من الامهات، يتفرج عليه العالم في التلفاز كما يتفرج الانسان على فلم سينمائي يعرف ان حوادثه غير واقعية، واصبح الفلسطينيون يقتلون بآلة جبارة من التحدي الايديولوجي والعسكرية القاهرة، وكأن الامر لابد ان يقع، بل واصبحت التوقعات كم من الفلسطينيين سيقتلون هذا اليوم؟ إذ أصبحوا مثل الحيوانات الضاربة التي يتفرج عليها الناس وهي تقتل بدم بارد في الغابة وكأنها (خدمة إنسانية)، وكأن ذلك هو المفروض ان يتم، وربما شهدت السنة الماضية اكبر عدد من القتلى الفلسطينيين، واقل عدد من الاحتجاجات، بسبب ذلك الوهن السياسي العظيم الذي اقعد الامة وأخرس ألسنتها، واضاع عليها الفرص.

سقوط طالبان وصعود اردوغان، في كل من افغانستان وتركيا المسلمتين، شكلا قضية معقدة للعرب في العام الماضي، وهم مسلمون، وفي الوقت الذي لم يظهر فيه الملا عمر في صورة ضوئية قط، نتيجة ما يعتقده من ان الصور (حرام)، تقول الصحافة الغربية عن رجب طيب أردوغان، زعيم (العدالة والتنمية) انه يشبه في صورته معبود الفتيات على الشاشة الفضية في القرن الماضي (كلارك جبيل) وفي خطبة يشبه إقناعه، إقناع ونستون تشرشل الزعيم البريطاني الاشهر والمفوه، ولكن الاختلاف بين البلدين كبير كما هو التشابه، فتركيا التي هلل البعض لوصول حزب العدالة والتنمية الحكم فيها، على انه طريق (إسلامي) جديد، تعاني من وضع اقتصادي يشبه في بعض صوره الوضع في افغانستان. فهناك مدن في تركيا توزع فيها الوجبات للمعدمين مجانا وعلى نطاق واسع، فالاقتصاد التركي الذي عانى من ازمات في العقود الاخيرة، وكان اكثرها شدة وضنكا في العقد الماضي، يحتاج إلى دفعة اقتصادية، اكثر مما يحتاج إلى خطيب مفوه، حتى لو كان يشبه المرحوم كلارك جبيل!، ولعل اختيار اسم (العدالة والتنمية) شعارا للحزب هو افضل تعبير لما تحتاج إليه تركيا، وغيرها من دول الشرق، قبل احتياجها إلى الشعارات، شيء من (العدالة) وكثير من (التنمية) يحققان المراد.

الاثتان افغانستان وتركيا في شكل ما تواجهان الصعوبات نفسها التي لا تحلها الشعارات، صعوبات التعليم والعمل والانتاج التي من دونها تصبح الدولة فقيرة، والشعب مقموعا.

الايام الاخيرة من السنة التي انقضت شهدت اجتماع قمة مجلس التعاون الخليجي هي الاقل حضورا على مستوى القمة منذ سنوات سابقة، وتشبه في شكلها الخارجي ما وصلت إليه اجتماعات القمم العربية، وبدأ المجلس الذي اخذ وقتا طويلا للتطور، ووضعت عليه آمال كبار، في مرحلة التراجع، فتصبح اجتماعاته شكلية، ونتائجه تستجيب إلى السريع والعاجل من الامور، من دون النظر إلى التحديات الحقيقية التي يواجهها الجميع، في منطقة تموج بالتغيرات الكبيرة.

من جهة اخرى نشط المثقفون العرب في السنة الماضية في (توقيع البيانات) فبعد ان وقع عدد من المثقفين الغربيين بيانات عن الدائر من الامور فيما بعد 11 سبتمبر/ ايلول، تبع المثقفون العرب، كعادتهم، ما يحدث هناك، فأصبح لدينا عدد من البيانات الموقعة وهي بيانات وعرائض تكتفي بلوم الآخر والبحث عن مثالبه من دون الانكباب كما ينبغي على فهم المشكلات التي تواجه العرب، والقيام بتحليلها وتعبئة الجمهور العام للتصدي لها، فقط شجب ما يقوله الآخر، والتعريض به، ونسي البعض ان الفارق بين ثقافة تتبع القول بالعمل، فتحول البيانات إلى مؤسسات، وثقافة تستعيض عن العمل بالقول، وتعتبر القول انجازا بحد ذاته، لا يؤدي الغرض ولا يجلب نتيجة.

لقد شهد العام الماضي معينا لا ينضب من الازمات العربية والاسلامية، ولكنها كانت في معظمها مقدمات لما سيشهده العام الذي يهل، فها هي الولايات المتحدة تحضر لحرب اخرى، يساعدها بنشاط النظام العراقي، متعهد حروب المنطقة في الربع القرن الماضي، ولكن المتخوف من ان الولايات المتحدة بكل ما تملك من قوة في مجالات كثيرة تجهل تضاريس المنطقة العربية، وهنا يكمن الخطر، فهذه الدولة الكبيرة، قد فرضت عليها الجغرافيا الكثير من المحددات، والنكتة المرددة بأن الرئيس السابق رونالد ريغان قال للصحافيين بعد زيارته لاميركا اللاتينية، تصوروا أن اميركا اللاتينية مكونة من عدة دول! (كان يعتقد أنها دولة واحدة) هذا الرأي يعطي تصورا واضحا ان الكثيرين هناك منقطعون عن العالم حكاما ومحكومين، إلى درجة أن الاحصاءات تقول لنا ان 12 في المئة فقط من كل مواطني اميركا يحملون جوازات سفر، الجغرافيا سبب، ولكن السبب الآخر هو ان اميركا قارة تستغني بما لديها عن العالم، فهي ليست بحاجة إلى معرفته، أو قل غالبية مواطنيها ليسوا معنيين بمعرفة من منهم خارج الحدود، للنخبة الاميركية سقوط حائط برلين سنة 1989، والقفزة الاقتصادية في التسعينات، يعني ان نظرتهم للعالم وما يعتقدوه هو الافضل والاصلح للآخرين.

وامام صدمة 11 سبتمبر التي قتلت على الارض الأميركية اكبر عدد من الاميركيين في يوم واحد منذ الحرب الاهلية في القرن التاسع عشر، عدا تحطيم رموز عزيزة للمواطن الاميركي، فقد جعل من هذا التجمع الصناعي والسياسي الضخم، ينظر حوله فيجد المسلمين والعرب، يضعهم في بوتقة واحدة، ويفكر نيابة عنهم.

المشكلة التي نواجهها ان العالم الثالث، ومنه العرب، يعرفون كل شيء تقريبا عن اميركا، الملابس والسينما والموسيقى وحتى المأكولات التي تنتشر مطاعمها في معظم بقاع العالم معروفة بالتفصيل، ولكن في المقابل قلة من الناس في الولايات المتحدة التي تعرف على وجه اليقين مامشكلات العالم الثالث والوسائل الممكنة لحلها.

لذلك فإن الحرب المقبلة التي يبدو ان لا احد يستطيع ان يوقفها، ستصل نتائجها إلى منطقة بأسرها، منطقة قضت في العقود الخمسة الاخيرة كل الوقت تخرج من ازمة لتدخل ازمة اعقد منها، والحرب المقبلة ستخلف الكثير من النتائج، بعضها سلبي، تعجز الادارة الاميركية عن حله، كماتعجز بكل ما اوتيت عن حساب نتائجها الكلية، ونعجز نحن عن (التفكير) فيها.

لا يحمل العام المقبل سياسيا على الاقل إلا كل النذر، وهو على وجه اليقين سيكون عاما حافلا بالحوادث الجسام، اكثر من سابقه الذي نودع

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 116 - الإثنين 30 ديسمبر 2002م الموافق 25 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً