العدد 2201 - الأحد 14 سبتمبر 2008م الموافق 13 رمضان 1429هـ

مسارات التفاوض بعد مرحلة أولمرت

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

خلال الأسبوع الجاري ستطرأ تحولات على هيكلية السلطة في حكومة تل أبيب. وهذه التطورات ستحصل بناء على خطوات ثلاث: الأولى، انتخابات داخلية في حزب «كاديما». الثانية، استقالة رئيس الحكومة الحالي إيهود أولمرت. والثالثة، تعيين الفائز بانتخابات «كاديما» رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة الجديدة.

الخطوات الثلاث شكلية ولكنها تحمل معها متغيرات قد تنعكس على التوجهات الإسرائيلية في الشهور المقبلة بانتظار أن تتبلور صورة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. المتغيرات المتوقعة لن تكون جذرية في رؤيتها الاستراتيجية ولكنها قد تكون حاسمة في تحديد خيارات «إسرائيل» وطبيعة تعاملها مع الملفات الساخنة في المنطقة والدور ألأميركي في إدارتها.

شكلية الخطوات لا تمنع قراءة احتمالاتها السياسية. فالانتخابات الحزبية ترجح فوز وزيرة الخارجية تسيفي ليفني التي كشفت عن تاريخها السياسي في المخابرات الإسرائيلية (الموساد) حتى تعطي شرعية لموقعها الشخصي في لعبة التنافس. واستقالة أولمرت تعادل خروجه النهائي من الصورة بعد اتهامات موثقة بالفساد والرشوة معطوفة على سجل حافل بالخيبات والفشل والتزوير والتحايل والنفاق والإحباط. واحتمال تكليف ليفني بتشكيل الحكومة يرجح أن يؤدي إلى زعزعة توازنات الحزب ويدفع نحو تقديم موعد الانتخابات النيابية لتقرير حجم التحالفات ونسبتها بين القوى التي تدير الآن دفة الحكم.

احتمال تقديم موعد الانتخابات الإسرائيلية مرشح للنمو بعد مغادرة أولمرت المسرح السياسي في اعتبار أن تركيب الحكومة الحالية جاء بناء على توازنات سابقة طرأت عليها تعديلات تأسست على تقرير لجنة «فينوغراد» بشأن إخفاقات الحرب على لبنان في صيف 2006. فالتقرير الذي حدد أسباب الفشل وأعطى تصوراته عى إمكانات تجاوزها في المستقبل شكل مادة دسمة لفريق المعارضة المتمثل في حزب «الليكود» وقدم له ذريعة سياسية للمطالبة بعقد دورة انتخابات مبكرة ترجح الاستطلاعات احتمال فوز بنيامين نتنياهو بها. وترجيح فوز «اللكيود» بالغالبية البرلمانية سيضع حكومة ليفني (تحالف كاديما والعمل) أمام خيار الاستقالة ما سيؤدي إلى تجميد كل الملفات الساخنة والطارئة بانتظار تبلور صيغة الحكم وبرنامجه للفترة المقبلة. والفترة المقبلة ستتصادف بالتأكيد مع تحولات قد تكون مثيرة دوليا في حال فاز الحزب الديمقراطي بالانتخابات الرئاسية.

ملفات «الشرق الأوسط» مقبلة على متغيرات في حال سارت الأمور وفق الآليات الطبيعية وتلك المواعيد المتوافق عليها في الأسابيع والشهور الممتدة إلى نهاية 2008 وبداية 2009. وبين نهاية العام الجاري ومطلع العام المقبل هناك مطبات زمنية يمكن مراقبة تفاعلاتها حتى قبل موعد حصولها.

أولمرت الذي يرجح أن يغادر السلطة في نهاية الأسبوع الجاري سيترك خلفه (ليفني) في دائرة مغلقة لكونه فتح في السنتين الأخيرتين ثلاثة إطارات للتفاوض ولم يتوصل في المسارات الثلاثة إلى نهاية واضحة. فأولمرت اتبع سياسة تنويع المسارات عن قصد ليتهرب في آخر المطاف من الإطارات الثلاثة. فهو فتح باب التفاوض العلني والمباشر مع السلطة الفلسطينية (الرئيس محمود عباس) استجابة للضغوط الأميركية من دون أن يتوصل مع حكومة رام الله إلى نتيجة تذكر. بل يمكن القول إن أولمرت استخدم التفاوض غطاء لتطوير مشروع الاستيطان وتوسيعه وتغذيته بالمال حتى التضخم ما عطل إمكانات التفاهم على بند من البنود.

تعدد المسارات

إلى الباب الفلسطيني الأول فتح أولمرت مسار التفاوض مع الباب الفلسطيني الثاني مستفيدا من انقلاب «حماس» على السلطة وسيطرتها على قطاع غزة. فالانقسام الفلسطيني أعطى أولمرت هدية مجانية لا تقدر بثمن للتهرب من تلك الالتزامات والوعود الأميركية المخادعة (دولة قابلة للحياة) ما سمح له بالمماطلة بذريعة ضعف سلطة عباس وعدم قدرتها على ضبط الشارع. وأدى التفاوض الإسرائيلي «التقني» و «الفني» مع سلطة حماس إلى تشكيل «حصان طروادة» في القطاع ورفع الارتباك الفلسطيني إلى حده الأقصى ما أعطى فرصة لتل أبيب بالتلاعب على المسارين واستخدامها بطرق متعاكسة حتى يستمر الاحتلال في مشروع توسيع الاستيطان في الضفة في وقت يتعامل مع غزة بصفتها ورقة أمنية وليست موضوعا سياسيا له صلة بالقضية والاستقلال وتقرير المصير.

ترافق التلاعب الإسرائيلي بالمسارين الفلسطيني مع فتح باب التفاوض غير المباشر مع دمشق بذريعة أن المسار السوري أسهل وكلفته لا تقارن بالخسائر المحتملة التي يمكن أن تسفر عنها التفاهمات الدولية بشأن الموضوع الفلسطيني. فالتفاوض بشأن الجولان شكل لحكومة أولمرت ذريعة إضافية للمماطلة وكسب الوقت والتهرب من الالتزامات التي تنص عليها القرارات الدولية. وهذا التحايل الإسرائيلي أدى إلى نوع من الاضطراب التفاوضي بسبب ازدحام المسارات وتنافس القوى على تقديم ضمانات أمنية وغيرها ما جعل الأبواب كلها تسير باتجاه الفشل... وهو الأمر الذي خططت له حكومة تل أبيب من البداية.

الآن وقبل أن يغادر أولمرت مسرح السلطة نهائيا أقفل قبل أسبوع من غيابه كل المسارات ووضع الكثير من الحواجز التي تمنع إمكانات فتح الأبواب بذريعة أن تل أبيب تمر في فترة انتقالية ولا يمكن لها أن تتوصل إلى تفاهمات حاسمة قبل توضيح المكونات الحزبية التي ستتشكل منها الحكومة الجديدة.

كل أبواب التفاوض أقفلت عمليا. فالمسار السوري تأجل مؤقتا بعد مباحثات غير مباشرة جرت على أربع جولات في تركيا وتجمدت الخامسة بانتظار أن تتم عملية الانتقال (التسلم والتسليم) بين أولمرت وليفني. ومسار التفاوض مع «حماس» استقر أمنيا بعد قبول سلطة إسماعيل هنية بوقف إطلاق الصواريخ مقابل رفع محدود للحصار وعدم تعريض القطاع لغارات واختراقات تزعزع حركة المعابر والحدود. أما مسار التفاوض مع السلطة الفلسطينية فهو دخل منذ فترة في حال من الغيبوبة السياسية لكون مشروع الاستيطان يتركز في معظمه على الضفة الغربية والقدس (مصادرة 40 في المئة من مساحتها حتى الآن) ما وضع حكومة رام الله في موقع صعب بعد أن خسرت غزة ولم تربح «الدولة» الموعودة.

سياسة إقفال الأبواب وضرب المسارات ببعضها ليست جديدة في أسلوب تعامل تل أبيب مع القرارات الدولية ومشروع السلام العربي. فالدولة العبرية ترفض منذ زمن بعيد التفاوض مع الدول العربية على طاولة واحدة وفي غرفة مشتركة، وهي ترى أن المسارات يجب أن تكون متعددة ولا يجوز جمعها في إطار واحد. وهذا التكتيك القديم اتبعته مرارا تل أبيب للتهرب من الاستحقاقات الدولية منذ «مؤتمر مدريد» الذي دعت إليه واشنطن للتغطية على النتائج الكارثية التي أسفرت عنها حرب الخليج الثانية في العام 1991.

تل أبيب تميل دائما إلى خيار تعدد المسارات وتنوع الأبواب حتى تتسع مجالات المناورة وتمتلك المقدرة على التلاعب وتغليب خط على آخر ثم إقفال مسار وفتح آخر أو فتح باب وإقفال آخر وصولا إلى ردم المسارات كلها وإقفال كل الأبواب على التفاوض بذريعة التنافس والتعدد والتنوع. وهذه السياسة التي اعتمدتها تل أبيب مرارا لا تختلف عن أسلوب المناورات التي لجأ إليها أولمرت وأدت إلى النتيجة المخطط لها قبل أن يغادر مكتبه بأسبوع.

بعد غياب أولمرت عن المسرح لا يستبعد أن يمارس خلفه الأسلوب نفسه بغض النظر عن الشخصية التي ستكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. والجديد في المرحلة المقبلة أنه سيترافق مع تحولات دولية في الشهور الآتية سيكون لها انعكاساتها على متغيرات ميدانية في «الشرق الأوسط الكبير» ستنكشف في تضاعيفها الكثير من تضاريس التحالفات الإقليمية وهي ليست بالضرورة أن تكون منسجمة مع طبيعة العلاقات الظاهرة الآن على السطح. فهناك صفحة ستطوى لتبدأ بعدها عناوين جديدة بالتشكُّل لترسم بالكلمات هوية الفصل الجديد في كتاب قديم

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2201 - الأحد 14 سبتمبر 2008م الموافق 13 رمضان 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً