العدد 2134 - الأربعاء 09 يوليو 2008م الموافق 05 رجب 1429هـ

مع طرفة في المحكمة

أوان دراستي في المرحلة الثانوية، كانت فتافيت الشعر الجاهلي التي تدرس ضمن المناهج أمرا مشوقا جدا، ومثيرا إلى حد كبير للبحث عن معاني كلماته الظاهرة، والمعاني المبطنة ما بين السطور، لتكشف لنا الحقيقة عن أروع ما كتب، لما تكتنفه تلك الأغصان المتشابكة من ورود المعاني والحكايات.

كنت دائم الازدراء حينها من الشعر الحديث، الذي لم يكن يقارب شيئا من تلك التحف المركبة بجمالية صاغها فحول شعراء العرب، ولا أجد فيه المجهود الذي يستحق التقدير، كونه أشبه بقطع متناثرة تم تركيبها كيفما جاءت، إذ طالما تخيلت أحد شعراء عصرنا وهو مصلوب بين الأعراب، وهم يرشقونه بالحجارة غيضا على ما قاله من سفاهة، فيما جدران الكعبة تشرف القصائد المعلقة العشر.

عنادا أقول إن موقفي لم يتزحزح، رغم ما اكتشفته لاحقا من التجارب الجميلة التي تطرب لها القلوب من الشعر المصاغ بأساليب كالنثر أو التفعيلة أو الحر، إلا أن حقيقة أخرى تجلت أمامي من خلال حديث مع الزميل مهدي سلمان، الذي وضح لي أن العيب ليس في نمط الكتابة، إذ ما الأنماط إلا قوالب يكتب من خلالها، إلا أن المضمون هو ما جعل الفارق يتجلى بين ما كان يكتب ويعلق على أسوار الكعبة، وما لا تشتهي النفس الإكثار من سماعه أكثر من بضع دقائق.

الحوار ذاك أثار في ذاكرتي عبارة حكيمة تقول: «الشعراء أربعة، شاعر يجري ولا يجرى معه، وآخر من حقك أن تسمعه، وثالث ضاع وسط المعمعة، وشاعر من حقك أن تصفعه».

ولو وكلنا أنا وطرفة ابن العبد - شاعر البحرين الجاهلي- على محكمة للشعر، لجلدنا عشرات المدعين على ما يكتبونه من نفوس عاثت فيها الوجبات السريعة والحياة المادية الفساد، وحرمت الناس من الجمالية والصفاء الحقيقيين اللذين كان يكتب بهما العرب الشعر سابقا.

العدد 2134 - الأربعاء 09 يوليو 2008م الموافق 05 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً